الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكرة ما .. إذا مات منا سيد، قام سيد..

تم نشره في الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

بريهان
قمق

«المؤامرة التي قتلت هزاع ما أضعفتنا. وإللي بدها تقتلنا ما بتضعفناش. والقائمة بتمشي، إذا مات منا سيد قام سيد. وهناك في حتمية للخير وللصدق»
كان تسجيلا صوتيا يتنبأ فيه عاشق الأرض»وصفي التل» بمقتله. عاد ورددها بعد سنوات لمدير المخابرات العامة الفريق نذير رشيد، الذي حذره من الذهاب للقاهرة؛ لأن النظام الناصري يُعد لاغتياله، فرد عليه قائلا : «ما حدا بموت ناقص عمر والأعمار بيد الله».. قال ذلك لأنه مؤمن بأنه يحمل مسؤولية أخلاقية، تجاه وطن على صفيح  ساخن..
لا نبعث «وصفي» من مرقده للبكائية، بل معنىً للوطن والهوية، وقد غرسها بقوة في وجداننا كما الجينات نتناقلها جيلا بعد جيل...لذا ليس سهلا تجاهل جريمة سياسية بحجم مقتله غدرا، تمت بوضح النهار، وبتسهيلات باتت مكشوفة الأدوار ودون أي عقاب للقتلة؛ من جماعة أيلول الأسود، تاركين التاريخ مفتوحا لفداحة الجريمة!....
نعم، فقدنا الفارس العاشق للأرض والقمح، القومي العروبي الأردني السياسي الفذ..ولكن ماذا بعد... فهذا الحدث دخل التاريخ برؤية ثنائية متناقضة، كما أحداث أيلول ومعركة الكرامة أيضا...
الكتابات الأردنية حول هذه الأحداث دوما حذرة، وتتجه للداخل لعدة اعتبارت أخوية وقومية وقيمية مجتمعية..ولكن للأسف الكتابات والتحليلات والآراء التي جاهرت من بيروت ودمشق والقاهرة وطرابلس، كانت صادمة وجارحة ومجافية للحقيقة ومتلاعبة بالعقول، ومناقضة تماما مع ما اختبره الأردنيون بأنفسهم وعايشوا قسوة الانفلات الأمني، وفوضى المدن، بالإضافة لاشتعال الشمال بسبب انفلات الفصائل المسلحة ذات المرجعيات العراقية والسورية والمصرية والليبية والروسية والصينية، التي حملت المنطق البراغماتي الوسيلة تبرر الغاية، بل وصل الى حد وضوح نوايا السيطرة على السلطة، علانية دون مواربة، بل تمت السيطرة على بعض مفاصل رئيسة في الدولة، بالإضافة  للفوضى فيما بينهم بهذا الكم من المسلحين المنفلتين والصراعات الايدولوجية فيما بينهم...كل هذه التفاصيل غدت معروفة للأردنيين، وحتى للفصائل التي غادرت الأردن بعد اشتباكات كان لا مفر منها، ولكن يا للمفارقة لم يقبلهم  ناصر ولا الأسد الأب، فراحوا الى لبنان التي عاشت تجربة الحرب الأهلية الطاحنة تورطت بها الفصائل أيضا هناك، لحين مغادرتهم ثانية بعد الاجتياح الاسرائيلي واتجاههم لتونس، ورغم كل هذا ظلت غالبية الكتابات هناك حول أيلول ووصفي التل ، تجافي الحقيقة!...
الحقيقة ان الشهيد «وصفي التل» بوصفه رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع آنذاك، حمى أردنية الوطن بحزم، وحمى الوطن..لقد كان مع المقاومة فعليا وفكريا بكل جوارحه وقد حارب أصلا في فلسطين، بل عرف جيدا الصهيونية أكثر بكثير من بعض الزعامات الفلسطينية ذاتها، لوعيه وعقلانية فكره، ورؤيته لكيفية أسس مقاومة الاحتلال، وليس بالدوغمائية التي كانت سائدة في تلك الحقبة ودفع الكل ثمنا لتلك البروباغندا...
ونحن نتحدث عن فارس الأرض، يؤسفني القول انه من غير المنطق أن تقوم إحدى الفضائيات العربية من بلد آخر ببث برامج حوارية، ووثائقية عديدة، بتفاصيل الاغتيال، وتحليلات لهذه الشخصية الوطنية، ولأحداث أيلول، مستضيفة شخصيات أردنية وعربية رفيعة المستوى، وفي المقابل لا نجد كما وكيفية ونوعية بذات المهنية والفنية التلفزيونية لدى محطاتنا الأردنية على كثرتها، كي تكون مرجعية تأريخية وتوثيقية عالية المستوى وطنيا...
أين البحوث والدراسات الأكاديمية ولدينا عشرات الجامعات التي تُدرس التاريخ والعلوم السياسة والدراسات العليا ؟؟؟؟
أين الإنتاج الورقي البحثي من قبل طلبة الدراسات العليا وللأساتذة الاكاديميين..وأين انتاج المفكرين السياسيين وأصحاب التجربة السياسية والاجتماعية، ممن تغلغلوا وتوغلوا في الأحداث، وباتوا مخزونا معلوماتيا قابلا لإنتاج معارف مستجدة بناء على حقائق دقيقة ...
نحن مقصرون في التوثيق المعرفي، وأسلوبية تقديم الرواية الأردنية لأحداث ايلول، والخروج من حدودنا الجغرافية اعلاميا وثقافيا لنخاطب العرب، بالإضافة لأهمية طرح أحداث مفصلية أخرى مثل: معركة الكرامة التي باتت أكثر من رواية، بسبب الدوغمائيات الإعلامية في الخارج...صحيح انه توجد محاولات فردية مشكورة لشخصيات أردنية لإنتاج كتب موثقة ولكن هذا لا يكفي، فهناك أيضا مسؤوليات مشتركة تقع على عاتق وزارة الدولة لشؤون الإعلام والاتصال بكل مؤسساتها، ووزارة الثقافة، والديوان الملكي، ومديرية التوجيه المعنوي في القوات المسلحة، كمنبع معلوماتي للباحثين في زمن المعلوماتية، بالإضافة لمسؤوليات الجامعات وبخاصة كليات العلوم السياسية والتاريخ، ذلك لأننا بحاجة لتراكم معرفي لحقب تاريخية أردنية، وتسجيل ووصف وتحليل الأحداث التي جرت، على أسس علمية محايدة، لتقديم الحقائق التي تساعد على فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل، وأيضا لمواجهة التضليل الإعلامي الذي لعبته أطراف كثيرة سواء من التنظيمات ذاتها في بيروت، أو أنظمة ناصبت الأردن العداء في حقبة زمنية ما، انما تركت موروثا هائلا من الكتابات المجافية للحقائق، ذلك لأن أي فراغ معرفي عن أي قضية شائكة سيتم  ملؤها من قبل الغير بكتابات مستخفة بالحقائق...
ابن الارض والقمح، الشخصية السياسية، القومية، العروبية، الوطنية، نظيف القلب والجيب، المحترم  حتى من أعدائه، يتطلب أيضا اهتماما جادا، في زمن تزايدت فيه التحديات للمعنى الوجودي للدولة التي تواجهها اليوم وغدا، سواء تحديات اقليمية أودولية بما في ذلك طبيعة القرن الحادي والعشرين ونُظم العولمة،  التي تهدم الحدود الجيوسياسية بأذرعها الاقتصادية الشرسة، وتسحب البساط  تدريجيا من المعنى الوجودي لأي دولة بمعناه السياسي المتعارف عليه في العلوم السياسية...
في ظل هذه التحديات نحتاج للمعرفة التراكمية الوطنية كسنديانة تنمو أكثر وتزداد اشجار الزيتون تجذرا للغائب الحاضر، للمعنى الحقيقي للسلطة الأخلاقية غير المستقلة عن إرادة الشعب وقيمه.. نحتاج الى الذهاب الى كل الاتجاهات بقيم ووعي ذاك الفارس الذي اشتبك مع القضايا الكبرى والصغرى بشجاعة، والذي قال:
«الأردن لن يحترق»..ذلك لأنه «إذا مات منا سيد قام سيد آخر»..
فإن تمكنوا من جسده، فإنهم لم ولن يتمكنوا أبدا من إثر ضوئه في جيناتنا...
 ورحم الله «وصفي التل» سيد الضمائر ..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش