الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صينيات (3)

رمزي الغزوي

الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 1939

عاشت الصين مجاعة بين عامي 1958 و1961. أو ما يسمونه (السنوات الثلاث المرّة)، ليس بسبب الجفاف القاحط وقلة المطر، إنما جراء أخطاء قاتلة في الإدارة، وسوء التنظيم، واعتماد النهج الشيوعي المتمثل بالكنتونات (العمل الجماعي في المزارع)؛ فضعفت همة الفلاح وفترت، وجعلته غير آبه بما يحصد؛ كون محصوله يذهب إلى غيره، ولا يناله إلا أقل القليل.

 بحثت بكل قلبي وحواسي لأجد العصفور الدوري في حدائق بكين وشوارعها أو على مبانيها (فهو طائر عالمي يعيش مع الناس في دورهم ولهذا استحق اسمه). وجدت قليلاً منه تتقافز باستحياء وخفر وخوف. فلربما ما زالت هذه العصافير الألوفة تتألم من ذاكرتها المتخمة بما حدث في ضنك المجاعة.

لم يقرر الزعيم أكل العصفور الدوري. بل أمر بقتله وإفنائه؛ لأن وشاية وصلته تفيد بأن هذه العصافير تستهلك حقول الفلاحين وتقلل إنتاجهم. صدر الفرمان القاسي بإعدامه حتى آخر طير.

استخدموا كل ما يقتل لقتله. ثم منعوه من الهبوط على الأرض أو الأشجار. حتى هلك تعباً وكمدا.

بعد المذبحة الشهيرة فرح الفلاحون واستبشروا خيرا، لكن العام التالي جاء ممتلئا بالحشرات والآفات، فاليرقات التي كان يتغذى عليها الدوري تحولت إلى جراد شره يلتهم الأخضر واليابس. فتفاقمت المجاعة وراح ضحيتها الملايين من البشر. 

في مرِّ السنوات الثلاث العجاف ثمة فقراء أكلوا أطفالهم. لم يأكلوهم مباشرة، بل كانت بعض العائلات تتبادل الأطفال فيما بينهم. فأنت تأكل طفل جارك، وأنت تعلم أن طفلك الآن على مائدتهم. تبا للجوع. 

تذكرت المجاعة أكثر ليس بتفقدي طائر الدوري فحسب، بل حينما زرنا شارعاً غريباً عجيباً يبيع الحشرات المشوية. وراينا اقبالا كبيرا عليها. لله في خلقه شؤون.

يقول صديقي الصيني متهكما: الصينيون يأكلون كل شيء يمشي على الارض، إلا الدبابات، وكل شيء يطير في السماء إلا الطائرات، وكل شيء يسبح إلا الغواصات. 

 الحشرات تمتلئ بالبروتين، فنسبته تصل إلى 90% من وزنها. ولهذا فهي مرشحة لتكون في عصور قادمة مصدرا غذائيا هاما بديلا عن هبر الاغنام التي سيرتفع سعرها. 

 قلت له: لا تحاول أن تقنعني. فلن آكل عقرباً، رغم أن أهلنا في الأردن كانوا يطعمون أطفالهم العقرب بعد شويها وسحنها، كي تتولد في أجسادهم مناعة ضد كل لدغة.

ولأنني رفضت العقارب. دعاني إلى وجبة من طائر الدوري. فقلت إلا هذا أيضاً. فأنا كنت آكله صغيراً، لكني اليوم أفكر كيف نستطيع أن نكفّر عن مجازر ارتكبت بحق هذا المسكين.

ضحكنا ونحن ندرك أن البشرية ليست إلا تاريخاً للمجازر، ليست ضد الطيور، بل جزر بعضنا البعض. خليني ساكت!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش