الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعيدا عن السياسة

محمد داودية

الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 692

 

تخيلوا، أن تتعاملوا مع أُناسٍ من اهلكم: آباء وامهات وأبناء واشقاء واجداد واحفاد وسواهم، تصل أعمارهم الى  200 و 300 و 500 سنة، ظلوا على قيد الحياة. 

سيكونون حولكم، حطاما وعظاما تتنفس. يئنون من امراضهم كل ثانية، ويتألمون من الهجر والزجر ونظرات الغل والدعاء عليهم بالموت. لا يتمكنون من "كش" ذبابة او دبور عن وجوههم، ولا يتمكنون من إعالة أنفسهم ولا خدمتها، وسيكون في البيت الواحد العشرات من هؤلاء من كل الاجيال.

هل ستحدث جرائم قتل تحت عنوان "الموت الرحيم"؟ هل ستعمد "الكناين" الى الانتحار او الى تسميم الأمهات والاباء! 

ندقق في توازن الرحمة الرباني المذهل، الذي يحققه الموت !! وندقق في الموت، أكثر الأقدار التي يكرهها الناس، فنرى له وجها آخر. نراه خلاصا وجمالا ونعمة كبيرة ورحمة لا تضاهى. 

هل صحيح ان الموت الكريه، البارد الغامض المخيف، الذي يحولنا الى جيف ويحملنا الى الهاوية، الذي يحمل ابشع الأسماء كالفناء والعدم، و يثير الفزع والقلق، ويرتبط بأكثر المشاعر الإنسانية رعبا والما، هو الذي يجعل الحياةَ ممكنة وبهيجة؟.! 

هل سيصبح أقل وطأة ورعبا، اسم ملك الموت "قباض الأرواح عزرائيل"؟ هل يمكن ان نرحب بالموت "هادم اللذات ومفرق الجماعات"؟ وهل ندعوه ملاكا؟. ملاك الموت مثلا؟! 

هل سننظر الى الموت باعتباره الخلاص، والانتقال الى الأبدية والخلود المنشود، الذي حاول الفلاسفة والعلماء، دون جدوى، العثور على اكسيره وحجارته الفريدة ؟. 

يجب ان نصطهج ونبتهج، لاستمرار حدوث الدورات الحياتية الطبيعية، وتناوبها لمختلف الكائنات الحية، والعناصر غير الحية، كالماء والهواء والتربة والمعادن، الذي يدعم الحياة على كوكبنا، بلا استثناء.

هل ننظر بقلق ام بفرح ، الى التقدم العلمي اليومي الهائل، الذي سيؤدي الى إطالة عمر الانسان، سنوات وسنوات؟! هل ستكون هذه الاطالة مرفوقة بضمانات طبية تجعل هذه السنوات الطويلة، خالية من الامراض، فلا تكون سنوات أرذل العمر وسنوات الضياع والزهايمر والخرف والعته وتحول الإنسان منا الى جاعد وسطيح (غير ذاك الوارد في كتاب حافظ إبراهيم "ليالي سطيح").

الكتاب والفلاسفة، تناولوا "الكينونة والعدم" الى درجة انهما شكلتا ركيزتين أساسيتين لهم. فالكاتب الروسي الشهير تولستوي يرى إن الموت شكل آخر من الحياة وان العدم حقيقة أخيرة. اما فيكتور هيجو فيرى الموت هو الطريق للوصول إلى الحرية والكمال الأعظم. في حين تقوم فلسفتا هايدغر وسارتر على فكرتي الوجود "الكينونة" والعدم.

وسيظل الموت ضروريا كالماء والهواء، لكنه سيكون ذا حضور ثقيل كثيف ومبعث قلقٍ طاغٍ، في حياة الانسان، كل إنسان، سواء انظرنا الى جانب الموت المنفر المعتم، ام الى جانبه المضيء، باعتباره انعتاقا وخلاصا ونجاة. 

والموتُ غير الإِماتة بالطبع. فاذا كان الموتُ خلاصا ونجاةً وانعتاقا، فان الانتحار تخلصٌ وضعفٌ وجبن. 

ليس المقصود من هذا الحديث الترحيب بالموت، والترويج له. ولكن المقصود هو تقبل الموت حين دنوّه، والتعامل معه باعتبار ان الحياة والموت، هما دورة في حياة البشرية، صاغها الخالق عز وجل، في توازن اعجازي مذهل مدهش، وفي تناوب عميق واسع سرمدي، يلف كل هذا الكون الفسيح، المنظور وغير المنظور. 

 [email protected]                   

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش