الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ملاحف الغبار

رمزي الغزوي

الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2015.
عدد المقالات: 2044


يتذكر الأردنيون أيام كان اللبن لا يباع ولا يشترى، بل يعطى ويهدى للجميع، في صورة أقرب إلى المشاعية كالعشب والنار والسماء. وإنهم يلحقون العار والحيف، بمن يبيع هذه السلعة الأساسية، أو يتاجر بها.
نشأت عن هذه االنظرة الإنسانية الكبرى، ما كان يعرف بنظام (المنايح)، ومفردها منوحة، وهي عنزة أو نعجة حلوب تُمنح للذي لا يملك حلالاً أو أغناماً، بقصد أن يستفيد من حليبها ولبنها، على أن يعيدها لصاحبها نهاية الموسم. والطريف بالأمر، أن بعضاً من الفقراء كان يتجمع في حظائرهم (شليَّة) من المنايح.
وليس بعيداً عن هذا، فالبيادر المكتنزة بأحلام الخبز، كانت أعز ما في وجدان الفلاح، فهو حصيلة شقائه وزبدة عنائه وكده من حصاد ورجاد (جمع السنابل وترتيبها على البيدر)، ثم الدراسة على البهائم، وبعدها التذرية بالشواعيب مع هبّات الريح التي تحترم حبات القمح، فلا تبعدها، بينما تطرد التبن الخفيف!، حتى إذا ما تتللت أكوام القمح عالية وعامرة، سرت كهرباء السرور بفولتية ناعمة في النفوس، وشعشعت فيها قناديل الرضا.
ورغم كل التعب الذي يواجهه الفلاح في الوصول إلى هذا القمح، إلا أنه وقبل أن يشرع بكيل بيدره وتكييسه، كان يملأ صاعاً طافحاً (وحدة قياس حجم توازي 7 كلغم في الغالب). ويقول: هذا لفلان، ويسمي أحد فقراء قريته، أو معارفه أو أقاربه، ويدعى هذا الصاع بالفتاحة، أو (صاع البركة)!، لاعتقادهم أن البركة تحل عليهم، إن تصدقوا بأول محصولهم!.
سيجتهد البعض في سحب نظام المنايح على واقعنا، ويحلم لو أن صاحب الشركات منح جاره شركة صغيرة، يستفيد من بركاتها لموسم ثم يعيدها، وصاحب مصانع الحديد يمنح ابن عمه ثلاثة، أو أربعة قضبان؛ ليبني داراً تستره وعياله، وصاحب شركة الباصات منح نسبيه باصاً (يسرفس) عليه لمصروف الدار، أو أن حيتان البورصة يمنحون أقرباءهم دزينة أسهم صاعدة، تجعلهم يلحقون العشاء.
راح زمن المنايح، وراحت البيادر وصاعاتها، وجاء الحصادون الجدد بشراهتهم، وكبر بطونهم، وطارت البركة من حياتنا وأيامنا. فلم نعد نحسب حساب المعوزين بيننا؛ لأن الأنانية غلفتنا، والجشع عمانا، حتى اضطر أصحاب النفوس العفيفة إلى السؤال وذله.   
وإذا كان العالم يعيش فترة تعيسة بسبب الانحباس الحراري الذي أدى إلى جنون الارض فارتفعت حرارتها بشكل متفاقم،  وصار ايلول (أبو الغيوم الندية) ملاحف من الغبار، فإننا من جانب آخر نعاني أزمة احتباس عاطفي وشعوري خانق، وإلا كيف نفسر هذا الفحش في التعامل، والفحش في توزيع الثروات، والفحش في التسارع المادي الموغل في الأنانية وسحق المعوزين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش