الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صينيات (9)

رمزي الغزوي

الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 1939

سيد الإنسياب وتاج الترف وسحر السحر: الحرير. هذا الخلّاب السلاب المنسدل المنهمر المعمور بدفء آخر. هو القصائد والأغاني حينما تجيء قماشا غيمياً ينمنم الأجساد بهجة وحبورا.

الحرير ذلك الذي حرّك العالم وأوقفه على أصابع قدميه شوقا واشتياقا. من أجله حجّت قوافل أوروبا وأسيا وشمال أفريقيا شرقاً طاوية آلاف الأميال نحو الصين: موطن دوده وتوته ومكمن سره العميق. فهل كان يستحق هذا الخفيف الشفيف اللطيف كل خشونة تعب، ووعثاء سفر، وطول عناء؟. هو يستحق ويستحق. هكذا قالها العالم القديم، سفرا طويلا موصولا. ولربما يرددها العالم الجديد بطرائق أخرى. 

أباطرة الصين أدركوا أن خيط الحرير حبلٌ متينٌ يسحب العالم، ويجره إلى تجارتهم وديارهم. الدنيا القديمة كلها شدت رحالها ماخرة عباب الرمال والبحار. وكان ثمة قانون إمبرطوري صارم يقضي بقطع رأس كل من يبوح بسر الحرير للآخرين، كي لا ينقطع حج القوافل وظعنها.  

فوق الغيوم فكرت مليا بطريق الحرير الصيفية والشتائية، وتأملت كم من الآمال طويت على وجع هذا الشوق الطويل. الرحلة تحتاج الآن من عمان إلى بكين نصف يوم بطائرة مريحة. فكم  كانت تسلب تلك المسافات من أرواحهم وأنفاسهم وأحلامهم ووهج انتظارهم. 

لم تكن تجارة طريق الحرير حصرية على هذا البهي الرخي، بل كانت أكثر من ثقافة ومعرفة وتقايض خبرات، وامتزاج أعراق. فحتى الورق تسلل من هناك إلى العرب، فطوروه ومنحوه للعالم رقيقا لتنير الحروف سماء بني الإنسان وتجلي ظلماته. 

في الصين قومية (الخوي أو الهوي)، ينوف عددهم العشرين مليوناً. هم مسلمون يقطنون منطقة (نيشوان) التي كانت محطة زاهرة على طريق الحرير. هؤلاء القوم تعود أصولها إلى تجار عرب استقروا حيث ربضت إبلهم. تزوجوا وثمّروا. وها هو نسلهم يمتد مازجا الدمين معاً: الصيني والعربي. فمن الوهلة الأولى ستقرأ في سحنة القوم سمرة الصحراء، وبقايا سفر مؤجل، وحلم لم تقطعه شهوة الحرير.

الإسلام لم ينتشر بالسيف، ولم يعبر سور الصين بالقوة. بل التجارة فعلت هذا. وهي قادرة في كل مرة أن تذلل عقبات البشر، وتذيب بينهم الجدران وعالي الأسوار.

 فمنذ اختراع صناعته قبل 5000 سنة دبت التجارة في أوصال عالمنا، وما زالت محراك دمه الأول. رغم خفوت نجم الحرير، وذبول سحره.  

قبل بضعة أشهر أطلق الرئيس الصيني (شي جين بينغ) مباردة مبنية على حوار الحرير: (الحزام والطريق). وهي تنموية تعتمد سياسة (ربح- ربح) لكل الأطراف. تتحور حول التواصل والتعاون. وتنفق الصين حالياً 150 مليار دولار سنوياً في دول وافقت على المشاركة، وعددها 68 دولة. الأردن من بينها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش