الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فصل من سيرة روائية: لا تُسلّم أخاك!

محمد داودية

الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 695

كان المجمع السكني «I.P.C» في بلدة الاجفور- الرويشد، حيث ولدت، على حافة الحدود الأردنية العراقية، الذي يديره الإنكليز، قطعة من بريطانيا. 

بيوت مصممة على الطراز البريطاني وشوارع فسيحة تخترق الكامب، مضاءة بالفوانيس، معبدة ومزروعة بالكثير من شجر النخل. كان في الكامب فرع للسوبر ماركت الشهير «السبنيز» وسينما مجانية ومستوصف مزود بكل ما يحتاجه من أطباء وممرضات وعلاجات وسيارات اسعاف.

 وكانت في الكامب مدرسة نموذجية تدرس فيها مجموعة كبيرة من المعلمات، اذكر منهن ست مريم، المديرة السمراء ذات الكشرة، التي كانت تضع أحمر شفاه غامقا، ولا تكف عن اصدار الأوامر والنواهي والزواجر وإمساكنا من آذاننا وسحبنا الى غرفة الإدارة للحساب والعقاب الناعمين. ومنهن ست إديل عويس من عجلون، الانسة بالغة اللطف التي كنا نلوذ بها ونستنجد بلطفها، ليكون عقاب مديرتنا خفيفا او ليكون تنبيها: «ما تعيدوها مرة ثانية». وست نجلاء الاربعينية كثيرة التأمل والسرحان، ذات القوام المربوع والأسنان البارزة. 

كان يجلس الى جواري في تلك المدرسة الناعمة المرفهة في الاجفور، محمد مقبل مسلم العموش، اللطيف الانيس الودود. كان معنا في الصف، اربع صبايا، كانت احداهن واسمها فاطمة، السميراء الجذابة، تميل اليه وتجهد كي تظل قريبة منه في الصف وفي ساحة المدرسة. وكانت سميرة المربوعة البضة البيضاء، تجلس الى جانبي وتتقرب مني في الفرصة التي بين الحصص، تعطيني قضمة من ساندويشتها التي تتكون من البيض المسلوق او من المربى والزبدة او من الزيت والزيتون، فأعطيها في المقابل علكة السهم او حبة حلوى او قطعة شوكولاتة وكنت لا أبخل عليها بجواب عن سؤال حساب عندما اراها تتلبك محاولة حله.  

كان يوجد في المجمع السكني الفسيح المنظم، ذي الشوارع المضاءة والجزر الوسطية، ملاعب كرة قدم وقاعة مغطاة تضم ملاعب سكواش وكرة يد وكرة سلة وبركة سباحة مغطاة وأخرى مكشوفة ومكتبة أطفال ومكتبة كبار و»ميز» ومقهى وحياة اجتماعية تتخللها الحفلات والمباريات والموسيقى والمسابقات وموائد الأطعمة المشتركة أيام العطل.

كانت سيارات «الجيب اللاندروفر» الخاصة بالشركة، تمر على منازلنا كل يوم، توزع قوالب الثلج مجانا على الأهالي، إذ لم تكن الثلاجات موجودة بعد، فكان السائقون يضعون قوالب الثلج في الزير والجِرار الموجودة تحت مظلة الباب. وكانت تلك السيارات توزع أيضا، الخضار والفواكه والبيض والأرانب المسلوخة.  وكانت توزع أحيانا قطعا من لحوم الغزلان والإبل والبقر.  

كنت الولد الأثيرعند جدّي مزعل، الشهم الطيب الكريم. لقد أحببت جدي بدرجة لا توصف. كنت انتظره أحيانا وقت أوبته من العمل في الغروب، فيصطحبني معه ليشتري لي الهريسة أو العوامة -الزلابيا. 

كان لا يكف عن السؤال عني، إذا غبت ولم اكن حوله.

كان جدّي مزعل رجلا وافيا ضخما يقارب المترين طولا وفي حجم ووزن ثلاثة رجال اصحاء، ذا كرش متوسط، يمشي وئيداً، يعاجل من يلقاه بالتحية والابتسامة، ذا بشرة سمراء، مثل معظم اهل معان وموظفي الشركات العاملة في البادية، يضع على بطنه شبرية على عادة الرجال في تلك الأيام. كان نجم حلقات الدبكة المعانية الحماسية الجميلة، يسرح أحيانا فأظنه قد غفا وهو يمشي، فأشدّه من بنطاله فينتفض وهو يقول: 

- انا صاحٍ يا محمد. كنت افكر في حال الدنيا وناسها. 

- ما بها الدنيا وناس الدنيا يا جدي؟ 

كان ثغره يفتر عن ابتسامة تكشف اسنانه الدقيقة وتغلق عينيه الصغيرتين ويقول:

- لا تستعجل يا بن بنتي، ستعرف كل ما تريد أن تعرفه، انت نبيه وعقلك اكبر من عمرك. 

ثم يكمل: 

- حال الدنيا وناسها متغير وحال دنياك ليست كحال دنياي.

جدي هو مدرستي الكبيرة. وجدي اخذ مقام ابي فكان جدي وابي.

كرّس عندي قاعدة طبقتها بأمانة، كان يقول لي كأنما يقرأ عليّ وصايا يجب أن احفظها: 

- لا تعتدِ. ولا تظلم. ولا تقسُ. ولا تأكل حقَّ أحد. لكن يجب أن يقع ويتكسر من يصطدم بك. ومن يتعرض لك أو يسيء اليك يجب أن يدفع ثمن إساءته. 

ثم يقول: 

-»لا تنم ظالما ولا تنم مظلوما». كان هذا هو الدرس الأول.

كان يقترب مني قائلا: 

- أراك مهموما يا بن بنتي.

فأجيب: 

- خليل يفتري ويتقول عليّ بما ليس فيّ.

فيسأل مبتسما: 

- هل رأيت غبارا خلف حمار؟ الحمير لا تثير الغبار خلفها، الخيل الأصائل هي فقط التي تثير غبارا خلفها يغشى عيون ملاحقيها. 

ويستطرد:

- لا تلتفت الى الحساد والغيورين أعداء النجاح. لا تحمل همَّ من ليسوا قدّك. اشتغل ولا تلتفت للكسالى القاعدين المقعدين.

ذات يوم جمعة قال له جارنا أبو هاشم: 

- عندنا ضيف عزيز يا بو إبراهيم، أولمتُ له، ويسعدني ان تتناول طعام العشاء معنا. 

وأضاف:

- هاتِ معك محمد ابن بنتك وأشار اليّ. 

حان وقت العشاء. كنت هيأت نفسي لوجبة دسمة. لاحظت ان جدّي يتكئ على يمناه والنعس يغشاه، هززته برفق وقلت له: 

- جدّي جدّي انهض. حان وقت العشاء عند الجار أبي هاشم.

- انا أتذكر لكنني لن اذهب. 

- كيف يا جدي، وانت وعدت الرجل؟

- لقد أرسلت جدّتك عصرا لتبلّغ امّ هاشم اعتذاري عن الذهاب.

ثم قال بروية تدريبية كمن يقصد أن اتشرب جملته: 

- اسمع يا بن بنتي، الرجل الذي يأكل اللحم في بيوت الناس واهل بيته لا يأكلونه، هذا ليس رجلا. 

وأضاف: 

- لما قلت للرجل انني سأحضر عشاءه، كنت اعتقد ان في البيت نقودا تكفي لشراء اللحم للعائلة، لكنني اكتشفت ان جدتك قد اشترت بما معنا مدرقة لها وأخرى لأمك.

وقال: 

يا بن بنتي، غماسك من غماس ناسك. كان هذا هو الدرس الثاني من دروس جدي الكثيرة.

رجعت إلى المنزل من ساحة اللعب الفسيحة امام بيتنا في الإجفور لتناول وجبة الإفطار، كان رجلان يقفان أمام المنزل مع عمي جعفر وهم يدعوان أخي الأصغر احمد إلى الاقتراب، ظل احمد يقف بعيدا وهو يرفض الاقتراب، طلبا مني أن أطارده وان امسك به، عدوت خلفه إلى أن تعب فأمسكته وسحبته اليهما وهو يصرخ ويقاوم ولما وصلناهما امسكانا معا، نظرت الى عمي محاولا أن اعرف منه لماذا يلقون القبض علينا. كان عمي يُطْرِقُ حزينا ويشيح بوجهه ولم يجبني. 

أوثقونا وتقدم رجل يسمونه الشلبي يمسك في يده موسى الحلاقة فطهّرني أولا. 

غرقت في الدم والألم، وعندما عاد جدي من العمل وقت الغروب، عادنا وهو في أعلى درجات الغضب والاستياء. سمعته يقول صارخا: 

- كيف تطلبون من الأخ ان يُمسكَ أخاه وان يسلمكم إياه !! 

وقدم لي وإلى أخي احمد قطعا كبيرة من الهريسة.

كانت حادثة دامية لا تنسى، ستظل معي الى الابد، تعلمت من تلك الحادثة، التدقيق والحذر وعدم اخذ الأمور بظاهرها. 

وقد افادتني تلك العادات في حياتي اكبر الفوائد. 

كنت في أحيان كثيرة وفي مراحل متعددة من حياتي معلم نفسي، لقد اشتققت واستنبطت لنفسي قواعد صارمة جدا التزمت بها ولم احد عنها.

كان ما جرى لي وما استفزّ جدّي هو الدرس الأبلغ، في قواعد الحياة: 

لا تُسلِّم أخاك.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش