الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرؤى والتطلعات المستقبلية في الأوراق النقاشية الملكية

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

 د.محمد سعيد الدمنهوري*

   الأوراق النقاشية الملكية تعد مبادرة غير مسبوقة في التواصل بين الحاكم والشعب، إذ يسعى جلالته الى مشاركة الشعب في ادارة الدولة وخاصة في مسيرة الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال مساهمة المواطنين لأدوارهم في تكريس المنهج الديمقراطي؛ لتجذير الديمقراطية الأردنية الى مستوى الدولة الحديثة المعاصرة.

 ويطرح جلالة الملك هذه الأوراق النقاشية من منطلق ايمانه بدوره في زرع الثقة بقدرة الأردنيين والأردنيات على التمييز والابداع، ودوره في المحافظة على القيم الأردنية الأصيلة والقيم الوطنية الأساسية المتمثلة بالوحدة الوطنية والتعددية والانفتاح على الآخر والتسامح والاعتدال التي تجعل أردننا العزيز واحة أمن واستقرار.

 ومن منطلق انه القائد الموحد للاتجاهات والثقافات السياسية في المجتمع الأردني؛ لحمايته من الانزلاق نحو استقطابات قد تهدد أمننا الوطني، ومن قناعتنا بأنة يعبر عن صوت الأردنيين جميعاً خاصة الفقراء والمستضعفين؛ وانه الضامن لمسيرة الإصلاح والتحوّل الديمقراطي، وحرصة بأن يكون للأردن ربيع أردني مخضر خاص يحفظ مسيرته على طريق الاصلاح والتحديث، جاء طرح جلالته لهذه الأوراق النقاشية.

 ولقد ناقشت الأوراق النقاشية الملكية الخمس الأولى الطريق أمام النهج الديمقراطي والانتخابات النيابية عام 2012م، والأدوار المطلوبة من كافة مكونات الدولة الأردنية مسؤولين ومواطنين؛ لتعزيز الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية على طريق الاصلاح السياسي المرتكز على التعددية واحترام الرأي والرأي الآخر، وفي الورقة السادسة طرح جلالته رؤيته للدولة المدنية، ومرتكزات الدولة المدنية الأردنية، نطرح فيما يلي قراءة تحليلية موجزة للأفكار والآراء الملكية لمستقبل الأردن، وذلك من خلال عرض موجز لمضامين هذه الأوراق، والتي تستحق أن تعد بأنها منارات استرشادية، ونحن نعبر مرحلة الاصلاح والتحديث والتحول الديمقراطي في أردننا الحبيب بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، وسدد على دروب الخير خطاه.

الورقة النقاشية الملكية الخامسة

} تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف والمنجزات والأعراف السياسية {

 

    المقدمة: 

يرى جلالة الملك ومن خلال الأوراق النقاشية الأربع السابقة أن عملية الإصلاح هدفها النهائي يتمثل في ديمقراطية أردنية متجددة وحيوية وتقوم على ثلاث ركائز هي :

أ‌-ترسيخ متدرج لمنهج الحكومات البرلمانية  ب- أن يظل منهج الحكومات البرلمانية تحت مظلة الملكية الأردنية

ج- تعزيز المشاركة الشعبية الواسعة في عملية الإصلاح (أي تعزيز المواطنة الفاعلة ) 

وان عملية الإصلاح يجب أن تظل مستمرة رغم الظروف والتحديات الإقليمية المحيطة بنا 

كّذلك فقد نجح الأردن في إيجاد (ربيع أردني )، ويتضح هذا من خلال تسريع عملية الإصلاح السياسي، وتزايد مساهمة المواطنين في صنع القرار من خلال ممثليهم في مجلس النواب وذلك برفع وتيرة التمكين الديمقراطي 

ثم يوضح جلالته مضامين هذه الورقة النقاشية الخامسة والتي تدور حول محطات الإنجاز التي أنجزها الأردن وحققها على ثلاثة مسارات (مجالات) وهي :

أ‌- الإنجاز في التشريعات، ب - الإنجاز في المؤسسات ج- إنجاز تطور في أطراف المعادلة (العملية) السياسية، وهذه الأطراف هي : 1- الملكية 2- أعضاء مجلس الأمة    3- الحكومة       4 -الأحزاب السياسية    5- المواطنون،

ثم يعرض جلالته بتفصيل أكثر الإنجازات على المسارات الثلاثة السابقة كما يلي:-

أولا:  الإنجازات في التشريعات واهمها :-

1- إقرار تعديلات دستورية لترسيخ مبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وتعزيز الحريات واستحداث مؤسسات ديمقراطية جديدة 

2- إنجاز حزمة من التشريعات الجديدة الناظمة للحياة السياسية وشملت هذه الحزمة : قوانين الانتخاب ( النيابية، البلدية، اللامركزية )، وقانون الأحزاب السياسية، وقانون الاجتماعات العامة  

3- -تطبيق قانون معدل لقانون محكمة أمن الدولة يحصر اختصاصاتها في جرائم: الخيانة الوطنية، التجسس، الإرهاب، المخدرات، تزييف العملة، وهذا يكرس مبدأ محاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية فقط 

4- إحراز تقدم وتطور في النظام الداخلي لمجلس النواب ليكون أكثر فاعلية 

ثانيا:  الإنجاز المؤسسي (في المؤسسات): ومن هذه الإنجازات ما يلي: 

1- إنشاء محكمة دستورية تختص بتفسير النصوص الدستورية والرقابة على دستورية القوانين والأنظمة بما يضمن حقوق المواطنين وحرياتهم وفقا للدستور 

2- استحداث الهيئة المستقلة للانتخابات لتشرف على الانتخابات النيابية والبلدية واللامركزية بما يضمن نزاهة وشفافية هذه الانتخابات 

3- تأسيس مجلس النواب مركزا للدراسات والبحوث التشريعية، ما يعزز عمل النواب

4- استمرار العمل في تدعيم السلطة القضائية وتعزيز منظومة النزاهة والشفافية والمساءلة وتأسيس عدد من المؤسسات الرقابية مثل: هيئة مكافحة الفساد، ديوان المحاسبة، ديوان المظالم 

5- الاستمرار في دعم المركز الوطني لحقوق الإنسان 

6-متابعة العمل في مسارات برنامج تطوير القطاع العام، والاستمرار في تحسين الحكومات المحلية وتنمية الموارد البشرية وتطوير آليات صناعة القرار 

7-في إطار السعي نحو حكومة برلمانية ناضجة فقد تم تطبيق العديد من الإصلاحات في مؤسساتنا الأمنية الوطنية مثل المضي قدما في إصلاح دائرة المخابرات العامة هذه المؤسسة الوطنية الرائدة وكذلك تفعيل دور وزارة الدفاع لتتولى مسؤولية جميع الشؤون الدفاعية غير القتالية وقد جاءت هذه الإصلاحات أيضا بتوجيهات ملكية سامية

ثالثا: محطات إنجاز التطور الخاصة بأطراف المعادلة السياسية من خلال الأدوار المطلوب من كل من: ا- الملكية   ب- مجلس النواب   ج-الحكومة    د- الأحزاب السياسية     هـ-المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، وهذه الأدوار تم الإشارة إليها في الورقة النقاشية الثالثة والتي جاءت تحت عنوان ( أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة) 

ثم يشير جلالته إلى نظرة مستقبلية لجميع مكونات العملية السياسية كما يلي: -

1-النظرة المستقبلية للسلطة التشريعية :إن ما يتطلبه المستقبل من السلطة التشريعية (مجلس النواب ومجلس الأعيان) في مجالات الارتقاء بتجربة الحكومة البرلمانية، أن تعطي الأولوية لقوانين الحكم المحلي عبر إنجاز قوانين الانتخابات البلدية واللامركزية 

2-النظرة المستقبلية للحكومات:ا-الاستمرار في تطوير أداء القطاع العام والجهاز الحكومي 

ب-إعداد خطط واستراتيجيات بعيدة المدى تعتمد التشاور والتواصل مع المواطنين 

ج- على الحكومة المضي قدما في تفعيل دور وزارة الدفاع 

3-النظرة المستقبلية للسلطة القضائية: -ا- الاستمرار في بناء قدرات السلطة القضائية 

 ب-متابعة اللجنة الملكية لتطوير القضاء في تقييم عمل السلطة القضائية  ج- تعزيز منظومة النزاهة الوطنية وتقييم تنفيذ توصيات اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية 

4-النظرة المستقبلية للأحزاب السياسية:  ا-الاستمرار في تطوير الأنظمة الداخلية للأحزاب لتتطور إلى أحزاب برامجية قادرة على الفوز بأغلبية أصوات الناخبين اعتمادا على برامجها التي تقدمها 

أ‌-أن تهتم الأحزاب بتأهيل قيادات كفوءة قادرة على تولي المناصب الحكومية، ج -الاستمرار في تعزيز وتطور أداء وعمل الكتل النيابية في مجلس النواب لأن هذا قد يشكل حافزا هاما لتطوير أحزاب برامجية ذات حضور وطني

5-النظرة المستقبلية لمؤسسات المجتمع المدني: 

وذلك بأن تلعب دورا أكبر في المساهمة في إنتاج أفكار وأبحاث تقدم حلولا للتحديات التي تواجهها المحكمة وهذا ما يؤمل أن تقوم به الجامعات، ومركز الدراسات، ومراكز البحث العلمي

كما أن مؤسسات المجتمع المدني مطالبة بتوسيع حجم المبادرات الناجحة، وتشجيع ممارسات الحوار والتطوع والمساءلة والشفافية والحق في الحصول على المعلومات .

 

ثم يشير جلالته أن أبرز التحديات التي نواجهها تتمثل في المحافظة على التوازن الدقيق بين مختلف السلطات وأن الأسلوب الأمثل لمواجهة التحديات هذه تعزيز معرفة وتطبيق الأعراف السياسية والتي تحكم عادات وممارسات أطراف العملية السياسية 

الأعراف السياسية : هي عادات وممارسة غير مدونة قد لا يكون لها قوة القانون إلا أنها شرط أساسي لعمل نظامنا السياسي بشكل واقعي وفعال،  ومن أمثلتها كتاب التكليف السامي الذي يوجهه الملك للحكومات والذي يعد عرفا سياسيا يستدل من خلاله على أبرز المسؤوليات والمهام المنتظرة من الحكومة ويشكل تنفيذها مقياسا مهما لتقييم أداء الحكومة،ويمكن تطوير مجالات الأعراف السياسية عن طريق ما يلي : 

1- آلية التشاور لتكليف رئيس الوزراء وآلية إعداد برنامج الحكومة المكلفة لأربع سنوات قادمة 

2-تنظيم جلسات الأسئلة والاستجواب فيما بين مجلس الأمة والوزراء بأسلوب يراعي مبادئ الشفافية والمساءلة وحق الحكومة  في ممارسة السلطة 

3-تحديد أدوار مجلس الوزراء ومجلس الأمة والجهاز الحكومي خلال مراحل التغيير الحكومي والتي تشمل فترة التشاور لتكليف رئيس وزراء جديد والفترة الزمنية لحين منح مجلس النواب الثقة للحكومة .

 

الورقة النقاشية الملكية السادسة

}   سيادة القانون اساس الدولة المدنية {

المقدمة :- 

وحيث ان جلالة الملك يدرك ما حولنا من تحديات تسود واقعنا العربي والاقليمي،  ممثلة بالحروب والنزاعات وتفكك لمجتمعات عربية عريقة، ودول تكاد  كياناتها ان تنهار.  لذلك طرح  جلالتة الورقة النقاشية السادسة متضمنة افكارا ومؤشرات  لتكون مدار نقاش في مجتمعنا، خاصة ونحن وما حولنا من دول على مفترق طرق،  لنحدد مسارنا نحو مستقبل واعد من منطلق الوعي والادراك بالتحديات المحيطة، للحفاظ على امننا الوطني من خلال تعزيز منعتنا ونسيجنا الاجتماعي لبناء مجتمع الأمن والعدالة الاجتماعية، كما تم طرح هذه الورقة النقاشية في توقيت استباقي سبق الانتخابات النيابيه التي جاءت بمجلس النواب الحالي (مجلس النيابي الثامن عشر)وقبل افتتاح الدورة العادية لمجلس الامة الحالي،لتكون هذه الورقة تتضمن توجهات استرشادية لبناء علاقة تشاركية بين مجلس النواب والحكومة الحالية وكذلك تقليص الهوة بين السلطتين (التشريعية) مجلس النواب  والتنفيذية (الحكومة) من جهة والمواطنين من جهة اخرى.

واستذكر هنا ان المواطنة الحقة تقوم على العلاقة النفعية والمتبادلة بين الوطن والمواطن،  فالوطن له على المواطنين واجبات والمواطنون  لهم على الوطن حقوق،وبمقدار ما يقدم المواطن لوطنه من واجبات وطنية، بمقدار ما يقدم الوطن للمواطنين من حقوق، فالعطاء والولاء والتضحية للوطن يقابله الوطن بتوفير حياة امنة وعيش كريم من خلال ازدهار وتقدم الوطن، وبالتالي يتعمق الانتماء ويتجذر الولاء للوطن،وتتعاظم مقومات الهوية الجمعية،وتتراجع مظاهر السلبية للهويات الفرعية على حساب المصلحة الوطنية.

كما ان جلالته يستشعر التراجع في القيم والاعراف المجتمعية الاردنية، وتزايد الشكوى من الواسطة والمحسوبية والممارسات الشللية، واتساع الفجوة بين الحكومات المتعاقبة والمواطنين، وتراجع في مبادىء العدالة الاجتماعية التي تنشدها مسيرة الاصلاح  السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هذه المسيرة التي بدأت بارادة سياسية عليا ومن صانع القرار الأول في الدولة الاردنية.             

هذه الورقة النقاشية السادسة جاءت برؤى ملكية تجعلنا نسير على الطريق السليم للتصدي لبعض التشوهات التي تظهر بين الحين والآخر في مسيرة الاصلاح .وهذه الرؤى من وجهة نظر جلالة الملك تتمثل في الأخذ والالتزام بمقومات الدولة المدنية - الدولة الحديثة المعاصرة -،وعليه جاءت هذه الورقة لمناقشة السعي الى ان تكون الدولة الاردنية .دولة مدنية وليست دولة علمانية او دينية، اذ ان هذه الدولة – الدولة المدنية - هي التي تضمن الحقوق والواجبات  الوطنية وتسعى الى تحقيق الامن والاستقرار والعدالة الاجتماعية .

اولا - اهم مضامين الورقة النقاشية الملكية السادسة:

يطرح جلالة الملك الاسس الرئيسية التي تقوم عليها الدولة المدنية بانها دولة تحتكم للدستور وسيادة القانون، وهي دولة تديرها المؤسسات ولا تديرها سلطة الافراد، دولة تعتمد الفصل بين السلطات كي لا تتغول سلطة على اخرى، دولة تكفل الحريات للجميع وتحترم الاقليات، دولة قوامها الوسطية والتسامح والتعددية في المكونات والرأي، دولة ترفض التمييز العرقي او الديني او الجنسي، دولة تكفل حقوق المواطنين والذين يتوقع منهم مقابل ذلك القيام بواجباتهم الوطنية بافضل صورة واقصى جهد ممكن.

وتشير هذة الورقة النقاشية الى ان الدولة المدنية تركز على سيادة القانون  وباطار ديني ومرجعية اسلامية نص عليها الدستور الاردني والذي ينص على ان دين الدولة هو ( الاسلام )، لكنها تدعو الى عدم استغلال الدين لاغراض سياسية، بل تطبيق القانون دون محاباة اوتمييز بين جميع المواطنين والمسؤولين، وهذا هو اساس الادارة الحصينة للدولة المدنية والتي تضمن حقوق المواطنين وترسخ الديمقراطية والمبادىء الانسانية  المثالية مثل العدالة والمساواة وغيرها، وان الدولة المدنية تقوم على الهوية الوطنية الجمعية، والدين جزء لا يتجزأ من هذه الهوية الوطنية، كذلك فان جلالة الملك وخلال هذه الورقة النقاشية ازال اللبس والارباك في الصالونات السياسية والشعبية حيال مستقبل الدولة الاردنية، واشار الى انها دولة مدنية وليست علمانية تستبعد الدين، كما انها ليست دولة دينيه لاهوتية، فالدولة المدنية تعتبر الدين عاملا ومنطلقا لبناء الاخلاق الانسانية وتحفيز الطاقات للعمل والانجاز دون استخدام الدين لتحقيق اهداف سياسية خاصة؛ لان هذا التوجه يتنافى من التعددية التي دعى اليها ديننا الاسلامي الحنيف في قوله تعالى ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند اللة اتقاكم ) . واستذكر هنا قولا لاحد الحكماء اذ قال :- لا يعنيني باي دين تتدين، بل يعنيني ماذا ستفعل بهذا الدين ... تظلم ام تعدل...تسلب ام تنهب ... تهدم ام تبني...تحرر ام تستعبد، الدولة المدنية الاردنية تحفظ الاديان وتدافع عنها للحفاظ على الحرية الدينية لمواطنيها،انسجاما مع قوله عز وجل (لا اكراه في الدين) .

وهنا لا بد من الاشارة الى ان الدين اساس هام في الدولة المدنية الاردنية، حيث انه منبع متواصل لمنظومة الاخلاق والقيم المجتمعية الاردنية، مع التذكير بانه لا وجود لوكيل الله على الارض، كما ان الدولة المدنية ليست رديفا للدولة العلمانية المادية التي تختلف في قيمها ومبادئها وافكارها عن الدولة المدنية .

ونستذكر هنا اشارة الملك في هذة الورقة الى الصحيفة (الميثاق ) التي وضعها نبينا (محمد) صلى الله عليه وسلم  عندما اقام الدولة المدنية في المدينة المنورة، تلك الصحيفة التي تضمنت 52 قاعدة قانونية لتنظيم العلاقات بين مجتمع المدينة المنورة، وكان ذلك المجتمع يضم المسلمين من مهاجرين وانصار واصول متعددة – (بلال الحبشي،سلمان الفارسي،صهيب الرومي )كما ضم  بعض الكتابيين والمشركين .تلك الدولة التي كانت تحفظ حقوق جميع مواطني الدولة وتحترم الاقليات وترفض التمييز العنصري او العقائدي اوالطائفي، وتسعى من خلال الوسطية والاعتدال الى تحقيق العدالة الاجتماعية  والتي تعتبر اسمى غايات الدولة المدنية .

تكريس قواعد الدولة المدنية الاردنية :-

مقومات ومرتكزات الدولة المدنية

يلاحظ القارىء للورقة النقاشية الملكية السادسة انها تشتمل على مقومات ومرتكزات الدولة  المدنية وكذلك بعض الاجراءات والواجبات الوطنية التي تعمل على تكريس الدولة المدنية وتطورها وازدهارها واهمها ما يلي:

1-  سيادة القانون على الجميع دون استثناء :-

إن تطبيق القانون على جميع المواطنين والمسؤولين دون استثناء يحفظ هيبة الدولة، واعتقد ان لا تعارض بين حفظ هيبة الدولة وسيادة القانون من جهة وحقوق الانسان من جهة اخرى، حيث ان سيادة القانون يظل الحافظ الامين لهيبة الدولة  ومعاقبة من يخرق القوانين، سواء أكان مواطناً ام مسؤولاً، كما انة يعزز ثقة المواطن بهيبة الدولة ويعمق مبدأ الامن المجتمعي، ما يحفز المواطن على البذل والعطاء والاطمئنان على انجازاته وممتلكاته ويحفظ حقوق المواطن وكرامته، في ظل الثوابت الوطنية الاردنية المرتكزة الى القيم الدينية والنصوص الدستورية

2-التصدي للواسطة والمحسوبية (مكافحة الفساد الاداري والمالي)

هذه الورقة تشير الى ان سيادة القانون يرفع الحصانة عن اصحاب الواسطة والمحسوبية والفساد باشكاله المختلفة، الامر الذي يعزز الاطمئنان  النفسي للمواطن والثقة بالنفس ويشيع العدالة الاجتماعية ويحفزالريادية والابداع، ويقصي الشعور بالظلم والاحباط واقصاء الآخر،  والتي تقود الى التخلف والتطرف، ويسود الاضطراب الاجتماعي والفوضى الاجتماعية وبذلك يتعرض الوطن للاخطار،  لكن الدولة المدنية بتصديها للواسطة والمحسوبية تحفظ التوازن والامن الاجتماعي، الامر الذي يحفظ الامن الوطني وتقدم الدولة وازدهارها.

3- الدولة المدنية تؤمن وتسمح بالتنوع والتعددية، وترفض التمييز بسبب الدين او العرق او الجنس واقصاء الاخر، بل تسعى الى تحفيز واطلاق الطاقات الكامنة في كل مكونات الدولة، وبذلك تتزايد المشاركة الشعبية في صنع القرارات وادارة الدولة وتعمل على دفع عجلة التنمية والتوزيع العادل لعوائد التنمية، ما يجذر الانتماء الوطني للهوية الوطنية الجامعة ويحفظ كرامة المواطنين ويحقق التقدم والازدهار بالدولة.

4- تجذير الولاء والانتماء للهوية الوطنية الجامعة :-

جلالة الملك يشير في هذه الورقة النقاشية الى ان الولاء والانتماء ليس شعارا لفظيا فحسب، بل يظل مجرداً في غياب سيادة القانون واحترام الدستور، والدولة مسؤولة عن تطبيق القانون وانفاذه، والمواطن يتحمل مسؤولية ترسيخ القانون في حياته اليوميه ، وذلك بابتعاده عن التهرب الضريبي على سبيل المثال،ومحافظته على الممتلكات العامه، وان يكون اردنيا في المغارم كما هو اردني في المغانم.وان يبتعد عن جلد الذات الوطنية بل يظل فخوراً معتزاً بوطنه في مختلف الظروف و الاحوال، ويسعى الى اقصاء اصحاب الهويات الفرعية والمصالح الشخصية،  واثراء وتعزيز المصلحة الوطنية العليا للوطن،والتي بالتأكيد ستؤتي اكلها لكل المواطنين ولو بعد حين.

5- تطوير القضاء:-

القضاء مهمته  تنفيذ القوانين ومعاقبة الخارجين عليها، والا فما هي فائدة تشريع القوانين اذا لم يتم تنفيذها وسيادتها على الجميع؟والقضاء يحفظ هيبة الدولة ويشيع العدالة ويحفظ حقوق المواطنين في ظل سيادة القانون،وهنا تظهر الحاجه الى قضاءٍ نزيه متطور للتصدي لمخالفة القوانين  والجريمة والفساد، بعيداً عن الواسطة والمحسوبية، وبغير ذلك تتطور الجريمة وتتعاظم مظاهرها و يتغول الفساد، وعلى حساب هيبة الدولة وضياع حقوق الاغلبية، ما يهدد الامن المجتمعي ويتولد الضعف في النفوس و يتسرب اليها الاحباط و التطرف وعدم المبالاة بالثوابت والقيم الوطنية، وهذا يضعف مسيرة التقدم و يضعف فرص العيش الكريم، وتضيع العدالة الاجتماعية التي تسعى لها الدولة المدنية،  لذلك جاءت اللجنة الملكية لتطوير القضاء الاردني برئاسة رئيس الوزراء السابق زيد الرفاعي، وتقديم تقرير يبين رؤيتها في تطوير القضاء تقدمه الى جلالة الملك.

6- الالتزام بالوثائق المجتمعية ومدونات السلوك:-

ان الالتزام بالوثائق المجتمعية العربية الاردنية ومدونات السلوك التي يتوافق عليها المواطنون خلال ممارسة حياتهم اليومية ومدونات السلوك في المحافظات الاردنية وفي مؤسسات الدولة، يحافظ على القيم والاعراف الاجتماعية الاردنية والتي  تعتبر صمام الامان للمحافظة على التوازن الاجتماعي للمجتمع الاردني، وكذلك التصدي للسلوكيات المهينة او اللاأخلاقية التي تلحق الضرر الجسدي او المادي للمواطنين، سواء في ارواحهم او ممتلكاتهم او الممتلكات العامه للدولة  او تعيق ادارة مؤسسات الدولة .

ولذلك فأن الدولة  المدنية المرتكزة الى سيادة القانون المنبثق من الدستور والمرتكز الى القيم الدينية والاجتماعية للمجتمع، هي وعاء يحفظ الالتزام بالقيم والعادات والاعراف التي تتضمنها الوثائق المجتمعية ومدونات السلوك الوظيفي والاجتماعي بين مواطني الدولة المدنية . 

7-الاهتمام بالشباب:-

يرى جلالة الملك ان الدفع بالشباب الواعي بمصلحته الوطنية،الشباب المؤهل الكفؤ ،الشباب المنطلق من منطلق انه خادم لوطنه باتجاه للقيادات العليا وليس الشباب المهيمن على قضايا المواطنين، يعتبر ضرورة هامه لادارة الدولة المدنية الاردنيه،هذا الشباب المؤمن بالعدالة والمساواة، والذي يتصدى للواسطة والمحسوبية، ويحترم الدستور وسيادة القانون، يعتز بالمنجزات والممتلكات الوطنية ويحافظ عليها،يؤمن بالهوية الجمعية، ويعمل على اقصاء الهويات الفرعية، مثل هؤلاء الشباب يعزز اركان الدولة المدنية ويقوي مقوماتها.وهذا يجب ان يرافقه خضوع اداء المسؤولين وخاصة في الادارات العليا للمراقبة والمسألة القانونية والشعبية، الامر الذي يعزز النهج الديمقراطي ويحفز الابداعات والمبادرات الشبابيه والتنافس على خدمة الوطن والمصلحة الوطنية العليا.

 ثانيا:توصيات لتفعيل مضامين الورقة النقاشية الملكية السادسة:-

1-ان تبادر السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية باعتماد مضامين هذة الورقة النقاشية كمنهج اداري وقانوني في المؤسسات التابعة لها مثل تفعيل المساءلة القانونيه على المخالفين للقوانين، وعلى مستوى جميع المواطنين والمسؤولين 

2- اشاعة ثقافة مجتمعية باتجاه احترام سيادة القانون كل على مستوى عمله وحياته اليوميه،كضرورة الوعي بالقوانين والتعليمات الجامعية والتزام طلبة الجامعات بها سواء في ادائهم الاكاديمي اوفي سلوكهم الجامعي وكذلك على مستوى الاندية الرياضية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة من احزاب سياسية ونقابات مهنية وجمعيات تطوعية وغيرها

3-التصدي  للواسطة والمحسوبية وعدم الاقبال عليها، والسعي نحو الحقوق الشخصية من خلال المؤسسات الوطنية  كالمحاكم ولجنة الشفافية ومكافحة الفساد وعدم اليأس في المطالبه بهذه الحقوق ضمن الأطر القانونية والدستورية، 

4-التمسك بالقيم والعادات والتقاليد الاجتماعية الاردنية والابتعاد عن السلوكيات اللااخلاقية كإطلاق العيارات الناريه في المناسبات ومواكب السيارات في الافراح والمناسبات والالتزام بقوانين المرور والسير، واقامة الندوات والمحاضرات التي تعمل على تكريس التمسك بالقيم والاعراف الاجتماعية الاردنية.

5-المحافظة على الممتلكات العامة والمال العام وعدم التهرب الضريبي او الاعتداء على الكهرباء وشبكات المياه او الاحراج وغيرها من الممتلكات العامة .

6-نشر الوعي والثقافة حول وسطية الاسلام وتسامحه ودعوته للعدالة الاجتماعية والتعددية، واحترام الرأي الآخر وعدم اقصاء الآخر في مسيرة الدولة، ونبذ التمييز بسبب الدين او العرق او الجنس ،والدعوة الى العيش المشترك المبني على التعاون والتسامح في بوتقة الهوية الوطنية الاردنيه.

7-العمل على تجذير الهوية الوطنيه الاردنية الجامعة، وعدم الانحياز للهوية العشائرية او الدينية على حساب الهوية الوطنية الاردنية الجامعة،وان يكون الولاء والانتماء للوطن سابقا على الولاء للهوية العشائرية او المصلحة الشخصية.

8-تحفيز وتشجيع الشباب على العمل التطوعي والمهارات الشبابية التي تعمل على اشاعة التسامح والعدالة وقبول الاخر والايمان بالتعددية

9-تفعيل الرقابة الادارية والمالية على المسؤولين في القيادات العليا للدولة ومعاقبة الخارجين عن تنفيذ القوانين والتعليمات التي تنظم الاعمال الادارية للدولة

10-تنظيم ندوات ورش وعمل على مستوى المحافظات في الاندية والمساجد ومراكز التعليم والنقابات والاتحادات والجمعيات حول اهمية الدولة المدنية في اشاعة العدالة الاجتماعية وتفعيل دور الاعلام في الوعي والتثقيف بالدولة المدنية.

11-عقد مؤتمرات وطنية على مستوى المحافظات لتوضيح وشرح مقومات ومرتكزات الدولة المدنية واهميتها كما اشار اليها جلالة الملك .

12- تنظيم مؤتمر وطني عام للتوافق على اجراءات وطنية عملية نحو الوصول الى الدولة المدنية الاردنية المعاصرة.

واخيراً اذا كنا نسعى الى دولة يسودها القانون، وتحترم العدالة الاجتماعية وتحقيق العدالة والمساواة، وتنبذ التميز على اساس العرق او الدين، وتضمن حقوق المواطن في عيش كريم تحت مظلة هوية وطنية جامعة .علينا ان نتوافق جميعا على السير قدما باتجاه الاصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي  نحو تحقيق الدولة المدنية الاردنية، وغير ذلك فأننا سنواصل الحوار العقيم من أجل مصالح شخصية على حساب المصلحة الوطنية العليا للوطن، فنكون بذلك نضحك على انفسنا ونكذب على وطننا لا قدر الله،انه نعم المولى ونعم النصير. 

 

*جامعة البلقاء التطبيقية

كلية الاميرة عالية الجامعية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش