الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

(ثلث تيام وثلث)

رمزي الغزوي

الأربعاء 27 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 1939


الأوجاع لا يُلغي بعضُها بعضاً. الجسم لديه من التكتيك ما يجعلنا لا نشعر إلا بأطزج وجع مسّنا. فقد نتناسى عضواً مبتوراً فينا، أو ننسى قرحة واخزة في رأس المعدة منذ سنوات، ونركز في بثرة حمّرت جلدنا قبل ساعات. والأوجاع لا تتراكمُ فوق بعضها كطيات التراب في الرسوبيات. بل من حسنات الحياة أننا ننسى كل المصائب، ولا نأبه إلا بآخرها. فمرحا لذاكرتنا المثقوبة!.  
لدينا في موروثنا مثل على لسان المرأة التي لم تتب عن الولادة، رغم معاناتها السابقة بضربات الطلق والمخاض: (الحبل غوى والطلق طاير بالهوى). أي أنها تهوى الإنجاب والطلق وجع طاير منسي. ولهذا تسمى ساعات المقاساة والمخاض ساعات منسية. ولولا هذه الساعات المنسية لما تجاوز عدد سكان الأرض مليارين على أبعد تقدير!.
أصدق جملة سمعتها من مواطن :(الناس يومين ثلاث تيام بتنسى). هذا قول ذهبي واعٍ. فنحن ننسى وننسى، ولا نفعل شيئاً في حياتنا الملئية بالمخاضات وضربات الوجع إلا أن ننسى. ولولا هذا النسيان لصرنا مع الدنياصورات في بوتقة الإنقراض.
فكما نسينا ضريبة الدخل والنية بتوسيع بيكارها، كما نسينا دم الشهيد زعيتر، وملفات الفساد التي فاحت روائحها وزكمتنا وقتلتنا طويلا. كذلك سننسى المطار ومديرته الفنية، وكما سننسى مذكرة جلب الكردي.  
في عقولنا يكون نسيان الأشياء القديمة من مسؤولية (الذاكرة طويلة الأمد). أما نسيان الأشياء الطازجة التي لم يجف دم طلقها فهذا مسؤول عنه (الذاكرة قصيرة الأمد). أما في حالتنا كشعب؛ فإننا نعاني تهتكاً عظيماً في الذاكرتين معاً. ننسى البعيد البعيد، وننسى القريب القريب. وهذا قد يكون نعمة مضاعفة حبانا بها الله كي نستمر في العيش، ولا نلحق الدنياصورات في الإنقراض.
قديماً قال حكيم عارف بتفاصيل مجتمعنا وطبائعه: يا عمي، جوّز إبنك لبنتك والفضيحة (ثلث تيام وثلث). بمعنى قد تفعل أشنع الشنائع، وتقترف أعتى المحرمات، ما دام لديك ما يبلسم ذاكرة الناس: النسيان. يا عيني على النسيان. فأكبر فضيحة لا تدوم أكثر من ثلاثة أيام وثلث اليوم. ولهذا كانت أيام العزاء مساوية لهذا العدد تحديداً. عظم الله أجركم.
هنيئاً لمن يعتمدون على ذاكرتنا القصيرة الأمد البالية الغربالية، وعلى ذاكرتنا الجمعية الطويلة المتهالكة. وهنيئاً لمن يعرف هذا التكتيك الخطير ويستثمره. فالسياسي أو المسؤول ما عليه إلا أن يتمسك بإسترايجية الزمن، ومراهم نسيانه. فالزمن كفيل بمداواة كل شيء، وكفيل بجعلنا ننسى أطزج أوجاعنا، وأقدمها، وأكبرها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش