الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

افتعال الحروب الدينية

د. رحيل محمد غرايبة

الثلاثاء 14 آذار / مارس 2017.
عدد المقالات: 524

من ينعم النظر، ويتبع منهج الاستقراء العلمي، يصل إلى حقيقة تصل إلى حد اليقين، أن هناك محاولات جادة وحثيثة ومستمرة لا تتوقف من أجل افتعال الحروب بين الأمم والشعوب بوجه عام، وافتعال الحروب الدينية بوجه خاص، والسعي نحو ابقائها مشتعلة، لأغراض وأهداف كثيرة وعديدة، بعضها يعود إلى أسباب تجارية واقتصادية بدرجة أولى، وبعضها إلى أسباب سياسية بدرجة ثانية، وأخرى تعود إلى أسباب ثقافية وأيدولوجية ودينية بدرجة أقل، ولكن ما يسترعي الانتباه تلك الجهود المبذولة على صعيد إظهار الجوانب الدينية وتغذيتها بقوة وإخفاء الوجوه الأخرى، ويبرز الدور الإعلامي بشكل ممنهج ومدروس من أجل تغذية التعصب الديني وتأجيجه والاستثمار فيه، من خلال الانفاق الواسع إلى حد البذخ من قبل شركات التصنيع العسكري ومصانع الأسلحة على مستوى العالم في هذا المجال.

شركات تصنيع الأسلحة وشركات النفط هي التي تحكم العالم بطريقة غير مباشرة، وتتحكم في مصائر الدول والشعوب، وتحكم قبضتها على أكبر الأحزاب السياسية التي تتنافس على إدارة الدول الكبرى التي تشرف على إدارة الحروب العالمية، فهي ترى أن عدوها الأول يكمن في إرساء السلم العالمي والاستقرار السياسي بين الدول، لأنه لو قيض لجهود السلام أن تنجح بشكل جدي، لأدى ذلك إلى إفلاس هذه المصانع وإغلاقها، ما يجعلها تحرص على تجنيد دعاة الحرب وإيصالهم إلى قمم المسؤولية السياسية، وتسعى إلى إشعال الحروب وتغذية أسبابها وصب الزيت على نارها، وتغذية مواقدها  بالحطب، ويأتي دور السياسيين الأذكياء بنقل الحروب إلى ساحات بعيدة، وإلى بلاد الفوضى والتخلف، ومن عندهم قابلية للاشتعال والاستجابة.

الذهاب إلى اشعال الحروب الدينية أو إظهار الوجه الديني للحرب القائمة أمر مقصود قطعاً، ويظهر ذلك جلياً من خلال تتبع الأحداث، فقرار منع الأذان في مساجد فلسطين يأتي في هذا السياق وقد سبق ذلك عدة قرارات سياسية مشابهة من قادة «اسرائيل» في هذا الاتجاه، مثل زيارة شارون المفتعلة للأقصى، والسلوك الممنهج لقادة الاحتلال بدفع المتدينين اليهود لتدنيس الحرم القدسي بشكل دائم ومستمر، ورفع شعار يهودية الدولة، فكل ذلك وأمثاله لا يخرج عن مسار تحويل الأنظار عن «الاحتلال « الذي يشكل أس البلاء وأصل الداء ومنبع الشرور، ولكن الدهاء السياسي لدى دهاقنة الاحتلال ومن معهم ومن يساندهم ومن يسير في ركب مخططاتهم استطاع أن يشغل العالم بالسمة الدينية للمواجهة، وما كان التطرف والإرهاب إلّا جزءاً من هذه المعركة الممتدة، وقد وجدوا ضالتهم في مجموعات جاهلة ومتعصبة ذات فهم سطحي ومتخلف للدين والسياسة معاً.

لقد نشر موقع (إسلام أون لاين) دراسة حديثة صدرت عن مراكز بحثية غربية في عام (2016) حول علاقة الدين بالإرهاب، وتركزت الدراسة حول نسبة دارسي الشريعة في التنظيمات الإرهابية، فخلصت إلى نتيجة مفادها، أن نسبة الذين وصفوا أنفسهم بأنهم أصحاب معرفة بسيطة للدين 70% وأصحاب المعرفة المتوسطة 23%، ونسبة أصحاب المعرفة المتقدمة للدين 5% فقط وهم الذين يحملون شهادات في العلوم الشرعية، و 2% غير معروف، مما يدلل بوضوح على الاستثمار في أوساط الجهلاء الذين يشكلون المادة المطلوبة للتجنيد والتعبئة.

نحن أمام معضلة حقيقية وكبيرة في توصيف معركة الوجود التي تخوضها الدول العربية، إذ إنها  تقوم في أصلها على مشكلة «الاحتلال» على وجه التحديد، ويجري توظيف الدين بشكل حاذق ومحترف في عملية التضليل الممنهج من طرف العدو المحتل وكل من يسانده من جهة، ويجري توظيف الدين بشكل جاهل ومتخلف من الطرف المقابل الذي يتعرض للظلم والعدوان ويخدم الهدف نفسه بلا وعي؛ ما يحتم علينا أن نوضح عنوان المعركة مع «الاسرائيليين» أنهم محتلون، ونحن نقاومهم لأنهم احتلوا أرضنا ومقدساتنا وطردوا شعبنا من أرضه ودياره، ولا نقاتلهم لأنهم يهود، ولا لأنهم يخالفونا في العقيدة والدين، ومن يدعي أن سبب العداء معهم لأنهم يهود فهو يحقق ما يريده المحتلون تماماً، ويسهم في إنجاح مخططهم في صرف المعركة عن جوهرها وحقيقتها، ويخالف مفهوم الدين ومقاصده الحقيقية بجهالة فاحشة.

الدين وظيفته في الحياة التبصير بالحقائق، ومساعدة الإنسان على التمسك بحقه بوعي، والسير على المنهج السوي ببصيرة، ويحض على الإعداد السليم وامتلاك أوراق القوة، من أجل مقاومة العدوان والظلم، والدفاع عن الحق والحرية، ومن أجل حفظ الأرض وصيانة العرض والذود عن الحرمات وكرامة الإنسان وآدميته.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش