الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأرقــام الكبيــرة والتراكميــة

تم نشره في الاثنين 14 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

 د.جواد العناني

يقال إن مخترع الشطرنج طلب من المهراجا الذي اعجب بهذه اللعبة أن يضع له حبة قمح واحدة على المربع الأول، وحبتين على المربع الثاني، وأربعا على الثالث، وثماني على المربع الرابع، وهكذا يضاعف الرقم وفق متوالية هندسية حتى يصل إلى المربع الرابع والستين الأخير، فقهقه المهراجا بصوت عال، وقال أعطوه ما يريد، ولما عاد مدير الخزائن إلى المهراجا كان ممتقع الوجه حيراناً، وقال للمهراجا يا سيدي إن مجموع حبات القمح التي يطالب بها هذا الرجل المخترع تفوق إنتاج الهند كلها من هذه المادة، ولسنوات عديدة.

الواقع أن المجموع النهائي يساوي تقريبا (18.5) كوادريليون حبة قمح، أو إذا شئت (5ر18) الف تريليون، أو (18.5) مليون بليون، وحتى لو كان في كل كيس نصف مليون حبة قمح، فهذا يساوي ما مجموعه (37) بليون كيس من القمح. 

هذه الأمثلة وغيرها تفتح علينا سؤالاً كبيراً وملحاً، لماذا لا نهتم بالتراكم عبر الزمن حيث يرقد سر الأرقام الكبيرة، ولو افترضنا أن كل رب اسرة وضع لابنه ادخاراً شهرياً بقيمة عشرة دنانير عند ولادته حتى يبلغ سن الثامنة عشرة، وبمعدل مردود سنوي يساوي (5%)، فإن حجم الادخار سيكون كافياً لتغطية نفقاته الجامعية. 

ولو أن كل طبيب، أو محامٍ، أو مزارع نقل للجيل الذي بعده حصيلة تجاربه، فتخيلوا معي حجم المعرفة والثقافة الذي سيحصل لكل جيل بسبب هذا التوارث المعرفي عبر الأجيال.

لو أن النظام الذي تقاس به قدرات العاملين يقوم على أساس الجدارة والمقدرة بدلاً من الواسطة والمحسوبية، فتخيلوا كم ستكون الانتاجية، ومستوى الانتاج وكميته.

الطبيعة في قوانينها تبارك التجمع، والتوارث، والتراكم والحركة المنسقة، وفي غياب العدل والعدالة في تطبيق القانون والقواعد العامة على الناس، وفي غياب هذه المعايير تحل الفوضى والبعثرة للجهود، وهذا هو التطبيق العملي للكلمات «تفشلوا وتذهب ريحكم»، وبمعنى آخر، فإن المجتمع الذي تغيب فيه معايير الجدارة والقدرة والعدالة لا يراكم شيئاً، بل كل ما لديه يصبح مع الوقت هشيماً تذروه الرياح.

وأذكر أنني كنت أدرّس عام 2000/2001 في جامعة غرب فرجينيا كأستاذ زائر، ودعاني أحد الأساتذة في كلية القانون لكي ألقي محاضرة لطلابه عن «هوليود والقضية الفلسطينية». وبعد المحاضرة طلب مني أن احضر إفطاراً صباح السبت مع مجموعة من أصدقائه في مقهى معروف بالمدينة، ولبّيت الدعوة، وعرّفني الاستاذ الذي دعاني على كل واحد في المجموعة هذا جورج المحامي، وهذا جون خبير البورصة، وذلك ريتشارد الطبيب، وهكذا دواليك، وكان عددهم عشرة من أصحاب الاختصاصات المختلفة.

ولما جلسوا إلى مائدة الفطور، كانت السيدة العاملة في المطعم هي نفسها التي تقوم على خدمتهم، وتعرف طلب كل واحد منهم، وبالمقابل دفع كل واحد منهم حسابه بالإضافة إلى عشرة في المائة لتسديد كلفة فطوري، ودفعوا فوق كل هذا وذاك عشرة دولارات إكرامية للسيدة التي أشرفت على خدمتهم.

هذا الاجتماع صباح كل سبت يجري فيه حديث من كل واحد منهم لمدة (3-5) دقائق يقدم لأصدقائه التسعة الباقين فكرة تفيدهم، أو معلومة تنفعهم، أو نصيحة تزيد من دخلهم أو توفر عليهم في مجال اختصاصه، وعندما يخرجون من المطعم يكون العشرة قد خرجوا بتسع افكار جديدة مفيدة، أي أنهم صاروا أغنى وأثرى مما دخلوا بعشر افكار جديدة.

هذا النوع من التفاعل الاجتماعي ضروري، ومفيد، ويخلق ما يسميه علماء الاقتصاد رأس مال اجتماعي يساعد في بناء المجتمعات، ويحسّن من انتاجيتها وفاعليتها، ويخلف من الوقت قيمة إضافية عالية، أما إذا أمضى الناس وقتهم في النقد اللاذع الذي يعبّر عن صاحبه أكثر مما يعبّر عن الذي شتم أو تناولته الألسن اللاذعة بالنقد الظالم، الحصيلة ستكون كره الناس لبعضهم البعض، أو الشك في الناس وفي كل ما يقولونه، أو تسميم الأجواء التي يتنفس منها الناس هواءهم.

إن التراكم قد يكون عمودياً عبر الزمن، وبفضله يخلق الناس من قيمة صغيرة متراكمة قيمة كبيرة تفوق توقعاتهم بعد فترة معينة، وتعينهم على مواجهة متطلبات الحياة.

ويكون التراكم عمودياً لو ان كل جيل منح الجيل الذي يليه فضل رعايته وخبرته، وسمح للتفاعل بين الخبرات القديمة والحديثة لتنتج علماً ومعرفة أكبر مما لو عمل كل إنسان وحده، واحتكر علمه ومعرفته.

وكذلك يحصل التراكم أفقياً لو أن الناس منحوا بعضهم البعض جزءاً من خبراتهم وتجاربهم لكي يستفيدوا منها في حياتهم، أو أن كل واحد منا اهتم بجيرانه، أو بشارعه، أو بالمبنى الذي يشارك الآخرين العيش فيه.

و»مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم» هو خير مثال على هذه التراكمية الأفقية.

وحفظ الله بلدنا وأمتنا بخير إن شاء الله.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش