الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

توثيق الثورة.. بين المهنية والأسطرة

تم نشره في الجمعة 14 آب / أغسطس 2015. 03:00 مـساءً

رشا عبدالله سلامة*

لعل الأيام العشرة الأخيرة من شهر آب، في كل عام، تحمل ذكرى مريرة للفلسطينيين؛ ذلك أن قراراً دولياً فرِض عليهم مغادرة بيروت نحو بلاد لا تأتي على نقاط التماس مع فلسطين المحتلة، وهو الخروج الذي أعقبته مجازر من العيار الإنساني الثقيل والفادح كصبرا وشاتيلا وما تلاها من حروب المخيمات، بيد أن الذكرى على مرارتها توقظ سؤالاً: هل تم توثيق مرحلة الثورة الفلسطينية في لبنان، بشكل مهني حقيقي، وبعيداً عن موجة المذكرات الشخصية أو تشويه المرحلة أو على النقيض من ذلك: أسطرتها والقفز عن أخطائها؟
كتب عدة لم تفلح في إعطاء إجابة مقنعة عن السؤال الآنف؛ إذ جنح بعضها للنرجسية المطلقة، فيما بعضها الآخر أصاب القارئ بحيرة من نوع خاص؛ لتداخل مناهج سرد الأحداث، لا سيما في ظل غياب الرد أو التعليق من قِبل الطرف الآخر، أيا كان.
من بين ما يلفت الانتباه عند النظر للخطاب الفلسطيني الذي يستذكر مراحل سياسية معينة، على رأسها مرحلة بيروت، وتحديداً ذلك الخطاب الموجّه للغرب: ليس تغيير اللهجة برمتها، بل تغيير شبه كامل في الموقف الفلسطيني حيال مرحلة الكفاح المسلح تحديدا، والذي غالبا ما يتخذ هيئة الاعتذار أو على الأقل الاعتراف الضمني بـ»العبثية» و»عدم الجدوى». ويتفهم المتلقي الفلسطيني في هذا السياق ضرورة تغيير بعض مفردات الخطاب الفلسطيني كي يلائم المتلقي الغربي الذي يفصله عن الثقافة العربية والإسلامية بون شاسع، بيد أن من غير المفهوم إدانة خط نضالي كامل استنزف أرواح آلاف الفدائيين والأبرياء العزّل في المخيمات وفي عمق الأرض المحتلة، مهما كان حجم الأخطاء خلال مرحلة الثورة الفلسطينية.
لعل كتاب الشاعر والأكاديمي عز الدين المناصرة «الثورة الفلسطينية في لبنان» واحد من أهم ما كتِب عن مرحلة وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان، بل هو تعدّاها ليتحدث عن كل ما يتعلق بلبنان حيال القضية الفلسطينية، حتى بيوعات الأراضي التي قام بها إقطاعيون لبنانيون لأراضٍ فلسطينية قبل النكبة، وعن الشخصيات اللبنانية ذات الأصل الفلسطيني، ليوغل في عمق التجربة سياسياً واجتماعياً وفكرياً، بصفته مقاتلاً في الثورة ومديراً لمدرسة الدامور للاجئين الفلسطينيين وكاتباً ومثقفاً في وسائل الإعلام الفلسطينية في ذلك الحين.
يكتسب كتاب المناصرة فرادته الخاصة؛ لكونه لم يُلمّع أحداً، ولم يتحامل على الثورة والعمل الفدائي كما باتت «الموضة» في الأعوام الأخيرة لدى الفدائيين الذين يسردون بعض وقائع تلك المرحلة بانتقائية لافتة وبتعامل أقرب ما يكون مع مذكرات المراهقة الطائشة، بالإضافة لابتعاده عن المنطق الفصائلي الذي يؤمن أن تنظيما بعينه يشكل الفرقة الناجية. إلى جانب دقته الشديدة في توثيق المعلومات بالتواريخ والأرقام إلى حد تطرّقه لدخله كمحرر في مطبوعات ثورية عدة، ذاكرا الأرقام الخاصة به بالتفصيل.    
سعى المناصرة في كتابه إلى التأكيد على عدم رغبة الثورة الفلسطينية حينها زج نفسها في الصراع اللبناني الداخلي، لولا أن الكتائب المارونية فرضت عليها ذلك حين دمرت مخيم تل الزعتر، وجعلت من الفلسطينيين أكثر من مرة كبش فداء للاستقواء أمام المجتمع اللبناني والدولي، مستعينا، إلى جانب الوثائق التاريخية، بشهادات مارونية تلت المجازر ضد الفلسطينيين بسنوات، كاعترافات جوزيف أبو خليل.
ونوّه المناصرة إلى مبدأ «الفلسطنة» الذي تؤمن به الثورة الفلسطينية، لا مبدأ الانتماء الديني، مبرهنا على ذلك بالقيادات المسيحية للثورة كالراحل جورج حبش، ونايف حواتمة وغيرهم كثر، إلى جانب لفته الانتباه لمخيم ضبية المسيحي الفلسطيني الذي دمرته الكتائب المارونية وهجّرت أهله على الرغم من ديانتهم، في معرض ردّه على زعم الكتائب اللبنانية أن الوجود الفلسطيني يخلّ بالمعادلة السكانية الحساسة للبنان.    
من أكثر ما يلفت النظر في سردية المناصرة للتفاصيل الفلسطينية، على مستوى الفدائيين والقادة والعامة أيضا، هو تداخل الفصائل الفلسطينية إلى حد لم يحسم فيه البعض حتى اليوم لأي فصيل مقاوم كان ينتمي تحديدا. كل الفصائل كانت تختلف في مرات، بيد أنها كانت تتخندق معا في حال مقاومة الكتائب أو الإسرائيليين أو الاثنين معا أو في وجه السوريين الذين فتكوا بمخيم تل الزعتر. تظهر هذه الحقيقة مبطنة من خلال المواقف التي يستعرضها المناصرة في كل فصول كتابه، وإن كان يشكو من صعوبة أن تكون «فلسطينيا مستقلا»، كما حرص هو دوما حين كان يصر على انتمائه لمنظمة التحرير، لا فصيل بعينه، وحين كان يصر على فصل الثقافة عن السياسة أيضا، كما حدث ذات مرة حين علّق على توصية عرفات بنشر قصيدة رديئة لشخص ما «الأخ أبو عمار حفظه الله.. القصيدة ليست شيكا، ليُصرف».
وكان المناصرة قد تحرّى التسلسل الزمني للأحداث، معتمداً أساليب ثلاثة في الكتاب هي «أسلوب المذكرات الشخصية كشاعد عيان، وأسلوب الباحث من خلال الكتب والوثائق، إلى جانب محاولة الربط والتحليل ما أمكن ذلك»، كما أشار في مقدمة كتابه.  كما سرد المناصرة بالتواريخ والحقائق  دفاع الفلسطينيين المستميت عن بيروت مراراً، ليتحدث عن جرائم الحرب الإسرائيلية في حصار بيروت واجتياحها، وليستعرض إرهاصات خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت.
هذا وإن جاز اعتبار الكتابة الوثائقية، المسرودة باحترافية عالية ولغة سلسة وعنصر تشويق لا يغيب، اعتبارها روايات، فإن القيادي الراحل في الجبهة الديمقراطية ممدوح نوفل، قد كتب روايات عدة أثرت الساحة الفلسطينية أدبيا كما سياسيا؛ إذ كان الناقد فضل النقيب قد ربط للوهلة الأولى كتابات نوفل بجنس أدبي نادر اسمه «الرواية غير الخيالية»، وهي تلك التي تسرد أحداثا حقيقية بلغة أدبية، ليدحض ذلك، قائلا أن ما يخرجها من تلك الخانة هو تواجد الكاتب ضمن أحداثها وكأحد الفاعلين الرئيسيين في صياغة الحدث. على الرغم من هذا، لا يملك القارئ سوى الإحساس بطعم الرواية حين يقرأ لنوفل صاحب الكتابة السلسة التي تعجّ بالحوارات والحياة والمقدمات الجذابة والأحداث المُحتضَنة من قِبل أمكنة عدة وأزمنة متنوعة قاسمها المشترك أنها مفصلية في مسيرة الفلسطينيين النضالية.
كتابات نوفل، التي يعترف بأنه ذاته لا يجزم إن كانت مذكرات شخصية أم شهادات تاريخية بلا مجاملة، تخلو من مثلبة بارزة في الكتابة التوثيقية الفلسطينية وهي الأنا المتضخمة؛ إذ يتحاشى حتى استخدام لفظة «أنا»، ويستعيض عنها بذِكر اسمه ضمن أسماء المتواجدين في الحدث، كما لو أنه ليس الراوي، على الرغم من موقعه العسكري المتقدم في الكفاح المسلح الفلسطيني وتحديدا في مرحلة بيروت.
تعجّ كتابات نوفل بكثير من السخرية المبطنة، لتنقل نتاجه الأدبي في مرات إلى خانة الكوميديا السوداء، بالإضافة لحيادية نوفل وصراحته وإصراره على المكاشفة بالأخطاء التي وقعت إبان الثورة سواء من قِبله أو من قِبل القيادات الفلسطينية الأخرى، وهي التي ظهرت جليّة أيضاً في  مساهماته في البرنامج الوثائقي الذي أخرجته قناة الجزيرة قبل أعوام «حكاية ثورة»، ما أكسبه مصداقية عالية ومكانة خاصة في التوثيق.
عوّض نوفل، الذي كان يدوّن كل شيء في دفتره الخاص على مدار عقود، أعواما طوال لم يكتب فيها لانشغاله بالشأن العسكري، عوّضها حين أهدى المكتبة الفلسطينية والعربية ستة كتب توثيقية. هذا التأخر في التوثيق كان لصالح نوفل ولجودة ما قدّمه؛ إذ ترك مسافة زمنية كافية لتأمل التجربة النضالية التي خاضها، كما أسهم هذا في حرية ممارسته النقد والمراجعة وكشف الحقائق بعد أن ولّت تلك المرحلة وظروفها الخاصة.
في كتابه «مغدوشة»، الذي سلّط فيه الضوء على مرحلة مهمة ومجهولة لدى كثيرين وهي مرحلة حرب المخيمات التي امتدت لأعوام عقب خروج الفدائيين من بيروت،  بأنه عاد للشخصيات الوارد ذكرها واستأذنهم في كشف الحقائق من قبيل مؤازرة وليد جنبلاط في الخفاء للفدائيين الفلسطينيين في تلك الحروب وتمكينه إياهم من تحقيق أهدافهم، في وقت كان يتفق فيه معهم بأنه سيدلي للإعلام بتصريحات مغايرة في اليوم الذي يليه لاعتبارات لبنانية داخلية،  فما كان من جنبلاط وغيره إلا أن شدّوا على يد نوفل ودعوه لكتابة تاريخ تلك المرحلة بحريّة مُطلَقة.
بدوره، جاء كتاب الشاعر الأردني أمجد ناصر «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» على شكل يوميات من اجتياح بيروت في العام 1982، معرياً الشجن المتعلق ببيروت والذي لطالما تعمّد الفدائيون القفز عنه في معظم المرات؛ استجابة لسياق تلك المرحلة التي وسمها الكفاح المسلح ورباطة الجأش أكثر من الشاعرية والرقة.
لا يمكن على أية حال اعتبار كتاب ناصر وثيقة أو حجة تاريخية؛ ذلك أنه أعطى الجانب الشخصي البحت الأولوية، منطلقاً منه في مرات ليحكي عن الحدث السياسي، بخلاف كتب أخرى كالآنفة.
بالنسبة لناصر، فقد نحى بكثير من اللائمة على ممارسات أفراد من الفدائيين والتي اعتبرها سبباً لتهليل بعض اللبنانيين وترحيبهم بدبابات الجيش الإسرائيلي القادمة، وهو في هذا لم يقدّم صورة واضحة بما فيه الكفاية، بل وقف عند حدود التلميح، فأتى لومه بصيغة مبهمة قد تسهم لدى من لا يعرف كثيراً في إسباغ مزيد من القتامة على الصورة التي رُوِّجت عن الفلسطينيين، بيد أنه بكتابه هذا سدّ الثغرة التي كانت مفتقدة، في الكتب التي ناقشت تلك المرحلة، حين أسلَم نفسه للشجن متحدثاً عن شرفات بيروت التي لطالما سهر عليها الفدائيون أثناء التنظير والشواء والحب، والمقاهي التي كانوا يلتقون بها والتي قدّمت لهم أنموذجاً اجتماعياً وتعددية فكرية لربما ما كانت مألوفة لدى أهالي الضفتين في ذلك الحين، كما أسهب في وصف الانكسار الذي اعتمل في قلوب الفدائيين الذين أحبوا بيروت وأُجبروا على مغادرتها والذين كانوا يجزمون بأنهم لن يعثروا على بديل لها حتى من ذهب منهم لدول أوروبية كاليونان وقبرص، وتحدث كذلك عن إخفاء الفدائيين مشاعر الخوف الطبيعية من القذائف الموجّهة، على بيروت المحاصرة، براً وبحراً وجواً.
لعل الوصفة المطلوبة في كتب التوثيق الفلسطيني الشحيحة لمرحلة بيروت، هي ذاتها الوصفة المطلوبة من كتب المذكرات الشخصية الكثيرة فلسطينياً، والمتمثلة بما يأتي: لا نرجسية ولا فصائلية ولا طبقية، ولا تلميع بالمُطلق أو إدانة بالمُطلق.

*إعلامية وأديبة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش