الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنت من وين ..

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

زهرية الصعوب

العبارة التي تجتاز القلب حتى تنتهي بالدموع، العبارة التي أجهشت الروح لحنين الماضي، وجه غاب لعشرات السنين وفي تجاعيده المرسومة على ذاكرة الدار شوق وحنين للقرية والحارة والشارع، المدرسة والطابور والفصل، المضافة والتعاليل التي جمعت الحديث الحميم، الهمّ الواحد والجرح الواحد، والصدر الواحد عندما تتزامن التناهيد.

أن أسألك من أنت، يعني أني مازلت أحافظ على العشرة وطيب الرفقة.

من وين أنت، فلأنك قد تكون أنت من جاورنا لعقود خلت، حيث لعبنا ولهونا في ذات الحي وركضنا على البَطين نفسه، وزرعنا زيتونة أضاءت حوش البيت القديم ورهنت الصبر لغربة الأقدار، أو لعلنا درسنا معاً ذات جيل،ووقفنا وأنشدنا في طابور الإذاعة المدرسية، وتقاسمنا ( الزوّادة )؛وتشاركنا الضحكة وتلقينا العقاب نفسه.

أنتَ من وين ؟ أو ( ابن من أنت ) من هو أبوك، أو من هي أمك، ماهي عائلتك، لعلي قرأت في عينيك الأحباب والأصحاب، أن أسألك :أنت من وين، فقد أكون سرقت من ملامحك ومن لهجتك ما يمكن أن أسترجع ما كانت ترويه أمي عن جيران الرضى في مأدبا، والكرك، وإربد، والمفرق والطفيلة ومعان وكل النواحي في الديرة، أن أسألك قد يتبادر الى دمي ما روته لنا جدتي عن ذكريات عائلات رفاق السلاح ؛ حيث كان جدي فارساً في الدرك يتنقل بين قرى جنين وضواحي الخليل ونابلس وجبال عمان والبادية.

جميعها عبارات وأسئلة ترددت مئات المرات على مسامعنا، ووجهت إلينا ونحن صغار ؛وكنا نجيب عليها ونحن في غاية الحبور لعلمنا أن بعد إجابتنا قد نتلقى قبلات على وجناتنا الغضة أو ضمة على الصدر وحضن دافئ .

بالعامية تتردد من حين الى آخر كلما جمعتنا الصدفة في مكان ما؛ ( هظولا أولاد مين ) ( من وين أنت يا بنيّي ) (خوالك من وين يالنشمي ) كنا نتلذذ عندما يسألنا الكبار لنرد بمنتهى النشوة والعزة، حنا أولاد أبو فلان .. جدنا فلان وجدتنا فلانة ..فما أجمل هذا السؤال حينما تجد سائلته أنك ابن امرأةٍ تفخر بانتسابك لها ؛وليس فقط لأنك ابن ذلك الرجل مهما علت مكانته.!

 إحنا / حنا عيال فلان ..

إحنا / حنا اللي كنا جيران .. 

وآبوي وأبوك كانوا إخوان ..

كانوا يخدمون بنفس المعسكر .. 

 يخدمون الوطن...

 لقمتهم واحدة .. ودواهم واحد ... 

يا عمااااااار على هذاك الزمان ...

 الا يكفي هذا ..لكي يخُتتم اللقاء بالعناق .. ؟وأنت من وين ؟ أنا من بلد الحكايات، قرية المواقد والطابون، بلد الزيت والتين والسنديان.

من وين أنت ؟ ذلك السؤال الرقيق ورفيق أهازيجنا وأغانينا وأمثالنا يا مرحبا يا هلا منين الركب من وين؟

ترى ما الذي جرى؟ ولماذا تغيرنا؟ حتى بات هذا السؤال مستهجناً وسبباً لتقطيب الجبين، وكأننا نطلب ممن يقابلنا ما تعافه نفسه! دعونا في طيبتنا وبراءة السؤال وطفولة لهجاتنا، وعذوبة المفردات وطهر معانيها، لا تفسروا بدايات التعارف بما تنطوي عليه نفوس البعض من سوء النوايا، فأنتم لستم مطالبين بملء استمارة طلب وظيفة، لستم أمام لجنة كشف هيئة. أنتم لستم في قلب السائل ؛لتختزلوه بسوء نية .تلك قصة حاكها الماضي باتت تتفطر بين انتظار الإجابة ودهشة التعارف. 

 دعونا نسأل دون أن يقع الحرج في محيا النفوس الصادقة، إجعلوا من السؤال وطناً يجمعنا .. لا تترددوا ..أفسحوا لنا لنعيد التئام النسيج الاجتماعي إذا ما تعرض للتمزيق ؛ولنعد رثي ما انفلت منه، ففي جعبتنا الكثير من الحب والتسامح ما يجعلنا نتصالح مع الحياة.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش