الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

واقع المرأة والثورة في وطن يتلمس طريق النور

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

* إشراف بن مراد المساعفة

«لنساء تونس... ياسمينها الحقيقي وحجر الوادي»
بهذه الكلمات اختارت الكاتبة التونسية هند الزيادي أن تهدي روايتها لافاييت، الصادرة عن الدار المتوسطية للنشر في تونس، لنساء بلادها وكأنها تبوح للقارئ بسرها وهو يتأهب ليسبر أغوار لافاييت ويبدأ رحلة الاكتشاف. وكأنها تقول له استعد أنت أمام نص سردي خاص جدا سيتحدث عن هن أولئك البعيدات عنك القريبات منك، أولئك اللواتي اخترن أن يحفرن في الصخر ليس من أجل أنفسهن فحسب، بل من أجل غيرهن ليكنَّ توق نجاة وجسر عبور ، لا يهم مدى شعورها بالألم، الأهم بالنسبة إليها أن تحقق هدفها بنجاح أخ أو أخت، أو ببسمة ابن ، أو بسعادة أب شيخ أو أمٍّ أوهنها العجز والمرض، ولربما بالتخلص من زوج ظالم غاشم في أقصى حالات أنانيتها المشروعة...هن الثورة الحقيقية، هن قلب تونس النابض بالألم والمرارة وروحها التواقة للحياة والأمل.
لاتخفي الزيادي في روايتها احتفائها بنساء بلادها  بقلم سردي رفيع سطرت به شبكة متسلسلة من الأحداث لترافق كل بطلة من نقطة انطلاقها الموسومة بالشقاء والمعاناة وصولا الى العاصمة المحطة المركزية،بحثا عن الأمل تارة والوهم تارة أخرى، هناك  حيث تبدأ مرحلة جديدة من حياة كل منهن ..ومعهن يتعرف القارئ عن الوجه الآخر لتونس الحديثة.
تبدو الرواية وكأنها مجموعة قصصية فمع كل فصل حكاية لإحداهن تكون هي المحور الرئيس وبقية الشخصيات ذرات تتحرك حولها إما توافقا أو تشابكا وتعارضا.
أمينة وفاطمة ووفاء وراضية ويسر: هن بطلات لافاييت الرئيسيات أتين من أماكن مختلفة من تونس من شرقها وغربها ومن شمالها وجنوبها واجتمعن في أحد أشهر أحياء العاصمة لافاييت.
ويُشار إلى أنّ اسم لافاييت(كما جاء في أحد هوامش الرواية) يعود الى الاديبة الفرنسية مادام دي لافاييت المولودة في باريس في 16 مارس 1634 والمتوفاة في 25 ماي 1693. وهي صاحبة أول رواية تاريخية تحليلية فرنسية عنوانها أميرة كلاف نسبة الى مدينة ألمانية والصادرة في مارس 1678. وكثيرا ما اعتبرت هذه الرواية هي الرواية المعاصرة الأولى.
وبذلك يتحول هذا الشارع بتاريخه العريق ليس فقط لمجرد إطار مكاني تدور فيه أحداث الرواية وإنما إلى رمز يكتسي هالة من الفخامة والسحر للدلالة على المرأة وكأننا بالزيادي تخبرنا أنّ المرأة ليست فقط نصف الحياة  ونصف التاريخ، هي الحياة كلها تختزل تونس بأسرها بتاريخها وحاضرها لتبشر بغدها .أولم يقل الشاعر التونسي المتمرد الصغير اولاد حمد نساء بلادي نساء ونصف .
وكلما تقدم القارئ في لافاييت يزداد يقينا بجرأة الروائية في سعيها للفت الانتباه إلى قضايا موجعة ظلت غائبة أو مغيبَة عن أعين التونسيين طويلا فكأنه واقع لا يريدون رؤيته، حيث تكشف الزيادي النقاب عن المستور لتجيب عن أسئلة حقيقية تكسر من خلالها  قوالب أجوبة جاهزة عن المرأة التونسية بعيدا عن السيناريوهات الروتينية عن ما تتمتع به من حقوق وحريات وعن مجلة الأحوال الشخصية الرائدة عربيا.
تتناول الزيادي،إذن، قضايا كثيرة وساخنة بدءا من تشغيل الفتيات الصغيرات واستغلال العائلات الفقيرة لبناتهن بحرمانهن من التعليم وتحويلهن إلى مصدر للرزق دون مبالاة ووعي بما يمكن أن يترتب عن ابتعادهن عن محيطهن من مخاطر وعواقب. وصولا إلى ما يعرف بتجارة اللحم الابيض وشبكات الجنس والدعارة..كل ذلك دون أن تغفل عن التطرق إلى أثر الثورة في عمق المجتمع التونسي وثنائيات عديدة منها  الدين والمرأة، والارهاب والتدين والفساد والدولة، والحرية والتضحية ، والمحسوبية والمال، والظلم والتفاوت الطبقي والواقع والافتراض والمرأة بين الضعف والقوة وبين الرقة والشراسة..
كما لم تتوانى الكاتبة عن تعرية مظاهرإجتماعية عديدة منها  الظلم الاجتماعي واللاعدالة نتيجة غياب التنمية في المناطق الداخلية مما يضطر الكثير من الشباب بما في ذلك الفتيات إلى النزوح للعاصمة بحثا عن فرص جديدة للحياة، في نقد واضح لمركزية العاصمة وسياسة الدولة الخاطئة التي اعتمدت فيها، عن قصد أو عن غير قصد، التهميش لأناس ذنبهم الوحيد أنّ القدر جعلهم من سكان مناطق الداخل التونسي.
ولئن ألمحت الثورة أن الأرضية سانحة لبطلات لافاييت ليحققن أحلامهن إلاّ أنّ الواقع يرجعهن للمربع الأول في مجتمع مازال يتلمس طريقه نحو ثورة حقيقية تبيد مظاهر التخلف والظلم وتؤسس للعدل والمساواة والحرية ليكون الحلم حقا مشروعا للجميع.
تبدأ الرواية بمشهد الخروج من السجن لتوافق بذلك حال تونس بعد الثورة وتنتهي بمشهد تراجيدي مؤلم: يعشن فيه بطلات لافاييت مرارة الهزيمة وتحطم أحلامهن على حجر الوحشية والغريزة الحيوانية التي مازالت تسكن نظرة الآخر للمرأة  بل إنّ الزيادي تذهب إلى أبعد من ذلك في إشارة واضحة إلى تأرجح الثورة التونسية بين الفشل والنجاح من خلال مقتل المحامي عبد الناصر في مواجهة الفساد والمفسدين ليكون رمزا للتضحية  حبا لوطن مازال يحث الخطى  نحو النور ، لكن رغم كل ذلك لا يمكن أن نتغافل عن روح الأمل التي طبعت بها الزيادي نهاية روايتها فقد جاءت مفتوحة استبشارا بغد مشرق رغم المتآمرين.
لافاييت ليست فقط رواية للمكان وإن تمت عنونتها باسم أشهر أحياء تونس العاصمة،كما ذكرنا سابقا، فإنها تقدم تونس بكل تفاصيلها الدقيقة والرقيقة وبكل ملامحها البائسة والمتفائلة. يبدو فيها اجتهاد الكاتبة واضحا لرسم صور قريبة جدا من عمق المجتمع التونسي، ترفع فيها صاحبتها صوت لا للقمع ولا للظلم ولا لكل ملامح البؤس القديمة ،وهو ما يبدو واضحا بداية من تصميم الغلاف الخارجي للرواية حيث جاء حرف لا في العنوان محاطا بدائرة حمراء كناية عن كونه جوهر الثورة والحياة فلا قبول لما سكت عنه التونسيون طويلا بعد الآن.
ولعلنا نستشهد بما كتبه الدكتور أحمد الودرني عن الرواية في دراسة نقدية بعنوان «سيميائية الخطاب السردي في رواية لافاييت:
حيث قال: «لافاييت شامة آسرة تزين خدَّ الرواية الصقيل، ومشكاة تضئ الحروف فتتبدى لنا نفوس أضنتها إحَن ثقال ومحن شداد...وهي مع ذلك في ترددٍّ بين الألم والأمل والترح والفرح والرهبة والرغبة والموجود والمنشود، إيمانا بقرب انبلاج الصبح البهي مهما قسا القيد وأظلم الدرب الحزين في وجه العابرين بحثا عن الحرية والخلاص!».
وتجدر الإشارة إلى أنّ هند الزيادي روائية تونسية من مواليد 1970، متحصلة على الاجازة في الأدب العربي والماجستير في الفنون المرئية. وتُعد لافاييت ثالث أعمالها الروائية بعد السجينة والصمت./.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش