الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تحدّي القراءة

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

محمد المشايخ

تشهد معظم مدارس المملكة مسابقات شعارها”تحدي القراءة”، يتنافس خلالها أكثر من مليون من طلبة المملكة لمطالعة ملايين الكتب للفوز بجوائزها المادية والمعنوية، الداخلية والخارجية،وتلعب الإدارات التربوية والهيئات التدريسية والمؤسسات الثقافية دورا كبيرا في تأجيج هذا التنافس الشريف والهادف، فالقراءة تـُنمي العقل وتـُنشـّطه وتحافظ على سلامته،بل تعتبر تمرينا مهما للذاكرة،فكل معلومة تـُقرأ تـُخزّن تلقائيًا فيه، وتـُسترجع عند الحاجة لها،كما أن المطالعة تنمي المعرفة وتزيد العلم والثقافة، ولذا نجد ركاب الحافلات والطائرات وحتى السفن في الدول الأجنبية، وهم يحملون في أيديهم كتبا يقرأونها، أي أنهم يقرأون في البر والبحر والجو.

ومع ذلك نجد بيننا من يتعاملون مع الكتب بعنف، بدليل أنبعضهم يلقونها في حاويات القمامة، ويقومبعض الطلبة الذين يدرسون مُجبرين ومن أجل الامتحانات فقط، بإلقاءكتبهم في الشوارع عند انتهاء الفصول الدراسية، كما أن بعضهن يـَرين في المكتبات المنزلية ضرائر لهن،لقد حاول أحدهم أن يُحبب زوجته بالكتب، فكان يضع لها مبلغا من المال في الكتاب ويطلب منها مطالعته، فأدركت الزوجة اللعبة بسرعة، وصارت تأخذ المال، وتقول لزوجها أريد الجزء الثاني من الكتاب، كل شيء في معظم المنازل ضروري، الثلاجة والغسالة والتلفاز، أما الكتب فتعاني من الإهمال والتشتت، بعضها في المستودع، أو في بيت الدرج، أو فوق السدّة، بل إن أحد الأدباء شيـّد مكتبة من المؤلفات التي أهداها له أصدقاؤه من المبدعين، وحين ملأت عليه البيت، عرضها للبيع ضمن معرض على الرصيف، وفوجئ المشترون باهداءات كبار الأدباء وتوقيعاتهم عليها، وآخر أوصى ابنه قبل أن يموت ألا يُعير ولو كتابا من مكتبته، لأن معظم الذين يستعيرون كتبا لا يعيدونها، وحين رفض الابن أن يصدق مقولة الأب، قال له أبوه:كل مكتبة أبيك الضخمة هذه من الكتب التي استعارها من مكتبات أصدقائه ولم يُعدها.

لقد بلغت كراهية بعضهم  للكتب، لدرجة أن أحد  الأفلام السينمائية العالمية، عرض لرجل إطفاء، لديه قدرة خارقة على إطفاء الحرائق، باستثناء التي تشتعل في الكتب، فإنه يزيدها اشتعالا، وفي حالات أخرى، كان اللصوص يتمكنون من سرقة كل شيء في المنازل التي يدخلونها إلا الكتب،وثمة جماهير غفيرة من الرياضيين أو من مشجعيهم، يجدون جهات وشخصيات كثيرة معنية بتكريمهم وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، إلا أن بعضهم يغض النظر عن تكريم العلماء والمبدعين في بعض الأقطار،عدا عن عملهم على  تجفيف منابع الثقافة، الأمر الذي جعل توفيق الحكيم يقول: “انتهى عصر القلم وابتدأ عصر القدم”.

روى لي كل من د.أحمد ماضي، ود.عيسى دباح،أن التنويريين، ممن خاضوا الحراك السياسي في خمسينيات القرن الماضي أدركوا أهمية الكتب،ولكي لا تتم مصادرتها زمن الأحكام العرفية، أحضر أحدهم بعض البراميل الفارغة في حديقة المنزل، ووضع الكتب بها،ووضع على وجه البراميل، وفوق الكتب مباشرة  ترابا غرس به بعض الأشتال، لـِيـُموّه على الأم، ويُشعرها أن الموضوع زراعي، وحين خرج من المنزل، رأت أمّه الأشتال وهي مغروسة في التراب وجافة دونما سقاية في البراميل،فأغرقتها بالماء الذي نفد إلى الكتب وأتلفها.

وانطلاقا من مقولة:لن يكون هناك بلد متحضر حتى ينفق على الكتب أكثر مما ينفق على شراء “العلكة”، أرى أن تأسيس المكتبات واحترام الكتب والمحافظة عليها وتبجيل العلماء والكـُتـّاب هو سر بزوغ الحضارات في العالم وسبب شهرتها.

لقد لعبت المؤسسات التربوية والأكاديمية دورا كبيرا في لفت انتباه الطلبة لأهمية القراءة،بدليل اننا لم نكن نشاهد الاصطفاف سابقا إلا أمام المطاعم ووسائل المواصلات فقط، أما الآن فثمة اصطفاف للطلبة داخل المكتبات العامة وخارجها.

وضمن هذا التوجه، أقامت مدارس جامعة الزرقاء قبل أيام مسابقة تحدي القراءة، التي كشفت النقاب عن مواهب عدد كبير من الطلبة من الجنسين ومن كل الصفوف،وعن سعة ثقافتهم وتنوّعها وشموليتها، طلبة يسبقون أعمارهم، ويتفوّق بعضهم على بعض الكبار بعلمه ومعرفته، وفي حفل تكريمهم، استضاف القائمون على المدارس ومنهم: أحمد ابو شعيرة، اروىابو زيد،د.خلود جراد، والمعنيون بالمسابقة ومنهم:جمال بدوان، عقيل ضمرة، وغيرهم من أساتذة ومعلمات وإداريي المدارس، استضافوا الأديب الأردني د.ايمن العتوم، الذي حدث الجميع عن استيرادنا من الغرب وسائل كثيرة للاهتمام بالكتب، ومنها أندية الكتاب،لافتا النظر إلى أن العرب هم أول من ألـّفوا الكتب واعتنوا بهاوأنشأوا من أجلها المكتبات العظيمة. 

وأرى أن حرق الكتب وتدمير المكتبات التي كانت مصدر إشعاع حضاري للإنسانية جمعاء في الماضي كان سببا رئيسا لتخلف الأمة العربية عن النهضة العلمية وسر ضعفها، وأمام ذلك تبدو الدعوةلمساندة المشاريع والمبادرات التي تهدف إلى جعل القراءة عادة متأصلة في حياة البشر ضرورية، لأننا من خلالها نضمن قـُرّاء لملايين الكتب، ونضمن تعزيز قيم التنوع الفكري والثقافي لديهم، ومنها: ثقافة بلا حدود، تحدي القراءة العربي، مكتبة الأسرة، مكتبة لكل بيت، دروب المعرفة، رصيف الثقافة، الذخيرة العربية،أمة تقرأ، بنوك المعلومات،عدا عن معارض الكتب.

إن الذين يطلقون المبادرات الثقافية الشعبية المعنية  بتدوير المعرفة بين الناس، كلهم يؤكدون أنه لا معرفة ولا ثقافة من دون القراءة، كما أن مبادراتهم تمثل السياج الذي يحمي الأجيال الشابة من التطرف، وتكون في الوقت نفسه جسراً إلى آفاق العلم اللامتناهية على امتداد العالم الذي نتشاركه مع سوانا من البشر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش