الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نُحبّهم؛ فــيتوهمون أَننا قد نموتُ في بُعدهم!<br /> *لؤي طه

تم نشره في الأحد 23 آب / أغسطس 2015. 03:00 مـساءً

ما أن يدق ناقوس مناسبة تفوح منها رائحة الفرح؛ حتى نهرع مسرعين بلهفة نمسك الهاتف ونضغط على قائمة الأشخاص المقربين، لنبارك لهم ونقاسمهم مشاعر السرور، نحيطهم بهالةٍ من نور المحبة. وما أن تبدو على ملامحهم تقاسيم الحزن؛ نقترب منهم، نطوقهم بكثيرٍ من الحنان. نشاركهم الألم، نقتسم جزءاً منه لنخفف من حجمه على قلوبهم!  لا نعاتبهم إذا ما غابوا عنا، نلتمس لهم الأعذار ونحسن الظن بهم. لا نهتم بالتفاصيل الصغيرة من بدأ السؤال ومن منا الذي بادر بالاهتمام.  كلُّ ما يعنينا أنهم على قيد العافية؛ وبـأنهم بكامل الحب والحياة.
يحدث أن توجعنا الظروف وتقهرنا الآلام، فلا نسمع للهاتف من رنة ولا يكون لهم في هذا الألم أي حضور. ويحدث أن الحياة قد تكافئنا  بشيء من الفرح ولا يكلفون خاطر قلوبهم ليكونوا معنا في مثل هذه اللحظة.
ربما لأنهم اعتادوا على أننا من يبادر، ولأننا لا تعاتب كما يفعلون؛ سافروا بظنونهم بعيداً وقالوا: هم طيبون بكلمة منا يسامحون ويعودون! هم يقيّمون الأشخاص على حسب مكانتهم الاجتماعية، وما يملكون من نفوذ وثراء، لا على حسب أخلاقهم وما يملكون من عواطف ومواقف نبيلة!
هم يحسبون أنهم إذا  أعطوك في العمر مرة شيئاً جميلاً؛ أنهم قد ملكوك! وصرت رهن مزاجهم. يضحكون في وجهك متى يشاؤون، ويقطبون الحاجبين إذا  أوجعتهم الحياة قليلاً. يتوهمون بأننا من الصعب الابتعاد عنهم وكأن مصيرنا  في أيديهم. وهم لا يطعمونا، ولا ينفقون علينا مثقال ذرة، فكيف لهم أن يعتقدوا بأننا قد نموت إذا ابتعدنا عنهم؟!
لكثرة حبنا لهم، وطيبة قلوبنا معهم، ولشدة احترامنا وحرصنا بأن لا نخدش مشاعرهم؛ يصابون بالغرور وتضخم الأنا! نتكلم معهم بكامل الذوق والأدب على حسب ما تربينا  وما تعلمنا من أهلنا « بأن الإنسان هو مرآة تعكس حقيقة والديه» ولحرصنا البالغ على أن تظلَّ صورة أهلنا أنيقة ومخملية  في عيونهم ولا نجلب الشتائم والحرج لأهلنا، نحوارهم بأدب؛ فــيحسبون أننا مساكين لا حول ولا قوة لنا، وبأنهم الأقوى منا والأهم!
إذا أكرمتنا السماء بشيءٍ من النجاح اغتاطوا منا، واعتصرت قلوبهم الغيرة والحسد،  وتلاشوا وراء السحاب، خشية من أن تفضحهم تقاطيع وجوهم وهم يمكثون أمام عيوننا. يدعون أنهم لم يبصروا ولم يعلموا وكأنهم يسكنون كوكب غير كوكبنا. يحتكرون عنا مشاعرهم خوفاً من أن ينفقوها علينا وخشية من أن يفلسوا لو باحوا بعبارات التهنئة لنا.
نجلس مع ذاتنا نقلب في دفاتر الذاكرة، ونفتح سجلات الذكريات التي كانت لنا معهم؛ فلا نجد لهم ما بين السطور من مواقف عظيمة تستحق كل هذه الطيبة . نطوي سجلاتهم، ونعتذر بأنفسنا من أنفسنا بأننا حقاً قد أسرفنا عليهم من عواطفنا واحترامنا، وكرم أخلاقنا معهم؛ وبأننا قد أعطيناهم مكانة هم لا يستحقونها مطلقاً. ولا يوجد من مبررٍ في أن يشغروا حيزا ً كبيراً في القلب ولا في الذاكرة؛ هنالك قلوب تحيط بنا، تستحق الاعتناء والاهتمام أكثر منهم.
ليست كل طيبة هي بالأمر المحمود! ولا تعني دائماً بأنها من نبل الأخلاق؛ حين لا يجيد الأخر ترجمة الطيبة بشكل أمين؛ فإنها  تصبح ضعفاً وتجعل منك شخصاً يبدو في عيون الشخص الأمّي من الأخلاق ومن لا يستطيع تهجئة أبجدية الاحترام  على أنك المهزوز، و الضعيف، أو أنك تعاني من عقد نقص.
الأشخاص الذين يعانون من تضخم الذات، وسطوة الأنا عليهم، لا علاج لهم إلا بإهمالهم واقصائهم من حياتك. لأن الإهمال هي اللغة الوحيدة التي يتقنون التحدث بها بطلاقة، والمعاملة بالمثل هي الوسيلة الأكثر فهماً لعقلوهم الفارغة من القيم الإنسانية.
عليك في كل مرحلة من مراحل حياتك؛ أن تقوم بتقييم الأشخاص وأن تتدرب على عملية الفرز والاقصاء ، وإعادة صياغة علاقتك الاجتماعية بشكل منطقي بعيداً عن العاطفة المفرطة بالمحبة بشكل أهوج لا طائل منها إلا الكثير من الوجع والندم على معاملتك النبيلة جراء ردود أفعالهم اللاأخلاقية واللاإنسانية معك.
إن الذين يخطئون في تفسير الطيبة على أنها  الطريق الذي يؤدي إلى الجنة  هم لم يفهموا بأن الجنة لا تقبل أن يدخلها من به ذلة وضعف. الجنة مكاناً لأولئك النبلاء وأصحاب الكبرياء والشموخ العقلاني ذاك الذي ليس به من كبرٍ ولا تعالٍ على أحد. إن الدين لم يأمر أن تعطي خدك لمغرور ليصفعك وتقول له بكل ود: سامحك الله! الدين هو عزة للمرء فلا يُعقل أن تقوم شريعة وعقيدة على قبول الذل والمهانة. إن الله سبحانه وتعالى عزيز يحب من به عزة!
امضِ بعيداً عنهم، وشق طريقك مع أناس يحملون نفس أخلاقك وأفكارك واترك أولئك الذين يتوهمون بأنك ستموت قهراً وجوعاً إذا تخلوا عنك، أو ابتعدت عنهم. لا أحد يموت من غياب ولا فراق. « الغياب يكون أجمل حين يصبح البقاء وجعاً!»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش