الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذئاب

رمزي الغزوي

الخميس 6 آب / أغسطس 2015.
عدد المقالات: 2044


في طفولتنا (ننطر) الكروم ونحميها. وكان أبي يوصينا أن نكون ذئاباً لا تغفل أو تتغافل، وإذا صدف ونمنا، فعلينا أن ننام بعين واحدة!، فيما الأخرى متربصة. ففي عالم الذئاب، عليك أن تكون ذئباً، وإلا أكلتك الكلاب!.
أما جدي فقد كان يسخِّرنا للعمل في البستان، بحيلة ذكية تجعلنا نلبي كل أوامره الثقيلة، وطلباته المتتالية، بسعادة عارمة. فإذا أراد من أحد منا، أن يقلب التربة حول الشجرة بالفأس، قال له: أأنخاك أم أنخى الذيب؟!، أي أأستعين بك أم بالذيب؟!، وبطبيعة الحال سوف تنبجس فيك الحمية كبركان، وتقول لجدك بنبرة صارمة: يخسأ الذيب، ثم تنهك قواك بضرب الفأس حتى تقطر عرقاً.
جدي عرف كيف يفجّر طاقاتنا، مستغلاً كرهنا الشديد للذيب، ولكننا ذات مرة، وبعد أن نال منا التعب، قال جدي: إلك أم للذيب؟!، فما كان من أخي إلا أن قال لجدي بلسان دبق: خسأ أنا يا جدوه!، خليها على الذيب، هذه المرة!. وهكذا صرنا نتملص من طلبات الجد غير المنتهية، بإسنادها إلى الذيب.
كثيرة هي التابوهات والممنوعات التي كانوا يحيطونها بنا، ويحذروننا منها، فالذئب جعلوه لنا فزاعة، بل زرعوه في رؤوسنا الغضّة، وخوفونا به ومنه؛ كي لا نجرؤ على المرور بطريق غير التي أرادوها لنا!، وكي لا نفكر بأشياء حالمة، وكي لا تبتكر خطانا طريقاً جديدة، قد تكون جميلة!، حتى لو كان فيها الذئب، فمنذ متى كان الذئب حيواناً محتالاً، ينام بفراش الجدة المسكينة، بعد أن بلعها، ثم يقلّد صوتها؛ ليصطاد ليلى الجريئة!.
ولهذا عندما صرت أحيا قصة يوسف وتفاصيلها القرآنية الدقيقة، وأرى الاخوة إذ يكيدون له كيدا، بتلطيخ الدم الكذب على قميصه، فيما الذئب البريء، لم يذق طعم لحم ابن يعقوب بتاتاً، وتشهد بذلك غياهب الجب. عندها عرفت أن من البشر من هم أكثر كيداً وذأبنة من الذئاب.
معظم الكائنات الحية لا تعتدي على بني جنسها، إلا البشر بحروبها الشعواء المتواصلة، وقمعهم لبعضهم. فالبشر دائماً ينتظمون على خط النار، يتوقون لحروب جديدة. فيبدو أن داء القتل قد تغلغلهم، وأن الذئب في داخلهم لا يفتر عن العواء الطالب للدماء. والأمثلة تطول وتطول.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش