الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ابشر وأخواتها

رمزي الغزوي

الخميس 6 تموز / يوليو 2017.
عدد المقالات: 1971

الدكتاتور لا يصنع نفسه بنفسه. إنما يصنعه الناس الذين حوله، فهم يرفعونه، ويلبسونه ثوباً غير ثوبه. الدكتاتور صناعتهم ليس بسكوتهم عنه، أو رضاهم عن أفعاله وأقواله، بل بذلك الوهم الذي يلهبون به أسماعه، وأنظاره، وأفكاره. إنهم يجمّلون حوله كل قبيح، ويقبّحون عنده كل جميل. يبررون هفواته، ويقلبونها بطولات وفتوحات. والأهم أنهم لا يسمعونه إلا ما يريد، ولا يرونه إلا ما يهوى. 

بعيداً أو قريباً جداً من الدكتاتور وظلاله، يطغى علينا مشهد الانتخابات البلدية واللامركزية، فتتلبد في الأجواء غيوم عقيمة من الوهم والأكاذيب والدهلزة والنفاق، تجعل كل مرشح يعتقد أنه ناجح لا محاله، وأن الكرسي مضمون، وأنه سيد الموسم، المهدي المنتظر، المخلص الذي سيحل كل مشاكلنا، ويزفت شوارعنا ويسيّر مشاريعنا المتعثرة، بعصاه السحرية ومكنسته الطائرة. 

من هذا الباب ، ربما حق لأحد مرشحي الانتخابات البرلمانية ذات سنة غابرة، أن يطبن (يحلف) يميناً غليظة على الملأ، بأنه سينال ما لا يقل عن عشرة آلاف صوت. ففي وجدانه أن كلَّ من سلَّم عليه، أو هشَّ بوجه، أو بشَّ لأحد أولاده، أو قال على سبيل حسن التخلص: (ابشر)، (لعيناك)، (أنا خرطوش فردك)، فإنه سيصب له بصوته، مع أقاربه وجيران جيرانه. مع العلم أن هذا المرشح المغرر به المغرور يعرف أن العدد الكلي لأصوات بلدته لا يتجاوز الثمانية آلاف صوت.

لا يهمنا ما ناله مرشحنا الموهوم من أصوات، لم تقمه عظماً (على رأي واحد من الطوبرجية)، ولكنه لم يتجاوز الأربعمائة صوت، إذا لم تخني الذاكرة. بل ما يهمني أن الضبابية كانت وما زالت سيدة المشاهد الانتخابية، وستبقى ما دام الواحد من لا يخشى الحقيقة، ولا يستطيع أن يقول للأعور أعور بعينه. أو أن يقول لمرشح: يا رجل أنت لست أهلاً لها. البلدية ليست جحشاً واطئا.

من وجه ثان سيعتقد بعض المرشحين إنك إن صدقته القول، فإنك تضع العصي بدولابه، وتتمنى لجهوده أن تبور، ولهذا سيتجنبك ويبعدك من دائرة اهتمامه، فأنت بنظره ممن يكسرون المجاذيف، ويوصدون الأبواب.

ثمة شيء مؤلم في هذه القضية. فيبدو لي أن أكثر الناس بات يستهويها سقوط الآخرين. فهذا شيء يفرح دواخلهم. أو ربما يحبون هذا السقوط، مستندين إلى نظرية (أن الذي لا يعرف الطيران، عليك أن تدفعه ليسقط مبكراً). 

ولدينا حركة أكثر لؤما، أننا نتواطأ مع الحقيقة ونواربها ونخاتلها؛ لأننا نحب رؤية المغرورين المنفوخين بالخواء يرتفعون عاليا وبعيدا في سماء الوهم حتى إذا ما سقطوا، كان سقوطهم مدويا مجلجلا متشظيا عنيفاً. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش