الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قــراءة نقديـة لروايــة «إشــراق العشــق»

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً


]  الدكتورة جميلة شرادي/ المغرب 

لابد من الإشارة منذ البدء إلى أنّ جماليةَ نصِّ رواية «إشراق العشق» وأهميتَه المعرفية لا يمكن أن يعكسها أيُّ نصّ نقديٍّ محتمَل. إذ لا تروي قصة ولا أحداثا متسلسلة يمكن اختزالها في نص يكتب على هامشها، على غرار ما ترويه الرواية الكلاسيكية. إن ما يشد القارئ إليها هو جاذبية إبداع أسلوبها ودقة وسمو معانيها. حيث عمد الكاتب إلى آلية اختزال الأفكار وتكثيفها لتصب في عمقها الدلالي. وترَك للقارئ فسحةً واسعة للتخيّل والتحليل والاستيعاب. وذلك ضمن قالب أدبي فني بديع. جمع فيه كاتب الرواية بين جمالية الأسلوب وعمق المعنى، بين جاذبية الأدب الروائي وأركيولوجيا الفكر الفلسفي.
لا يسَع قارئَ رواية «إشراق العشق» إلاّ أنْ يجزم – في أولى ملاحظاته - بأن في قراءة الرواية، يجد من يحمل همَّ البحث عن المعرفة ضالته. ويجد من يتوق إلى جمالية الذوق الأدبي الرفيع حسا إبداعيا فنيا يشدّه بشغف كبير.
أهمية الرواية وكل خصائصها الجمالية تتجسد فيما أبدعه كاتبها من أساليب حوارية. تبدأ منذ الفصل الأول بحوار بين القطب العارف والشيخ. ويزداد الحوار حضورا وكثافة وعمقا ليهيمن كليا على النص الروائي طيلة عشرة فصول، من الفصل الرابع حتى الفصل الثالث عشر.
يعدّ هذا العمل الروائي بحقّ إغناء للمكتبة العربية بقالبه الإبداعي المتميِّز. إنّه رواية جديدة تعكس خصائص رواية ما بعد الحداثة، التي تمنح الكاتب حرية التصرف في شكل بناء الرواية وأسلوبها. إنها الخاصيات التي يحددها النقاد في تجاوز الكاتب الروائي لخيوط حياكة الرواية الكلاسيكية. حيث قامت هذه الأخيرة على ضرورة وجود وحدة الموضوع، أي قصة متسلسلة لها بداية ونهاية، وعقدة وبطل يصنع أو تصنعه أحداثها في إطار مراحل زمن تاريخي خَطّي.
 الإبـــداع المعرفــي للروايــة
إنّ عمقَ مضامين الرواية يعود إلى اعتماد كاتبها على الموضوعية المعرفية. إذ استلهم في قالب حواري جذاب – من الفكر الصوفي والفلسفي المعاصر وعلم التحليل النفسي- النقاشات الفكرية الدقيقة التي تدور بين الشيخ والمريد حول موضوع العشق.
هذا، وإن كان الفكر الفلسفي الصوفي يغلب على معاني الحوار. وكان الكاتب يستجلب منه مقولاته الإشراقية، فما ذلك إلا ليعيد مساءلتها بتقنيات الفلسفة المعاصرة ونظريات التحليل النفسي. ولعل أهم الإشراقات الصوفية التي نزع عنها ثوب القداسة الميتافيزقية، وحددها ضمن قوالب فلسفية وعلمية معاصرة المقولاتُ التي تقول: بوحدة الوجود وبأنّ الفناءَ حلولٌ واتحاد. وتلك التي تعتبِر العشقَ أصلَ وجود الكون وأصلَ معرفتِه معرفةً تواكبُها حالاتُ الشطح والحيرة. كما طرح الكاتب ضمن نفس القوالب السيكولوجية المعاصرة مسألة الوصال أو الممارسة الجنسية. هذه الأخيرة هيمنت على المتصوفة في عشقهم للمرأة وسُكْرِهم منْ نشوة وصالِها حتى صاروا يقْرِنون حبّ الله بعشق النساء. ويدَّعون الانطلاق منه لبلوغ العشق الإلهي.
إن كاتب الرواية استطاع بحنكته الفكرية والفنية أن ينزل العشق من السماء إلى الأرض. وأن ينفلت من هيمنة العشق الصوفي بمعناه الدقيق ليراوح الخطو بينه وبين العشق الدنيوي الإنساني. وهي محاولة تعكس إبداع الكاتب في خاصيتين من خاصيات روايته: تجاوزه للاجترار الفكري، وانتصاره لصالح الإنسان.
جاءت الرواية إذن لتحرر العشق من قبضة معناه الصوفي وتضفي عليه معناه الإنساني. فترد بذلك الاعتبار للإنسان ولقيمه السامية التي تجد أساسها في مشاعر الود وحب الآخر. الرواية تتناول موضوع العشق انطلاقا من بعده السيكولوجي وتضعه فوق الزمان والمكان. حيث كشفت عن تحديدات دقيقة ينصهر ضمنها الإلهي مع الإنساني، المقدس مع الدنيوي بشكل يجعل الحدود تختفي بينهما. فيتحول العشق باعتباره إحساسا وسلوكا إنسانيا إلى تصور عام للحياة وللمعشوق تتداخل فيه وتلتحم كل المتناقضات: الحياة/ والموت، الفناء/ والخلود، الخير/ والشر، الحب/ والكره، القسوة/ والتسامح.
 إبــداع فــي شكــل الروايــة
يتجسّد الجانب الإبداعي لرواية «إشراق العشق» في كونها ليست قصة بمفهومها التقليدي وليس لها بطل. موضوعُها وبطلُها فكرةٌ انبثقت، وبَدَتْ في بداياتها الأولى غيرَ محدّدةِ المعالم. غير أنها صارت تتوضّح وتكشِف عن معناها كلّما ارتقى النِّقاش في الحوار الدائر بين الشيخ والمريد، وهما أهم شخوص الرواية.
أحداث الرواية تجري في أماكن محددة كالجبل والصحراء وأسواق المدن وحاراتها. وشخصياتها ممَثلة في القطب والشيخ والمريد والمرأة والمجذوب...ومع ذلك فهي لا تستعرض حدثا أو أحداثا مترابطة واقعيةً أو متخيّلة – كتلك التي عهدها القارئ في الروايات الكلاسيكية- وإنما تناقش بأسلوب حواري أخّاذ فكرةً، إحساساً سيكولوجياً، ذاك الذي يسمى «عشقا».
تناقش الرواية العشق لتعلو به إلى أعلى مستويات الفهم والإدراك باستعمال الرموز. وكان أقوى تلك الرموز حضورا المرأةُ وطيفُها اللذان تجلّيا للشيخ ثم لمريده.
جسد الكاتب الارتقاء بمستويات تحديد مفهوم العشق من خلال تحْقيبِه لروايته إلى عشر ليالي. يقضيها الشيخ والمريد في حوار شيق هادف، ينتهي كلَّ مرّة إلى ضبط جانب من جوانب العشق أو خاصيةٍ من خاصياته.
تحْقيبُ الكاتب للرواية ليس تحقيبا تاريخيا زمنيا بقدر ما هو تحقيب معرفي يحمل تطورا للأحداث أو المعاني وينقُل - في كل ليلة من الليالي العشرة- فكرة العشق من مستوى معين للفهم إلى مستوى أرقى.
عند وضع نقطة نهاية نصه الروائي يُنحّي الكاتب زياد حميدان شخصيتَه وينهي دورَه لصالح القارئ. إذ يبدأ هذا الأخير في تأمّل ذاته وتَمَوْقُعِها بالنسبة إلى مراحل تطور فكرة العشق.
تَبْرَع الرواية - بفضل دقة وفنية أسلوبها في العرض والوصف- في إثارة فضول القارئ ومساءلته لقناعاته منذ فقرتها الأولى. ويزداد الشغف بقراءتها مع الحوار الأول بين الشيخ والمريد. ويتعمق الانجذاب أكثر فأكثر كلما سمت فكرة العشق كي ترتقي من مستواها الملموس نحو بعدها الروحي الإلهي الذي تعُود فيه لتلتحم بالواقعي فتضفي عليه سموها. وذلك بفضل صيرورة تخرج العشق من دنس الواقع، وتعلو به عن التصور العامي الواقعي.
رمزية البعد الروحي تتجسد داخل الرواية في نقل العشق من ارتباطه بالممارسة الجسدية الصرفة إلى انصهار كلي سامي يلتحم فيه الجسد بالروح ليصبحا كلا موحدا.
إنّ قمةَ إبداع وجماليةِ رواية «إشراق العشق» – شأنُها شأنَ الروايات المبدعة لفترة ما بعد الحداثة - تكمن في إشراك كاتبها زياد حميدان للقارئ إشراكا مُلهِماً يغريه بإعادة كتابة الرواية، روايتِه الشخصية وتجربته هو في العشق مستلهما مادّتَه من قراءته وتأويلِه لِما تثيره الرواية من أسئلة وأجوبة معرفية دقيقة مُستفِزّة. وهو ما يُعدّ بحقّ أسمى إبداعٍ لرواية ما بعد الحداثة. إذ يولِّد إبداعا شخصيا جديدا لدى قارئها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش