الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيزياء (ميركل) وسيجارتها

رمزي الغزوي

الثلاثاء 26 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 1939


حينما اعترفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باقترافها فعلاً طائشاً أيام مراهقتها، تداعى إلى مخيلة الكثيرين شبهات أفعال بذيئة لربما جنحت إليها صبية محبة منفتحة الآفاق، تواقة للتجريب. وحين كان الفعل الطائش، ليس تدخين سيجارة وحيدة، وإنما إخفاء الأمر عن والديها.
سيبدو أن اعترفا مثل هذا سخيف في نظر أقطاب كثيرة في العالم، لكنه ما زال خطئية في روح من ترى أن الصدق أساس الأشياء. الصدق مع النفس والحياة والناس. وكان بإمكان مستشارتنا أن تبقي شفتيها مطبقتين، إلا أن الضمير الحي يأبى إلا أن ينفث خلجاته. ولربما هذا هو التطهر، أو السمو الإنساني، في أبسط معانيه وأعمقها.
ولهذا فقد صدّق العالم دموعها السخية على 70 سوريا غرقوا في المتوسط، وهم يحاولون الفرار من جحيم أسد حمّر بلادهم وطمرها. تلك الدموع أغرقت كثيرا من الشوارب الفارشة، والأحاسيس الفارغة، التي لم يهتز لها مدار أو سوار لمقتل مئات الآلاف في طاحونة النظام وغياهب سجونه ومنافيه.
من قبل الدموع وبعدها، لم يختل ميزان القوة في العالم، بل ظل يؤشر بأنامله العشر إلى ميركل كأقوى امراة حسب مجلة فوربس لثالث مرة على التوالي. فالقوة ليست بمقدار ما تسحق من بشر، وتزهق من حريات، وتدمي من قلوب وتيبّس آفاق. القوة أن تكون إنسانا زمن توحش فيه العالم، وأكل أخضر البشرية ويابسها. 
لم أخف غبطتي وبهجتي بفوزها الجديد كمستشارة للبلاد. فهذا الفوز المربع ليس إلا تتويجا لشريعة الإنجاز، التي تسير عليها الأمم الناجحة الساعية نحو التفوق على النفس ومغالبتها. ففي عرف الألمان كان وما زال أنه: (عليك ألا تستبدل فريقاً ناجحاً أبداً). 
لم يصل إلى مستشارية ألمانيا بمثل هذا العدد من المرات إلا العظيم (هولمت كول). وهو بالمناسبة من اكتشفها وأخرجها من برودة مختبرات الفيزياء، وسلمها وزارة المرأة والشباب، لتحلق فراشة في فيزياء الحياة، وديناميكيتها، وروحها الحية، وتبرهن أن الخيال ما زال أهم من المعرفة لبناء حياة بني الإنسان، إن كان الصدق نواتها.
وسيبقى في بالي أننا نحتاج إلى خيال رؤساء مجددين، وزعماء ملهمين للآخرين، وليسوا (مُلهَمين من قوى خارقة). نحتاجهم ليبعدوا الحروب والكروب، ويبطلوا البطالة، ويعمّروا ويثمروا، ويفكروا بعقل جمعي كالرقيقة/الفولاذية ميركل.
دول كثيرة لم تنسحق في الحرب العالمية الثاني بمثل انمحاق ودمار ألمانيا. لكن النجاح يكمن في أن تنهض من الركام وتحلق ولا تنظر خلفا إلا لتتعلم. وكم أشعر أننا بحاجة إلى أن ندرس أبناءنا معاني البناء والنماء، ليس دائما من كتب التاريخ ومرجعياتها. بل ربما علينا أن نرى حاضر الأمم الفالحة، وندرك مدارات نجاحها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش