الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السرد والصراع في «همس الشبابيك» لسمير أحمد شريف

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

 رائد محمد الحواري/ أديب من فلسطين

الأهم في العمل الادبي أن يقدم بشكل ولغة وأسلوب جميل، بحيث يستمتع به القارئ، فعندما تحدثنا المرأة بصوتها عما تحمله من ألم ووجع، ما تريده منا كمجتمع أو كأفراد، وعندما يخرج  صوتها المخنوق  مدويا، لا بد أن يكون وراء هذه النقلة/ التحول غير المألوف لنا أسباب ودوافع، وما علينا إلا التوقف عندها والتفكير بها.
إذن المرأة عنصر أساسي في عملية السرد، وهي أيضا من يتحدث عنها الأخرون/  السارد، ولهذا نجد في هذا العمل الأدبي ما يجذبنا إليه، ليس لأنه يتحدث عن المرأة ويسمعنا صوتها فحسب، بل لأنه قدم لنا هذا الصوت من خلال اسئلة، بحاجة إلى التفكير بها ثم اجابة عليها، فالراوي لا يقدم لنا حلول بالمطلق، بل يقدم لنا هموم ومشاكل وواقع مؤلم، واقعنا كمجتمع، كأفراد، مارسوا السياسة في ظل أنظمة القمع والقهر، فامسوا جزء من الفساد المستشري الذي يغرقنا أكثر في الوحل، فالراوي يعرينا، نحن، نحن النخب المثقفة والسياسية، التي تدعي العمل من أجل المستقبل الأفضل، لكنها تعمل من اجل مستقبلها هي فقط، من أجل مصالحها، لهذا نجد السقوط المدوي لبعض هؤلاء السياسيين الذي انغمسوا في وحل (الواقع) في ظل النظام العالمي الذي وجد لاضطهاد الضعفاء ونحن أضعف ما يكون، فهذا الواقع يتناوله الراوي بتفاصيله، فهو يقدم لنا رواه يتحدثون عن واقعنا، لكنه لا يقدم لنا الحل، فهو ينقل لنا ما تسرده الشخصيات بحيادية، لكنها حيادية غير بريئة، لأنها ـ بطريقة سردها ـ تجعلنا نمتعض منها، ومن سلوكها غير النزيه، وعندما قدم لنا شخصية «رافع» عامل النظافة الذي عمل في السياسة، والذي منعته أخلاقه ومبادئه من العمل (بواقعية) فلم تسمح له أن يسقط في هاوية ـ الواقع ـ واختار أن يعمل بهذه المهنة غير المقبولة اجتماعيا على أن يكون شخص ملوث بأمراض السياسيين الانتهازيين.
فالراوي يقدم لنا شخصيات تسرد همومها و(انجازاتها) افعالها، مشاعرها، وكيف ترى الأخريين، لهذا يمكننا القول أن هذا الكتاب يطرح حالات لشخصيات متباينة في المكانة الاجتماعية/ السياسية/ الوظيفية/ الطبقية/  الجنسية رجل أو امرأة    ويقدمها لنا بشكل يبدو حياديا، فهو لا يدين احد، لكنه يترك هذه الادانة لنا نحن المتلقين/ القراء.     

 نوع العمل الأدبي
أي عمل يقدم لمتعة للمتلقي ويثيره/ يحفزه للبحث عن مخرج/ ايجاد حلول لما يطرح من واقع وما فيه من هموم، يمتلك المبرر لتقديمه للقراء، فالتسمية ليست بذات اهمية، بقدر توفر المتعة والجمال في هذا العمل، ثم ما يطرحه/ يقدمه من أفكار، والمقصود هنا المسائل التي تثير المتلقي وتحفزه على التوقف والتأمل والتفكير، من هنا نجد هذا النص يقترب من الرواية من خلال الشخصيات التي تسرد همومها/ مشاعرها/ مواقفها.
 تبرز هنا شخصية «ياسمين» و»السارد» لنجد انفسنا محاطين بشخصيات تحدثنا عن نفسها، وحتى وإن تكلمت عن الواقع إلا أنها تبقى محصورة ضمن الذات/ الأنا.
 
 العنوان «همس الشبابيك»
العنوان يوحي بالهدوء والنعومة ، من خلال كلمة «همس» التي تشير إلى الحديث بصوت منخفض، بحيث لا يسمعه  الآخرين، وإذا ما توقفنا عند كلمة «شبابيك» يتأكد لنا أن هذا الكلام على السريع، مستعجل، وهو بين شخصين مقربين من بعضهما، هكذا يفهم من العنوان.
لكننا لا نجد همس بل صخب وصرخات المرأة المقهورة والمحرومة،  ونجد دوي للفساد المستشري فينا، ونجد هدير الدبابات والطائرات وأزيز الرصاص الذي يدمر ويهدم ويخرب ويقتل ويشرد الناس  في منطقتنا، كل هذا يجعلنا أمام حالة تتجاوز «الهمس» بكثير، لهذا يمكننا القول بأننا أمام صراخ/ دوي/ هدير وليس «همس». بالنسبة  لكلمة «الشبابيك» والتي تشير إلى حديث/ كلام بين مقربين جدا، فمن يتوقف أمام شباك (هو) من الخاصة جدا، فالسارد أراد أن يخصنا بهذا المكان، بمعنى أننا نحن المتلقين لنصه من الخاصة التي يريدنا أن نستمع له/ لشخصياته، وهنا كان موفقا تماما.  وإذا ما اضفنا أن «حديث الشبابيك» يحمل الاحداث الخاصة، أو تلك المحظور تناقلها أمام العامة، يتأكد لنا خطورة ما يخبرنا/ يحدثنا به شخصيات (الرواية). لهذا نقول أن الشق الأول من العنوان «همس» لم يكن مناسبا، بينما الثاني «الشبابيك» جاء متفقا تماما مع المضمون.

 الفاتحة
فاتحة أي نص مهمة جدا للمتلقي، فهي من تجعله يتقدم  من النص أو يتركه على حاله، السارد يفتتح لنا روايته بمقاطع تم صياغتها بلغة شعرية، بلغة فلسفية:
 «ها أنذا أنثر أوراقي/ هل أكتبها أم تكتبني/ أم يكتب أحدنا الآخر؟» ص4، من يكون اداة للكتابة ليخرجها من عنق الزجاجةـ  وتقديمها لنا، نحن القراء، لا بد أن يكون  شخص نبيل، فهو يقوم بخدمتنا من خلال إظهار هذا الشيء ـ الكتابة ـ لناـ فنحن نجهل ما تحمله لنا من افكار، وما تحمله لنا من شكل ادبي ولغة ممتعة، لهذا من يقدم/ يخرج لنا  الكتابة هو إنسان نبيل، وينتمي لنا/  لمجتمعه.
بنحاز  السارد لنفسه فيجعل  لها السيطرة وليس للكتابة فيقول: «وحدي مع أوراق يستصرخني بياضها» ص10، وهذه اشارة منه إلى أنه من سيتحكم في مسار/ طريقة/ شكل الكتابة، فهو كمجتمع الذكور يهيمن ويسيطر ويفرض ذاته على الأنثى ـ الكتابة ـ وهو أيضا يهيج/ يستفز من البكارة، فيريد أن يفض بكارة الأورق.
وبهذا المعنى يقدم لنا العديد من المشاهد التي تتحدث عن فض وانتهاك الصفاء والنقاء في المجتمع/ المرأة، فنجد الصعوبة والقسوة التي واكبت وتواكب هذه عمليه «الفض» 
وما تحمله هذه الفاتحة من صور جمالية تجعل المتلقي ينتشي ويندمج معها:
«لجسدها بعد الحمام الدافئ المعطر، بالنعناع سطوة، لحطة أن ينسل من نافذة الحمام ضوء القمر منعكسا على الجسد المبلل بآثار الماء والبخار» ص5، فلا بد أن مثل هذه الصور تبهر المتلقي وتجله يتأكد أنه أمام كاتب يحسن استخدام اللغة التصوير الأدبي مما يقربه أكثر من النص، فمن يكتب بهذه اللغة لا بد أن يقدم لنا اشياء/ مشاهد  أكثر متعه واثارة، لهذا كانت الفاتحة منسجمة مع المضمون فيحدثنا عن المرأة بأكثر من اتجاه.

 المرأة وسادية الذكر
الحديث عن المرأة أو حديثها عن نفسها يقربنا من النص الادبي، فكل ما يتعلق بها يثيرنا، لهذا نجد انفسنا نتوقف عند هذا الحديث،  فيخربنا الراوي عنها بقوله:
«أن الانغماس في لعبة الجسد يظل متنفسا لإرادة القوة فينا وأن صورة المرأة التي ترضي غرور الرجل ليست إلا صورة ذهنية ، الا تريدين تصديق أن العملية ترتبط بالرضوخ والاستسلام وتحاولين الالتفاف عليها  ومنطقتها وإيجاد المبررات لها ، أليست العملية تصغيرا للسيطرة والإخضاع؟ أعرف أن الكثير من النساء رومانسيات واقعيات، وأن الرجل يميل للتجريد والإطلاق والتعميم والقسوة ، ولكن ألا توافقينني أن المرأة في لا وعيها تتلهف على من يقهرها مهما كانت أدوات وأساليب ذلك؟» ص25و26، السارد هو ذكر، لهذا نجده يعطي هذا المفهوم عن المرأة، فهو ـ في عقله الباطن ـ يريدها ضعيفة ولهذا يخلق هذا التحليل المنطقي من وجهة نظره، لكي يستمر فيما يقوم به، فاستخدامه لعبارة «يميلون للقسوة» كصفة للرجل، بينما يقول عن المرأة «تتلهف على من يقهرها» فهو هنا سادي ويمارس ساديته بكل جرأة، بينما جعل المرأة تعاني من المازوشية، لأنها «تتلهف على من يقهرها»  لهذا يمكننا  القول أن السارد يمارس دورة كذكر في مجتمع ذكوري، رغم ما يبديه من تعاطف معها، إلا أنه في العقل اباطن يمارس ساديته على المرأة.
ونجد هذه السادية ليس تجاه المرأة فحسب، بل تجاه الكتابة أيضا: «مر الكثير على هذه الأوراق طي صندوقي الخاص في غرفتي التي أخبئ مفتاحها في صدري، لا أسمح لنسمة أن تصلها رغم محاولاته الكثيرة للدخول، مرة بالترغيب ومرات بالزعيق والغضب، حتى وصلت المباحثات بيننا لطريق مسدود، إما طلاقي أو فتح غرفتي والنبش في أوراقي. كلح لون الأوراق، ظلت تشكل لي هاجسا يضغط على شرايين قلبي، أريد للناس أن تقرأها، ما جدوى أن تظل حبيسة السطور والصدر؟» ص87، فهنا السيطرة للذكر، فهو من يسمح أو لا يسمح لها بالخروج/ الظهور، ونجد السادية في «الزعيق والغضب» تجاه الأنثى ـ الكتابة  ـ فهي الضعيفة وهو القوي.
من خلال هذه العلاقة لا بد أن يتأثر الذكر بشيء من الطرف المقابل ـ الانثى ـ ، لهذا نجده يأخذ شيء من ألمها ويبدأ في التعاطي مع الألم كحالة طبيعية، فيأخذ بالحديث عن ألمه  كواقع مقبول، فهو رغم أنه قامع للمرأة، إلا أن هناك قوة تقمعه ـ قوة الدولة/ السلطة ـ فهو يلعب/ يقوم بالدور السادي والمازوشي أيضا:
«هل تحتاج هذه الأوراق لقراءة جديدة؟ لماذا أعيد كتابتها وأنا على يقين أن الألم سيصاحب هذه التجربة؟ هل أنا بحاجة لأوجاع وخسارات جديدة؟ التذ بذلك الألم كأنني أتخلص من أوجاعي ويضطرني أن أستسلم لواقع يبدد من حولي ظلمة الوحشة! هل ما سأقوم به نوع من الخلاص بالكلمات؟ هل عندما نكتب نمارس الحياة بطقس جديد ونخوض عباب مياه عميقة؟ الكتابة ليست تعبيرا، إنها رئة للتنفس وتحطيم لكريات الألم.» ص87و88، إذا ما توقفنا عند عبارة « التذ بذلك الألم كأنني أتخلص من أوجاعي» نجده يلعب/ يعطي نفسه دور الأنثى تماما.
الذكر لكي يقوم بهذا الانقلاب في الأدوار ـ السادية والمازوشية ـ التي يؤديها لا بد من وجود مبرر/ تفسير منطقي يستند إله ليخفف من وطأة الانقلاب عليه ، لهذا نجد السارد ينتقل مباشرةً إلى الحديث عن الأنثى فيقول: «أدرك بعمق أن الأنثى كالحياة تتغير وتتجدد، حتى لو كان من تحب بعيدا وعجز عن رش دواءه على جراحات أرواحنا...» ص88، بهذا الشكل يبرر لنا السارد ـ الذكر ـ تعاطيه من فكرة الألم، فهو في عقله الباطن، ما زال يرفض فكرة التعرض للألم، لكنه لا يستطيع إلا أن يكون ضمن المجتمع، الواقع، الذي فيه القاهر المقهور، الضارب والمضروب.
اللعبة بين الذكر والأنثى تأخذ عين اللعبة بين الكاتب/ السارد والكتابة، فهو يجعلها/ ينطقها بهذه الكلام، وكأنه يردنا أن نقف معه، أن ننحاز لجانبه، فالأنثى هي من يصرح بهذا القول:
«لماذا يتفتح وعينا بعد أن تنكسر في دواخلنا أشياؤنا الجميلة؟ ما الذي تفعله بنا الأمكنة ولماذا مرورك على مكان يثير فيك الشجن؟ تتلبسني التفاصيل، فمن يأخذني منها؟  فراغ يجتاحني، سأم يفرش أغطيته على مسامات الروح، متغلغلا في دواخلها. 
يا سيد الغياب.. خيوطك تنسل مني مخلفة وجعا  يلتف حول ذاكرة مشرعة على فضاءات وجد يمور بالحنين. « ص 91، استخدام كلمة «تنكسر دواخلنا، يشير إلى حدث جسدي، فعل في الجسم، «تتلبسني» فيها تفصيل لفعل حدث، «فمن يأخذني منها» تعطي مدلول لذة العارمة التي تصاحب الألم/  العلاقة الجسدية، «خيوطك تنسل مني» أيضا تشير إل علاقة جسدية لكنها علاقة غير دائمة، لهذا نجد لفظ «الحنين»  كتأكيد على عدم طبيعية/ سهولة هذا اللقاء الجسدي.
وإذا ما تأملنا الألفاظ التي تتعلق بالألم، سنجدها كثيرة، «تنكسر، الشجن، تتلبسني، يجتاحني، سأم، متغلغلا، وجعا، يلتف، يمور، الحنين» فهذا دليل على أن فعل التلذذ بالألم مهيمن ويفعل فعله في الشخصيات الساردة، المازوشية عند الأنثى تأخذ شكل الألم الجسدي والروحي في ذات الوقت، فهو جعلها تتألم بتلذذ من خلال جسدها وعاطفتها.
علاقة الصراع التي جاءت في فاتحة الكتاب  بين الكاتب والكتابة، بين الذكر والأنثى  تستمر، لكنها هنا بين الساردة/ المرأة وبين ذاتها، تقول: «مرارا حاولت الاندغام، أكونك وأتمثلك ، فتهزمني ذاتي ، وتعلن نصرها على ضعفي، فألوذ بكبرياء كاذبة، ويحتدم القلب والعقل. ما زرعته فيّ لم يغادرني، ظل ساكنا، رغم تساؤلاتي الملحاحة. أتنفسك وجدا وسعادة ورضا. ما الذي يدفعني للأقبال على انتظار مستقبل مجهول ودخول أمواج اتهامات، وبين إدارة الظهر وتجاهل نداءات واعدة بزوج مضمون الجيب ، معروف الاسم ، خطير الرتبة. « ص99، فنجد مازوشيتها من خلال استخدامها: «تهزمني، نصرها، ضعفي، زرعته في، لم يغادرني، ما الذي يدفعني» فهنا حالة من الصراع ، لكنه يحمل شيئا من اللذة، لهذا نجد الساردة تستمتع بهذا الألم ، بهذا الصراع، وكأنهما خلقا معا، يمد كلا منها الآخر بأسباب بقاء اللذة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش