الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صينيات (1)

رمزي الغزوي

الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 1939

*أخذني جناح خيالي منذ أول بيت شعر حفظته في طفولتي إلى الصين:(أنا المحبوبة السمراء وأجلي بالفناجين، وعود الهند لي عطر وذكري شاع في الصين). يومها أعتقدت أن الصين حارة بعيدة في قريتنا، لن تسمح لي أمي بزيارتها.

* لكني بقيت تواقاً أن أجوبها؛ لأرى تضوّع عطر القهوة في أرجائها. ولم أنتظر كثيراً، فبعد أربعين عاماً حلقت باتجاه حارتي المشتهاة، وفكرت وأنا على ارتفاع 40 ألف قدم فوق جبال الهملايا، كيف أن أجنحة الشوق قد تنطوي وتنثني؛ لكنها تبقى متحفزة لتنفرد بسعة قلب يشتهي. 

*لم اشم القهوة العربية في الصين؛ لأكثر من أسبوع. شممت كيف تشاع الأشياء الرائدة في هذا البلد المتخم بالطموحات، الزاخر بأسراب تلاحق الأحلام وفسائل المسرات واجتراح المعجزات. 

*اعتقد كثير من أصدقائي أنني حينما رفعت على صفحتي صوراً عن رحلة الصين، أنني ما زلت في بكين. ينسى الأصدقاء أن لا (فيسبوك ) في هذا البلد، (وهم عايشين وما شاء الله عنهم). لديهم شبكات تواصل داخلية، تغنيهم عن فضاء العالم الأرزق. هم كوكب بكل معاني الكوكبة.

*ونسي الاصدقاء أيضاً، أنني أعدُّ (فيسبوك) مرآة لحياتي، وليس حياتي. فأنا أعيش اللحظة ثم قد أجعل شيئاً من ظلالها متاحا لفضائنا الأزرق الذي أكل عقول الناس.

*في غبشة الفجر هبطت الطائرة مطار بكين. الجو يميل إلى الاعتام، ومع ارتفاع النهار ظل شبه الظلام مسيطراً. كان ملوثاً بهباب وسخام مصانع تملأ مدينة واسعة ذات ال 22 مليون نسمة. لا شيء بلا ضريبة في الحياة. 

*تعجبني المدن حينما أدخلها صباحاً، وهذا ينسجم مع مثل شعبي (صابح القوم، ولا تماسيهم). فرغم قتامة الرؤية فقد شدتني من شباك الطائرة مساحات خضراء أوقعتني في هوى المدينة من شجرة.

*أعرف أن إسبوعا لا يكفي لتمتص رحيق عاصمة مركبة مكتنزة. ولهذا كان لا بدّ من انصياع لبرنامج كثيف جعلني أتمنى يومي 40 ساعة. قلقت نومي ووسعت خطواتي لملاحقة زمن معبأ بحضارة تمتد ستة آلاف سنة.

*باغتنا مساء اليوم الأول مطر شهي أعجبني. فأنا ولد مائي. مطرٌ رخي غزير لم يجعل الشوارع تفيض بأوساخها ومناهلها. ولهذا حملنا مظلاتنا لنجوب دروب مبهوجة بالأشجار المستحمة بليفة هذا الزائر الصيفي. 

*من زمن بعيد لم أعد أتعب نفسي في متواليات المقارنة المؤلمة بين ما نرى في أسفارنا وما نعيشه في بلدنا. نعم نحب عمان حباًّ لا يدانيه حب، لكننا نتوق أن يكون فيها على الأقل مترو أنفاق ليس (بخمسة عشر خط) كما في بكين. فهو شريان المدينة ووريدها. فلو لم يكن فيها إلا هذا لكفاها. (إيش أخبار الخط السريع يا عمان؟).

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش