الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأستاذ محمود أبو عكرمة

د. رحيل محمد غرايبة

الجمعة 16 شباط / فبراير 2018.
عدد المقالات: 524


«الأستاذ « لقب يكاد يكون مخصوصاً وملازماً للمعلم في أواسط القرن المنصرم بحيث يصبح ذلك وصفاً مميزاً وممزوجا مع قدر كبير من الاحترام والتقدير الحقيقي من جميع أهل البلدة الذي يخلو من كل أشكال التكلف، ويصبح أداة للتعريف والنداء في الحياة الاجتماعية، فهناك مئات بل آلاف من الناس الذين يحملون اسم «محمود» في قرية فارا – الهاشمية / عجلون، ولكن عندما يقال الأستاذ محمود فينصرف رأساً لأبي عكرمة الذي أصبح معلماً في عام 1958م بعد أن أكمل الخامس ثانوي في ذلك الوقت قبل مجيء التوجيهي.
الأستاذ محمود أحد أفراد جيل النهضة الأول، إذ اكتسب تعليمه الثانوي في بدايات تأسيس المملكة عندما كان عدد المدارس في المملكة لا يصل إلى عدد أصابع اليدين، حيث تأسست مدرسة فارا عام (1923) بحسب تقديرات بعض الدارسين، لأنهم عثروا على وثيقة محفوظة في سجلات المدرسة تظهر زيارة مساعد المندوب السامي البريطاني للمدرسة عام (1925) وكتب تقريراً عن زيارته للمدرسة التي كانت للصف الرابع، وقد وجد الوضع مرضياً؛ ما يشير بوضوح إلى حرص الناس في ذلك الوقت وإصرارهم على التعليم الحديث، بعد موضة الكتاتيب التي كانت سائدة قبل ذلك.
هذا الجيل شق طريقه بصعوبة بالغة في ظل ظروف شديدة القسوة، وتعاني الأغلبية العارمة من الفقر المدقع وقلة ذات اليد، وانعدام الطرق والمرافق والمستلزمات فضلاً عن السيارات، وما زلت أذكر حديث والدي رحمه الله الذي ولد عام (1908) حيث يقول: إن مدرسة (فارا) كانت للصف الرابع، وعند المطالبة بزيادة صف خامس للمدرسة لم تكن هناك إمكانية من جهة الحكومة آنذاك، فعمد أهل القرية إلى جمع رواتب مدرس جديد مقدمة من جيوبهم، وجاءوا بمدرس جديد ورفعوا المدرسة إلى الصف الخامس، ثم إلى السادس، وفي سبعينيات القرن المنصرم جمع أهل القرية المال من جيوبهم الخاصة لبناء مدرسة جديدة تتسع للاعداد المتزايدة، كما جمعوا مالاً على حسابهم لشق طريق جديد يربطهم بأراضيهم الواسعة في غور وادي اليابس.
وعندما تأخر وصول الكهرباء للبلد في أوائل الثمانينيات، عمد أهل القرية إلى تأسيس شركة كهرباء خاصة بالقرية وقاموا بشراء مولدات كهرباء كبيرة وأناروا بلدتهم لوحدهم، ريثما وصلت الكهرباء إليهم عن طريق الحكومة.
الأستاذ ابو عكرمة أصبح مديراً لمدرسة الهاشمية الثانوية في أواسط السبعينيات، واستطاع أن يرفع اسم المدرسة على صعيد محافظة عجلون التي كانت آنذاك لواءً، وما زلت أذكر أن مدرسة الهاشمية الثانوية (فارا سابقاً) استطاعت في بعض السنوات احتكار العشرة الأوائل على مستوى المحافظة، كما استطاعت مدرسة البنات ان تحتل المرتبة الأولى على مستوى المملكة في نسب النجاح في الثانوية العامة، وحصل بعض طلابها على مرتبة الاول على مستوى المملكة، وأصبحت تشارك في المسابقات الرياضية والثقافية، وإعداد المسرحيات المميزة، حيث حول المدرسة إلى منارة تربوية وثقافية يتحدث عنها كل العجلونيين في ذلك الوقت، بفضل نخبة من الأساتذة من أبناء البلدة في معظم التخصصات، وقد خرجت هذه المدرسة مجموعة كبيرة من الأطباء والمهندسين الذين يشار إليهم بالبنان وعدد كبير من أساتذة الجامعات المرموقين والمعروفين على مستوى الأردن كلها.
أسهم الأستاذ أبو عكرمة بالتعاون مع نخبة من زملائه، ومع أهل قريته على بناء نموذج أردني متميز، يصلح أن يوثق مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ الأردن، وتصلح أن تكون محل دراسة معمقة في ظل الحاجة إلى العودة الجادة إلى حالة الاعتماد على الذات وسط هذه الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة والمعقدة التي يمر بها الأردن والإقليم.
لا أستطيع أن أعطي (أبا عكرمة) حقه في توضيح سيرته التي تمثل سيرة جيل أردني عظيم شكل قاعدة صلبة للأجيال الجديدة لتتمكن من عبور الألفية الثالثة من أجل الإسهام في بناء الدولة الأردنية الحديثة القادرة على خوض غمار البناء والتقدم والتنافس مع دول الإقليم.
أما عن سيرة الأستاذ محمود الشخصية فهو شقيقي الأكبر الذي يكبرني بعشرين عاماً؛ فعندما ولدت عام (1957) كان في بيتنا معلم، وكان منزلنا محلاً لاجتماع معلمي المدرسة بشكل يومي تقريباً، وكان يُعنى بكل معلم جديد، ويؤمن له السكن والرعاية والحفظ، وكان لا يغفل عن المراقبة الحثيثة لكل الطلاب والمعلمين، وكان ذكياً لماحاً سريع البديهة جريئاً في الجهر برأيه، وكان مفعماً بالشعور القومي العارم الذي كان ممتداً على طول رقعة الأرض العربية في ذلك الوقت، وعندما ظهر العمل الفدائي في الأردن بعد عام 1965، وإذ به ينضم إلى العمل الفدائي ويخوض مغامرته بكل رجولة، وبقي في كل مراحل حياته متديناً ثورياً صوفياً يحافظ على صلاته في المسجد حتى ساعة الوفاة.
ترجل أبو عكرمة ليلة الخميس 9/شباط/2018 عن عمر يقارب الثمانين عاماً، ومات واقفاً كما الأشجار، ليبق رمزاً أردنياً خالداً في سيرته العطرة التي يشهد لها عدد متواتر من الرجال الكبار والشباب من الذين يعرفونه حق المعرفة ويقرون له بالفضل وحسن الخلق وعلو الهمة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش