الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من اسرار البيان القرآني * انّ سعيكم لشتى * د. عودة ابو عودة

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
من اسرار البيان القرآني * انّ سعيكم لشتى * د. عودة ابو عودة

 

 
ما زال أسلوب القسم في القرآن الكريم بحاجة الى دراسة لغوية دلالية تبحث في تراكيبه وصيغه ودلالاتها والعلاقة بين القسم والمقسم عليه ، وبخاصة ان اسلوب القسم وصيغه متعددة في القرآن الكريم.
مثال ذلك قوله تعالى «والعصر ہ ان الانسان لفي خسر» فما العلاقة بين المقسم به «والعصر» والمقسم عليه «ان الانسان لفي خسر» والسؤال نفسه يمكن ان يكون عن «والضحى والليل اذا سجى» وعن «والفجر وليال عشر» وعن «والليل اذا يغشى ہ والنهار اذا تجلى ہ وما خلق الذكر والانثى ہ ان سعيكم لشتى».
ان في هذه التراكيب اللغوية لاسرارا عظيمة ، ودلالات واسعة تنتظر الدارسين والباحثين ، ولقد توقفت اليوم مع هذا القسم اللافت للنظر في اول سورة الليل. القسم بالليل وبالنهار وبخلق الذكر والاثنى ان سعيكم لشتى. و«شتى» جمع شتيت مثل جريح جرحى ومريض مرضى. والشتيت هو المتباعد المتفرق ، اي ان عملكم لمختلف متفرق متباين ، تخيلت لو ان انسانا وقف في ميدان فسيح يجتمع فيه الناس كل صباح ، يأتون بالمواصلات المختلفة من اطراف المدينة ثم ينطلقون من هذا الميدان كل الى عمله ، فيسأل كل فرد منهم عن طبيعة عمله ، وعن وجهته ، وعن مدى قناعته ورضاه عما يعمل.
ترى كيف تكون الاجابات؟ لا شك انها ستكون اجابات «شتى» فتاجر يذهب الى شركته ، وطالب الى مدرسته ، وموظف الى وظيفته ، وطبيب الى عيادته ، وعامل الى مصنعه ، وسائق الى سيارته ، ووزير الى وزارته ، ومدير الى ادارته ، وحلاق ونجار وصاحب مطعم وآذن وحارس ومئات من الاشخاص والاعمال التي بها يكون المجتمع وتصنع الحياة الانسانية المستمرة صباح مساء في كل حين وفي كل مكان. ثم ان كل هؤلاء وأولئك من الذين يبعثون صباح كل يوم من سباتهم في الليل ، وينتشرون في النهار ، يسعى كل منهم الى معاشه ، ان كل هؤلاء يتصل بعهضم ببعض ، وتتقاطع اعمالهم واهتماماتهم ، فليس الناس في اي مجتمع خطوطا متوازية كل يجري في خطه المستقيم ، لا بل ان الناس يتعامل بعضهم مع بعض ، فرب قادم من شرق المدينة ليعمل في شركة تقع في غربها ، ورب سائق انطلق الى عمله ينتظره عشرات الطلاب كل ينتظر امام بيته ليذهب الى مدرسته ، ورب مؤسسة كبيرة او صغيرة ، يلتقي فيها العشرات من الناس ، كل يقوم بعمله ، وهذه الاعمال تتشابك وتتلاقى لتشكل في النهاية صناعة او انتاجا او بناء او غير ذلك مما يقوم به الناس من اعمال كل يوم.
ثم ان هؤلاء الناس لهم مشارب شتى ، ونيات عديدة ، والله عز وجل وحده ، هو الذي يعمل ما في قلوب هؤلاء الناس. فمن الناس من خرج من بيته ، وقد توكل على الله ، وسأله التوفيق في عمله ، ونوى ان يقوم بعمله خير قيام ، وان يقوم به في اطار طاعة اللّه ، وصالح المجتمع ، وان يسير فيه وفق القانون ، ووفق شروط الحق والدقة والامانة والاخلاص والاتقان والتعاون.
ومن الناس من يضمر في نفسه التصرفات والاعمال ما فيه افساد واعتداء وشرور ، تعكر صفو الحياة ، وتسيئ الى كثير من الناس ، وهؤلاء هم الذين ينشرون العداوة والبغضاء ، ويسببون المشاكل ويثيرون الفتن في المجتمع ومن الناس من يسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، ومنهم من لا يقيم للدين وزنا ، ولا للّه امرا ، ويريد ان يعيش على ما يبتزه من ارزاق الناس بالوسائل الشريرة ، والنيات الفاسدة ، ثم ان كل هؤلاء الناس مسؤول كل منهم عن عمله وعن سعيه ، فهو الذي يصنع حياته ، ويكتسب عمله ، ان خيرا فخير ، وان شرا فشر ، قال اللّه عز وجل في سورة النجم 39 - 42 «وان ليس للانسان الا ما سعى ہ وان سعيه سوف يرى ہ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ہ وان الى ربك المنتهى» والسعي في الاصطلاح القرآني هو العمل الجاد الذي يبذل فيه جهد كبير ، ويكون وفق مخطط مرسوم ، وهدف مقصود: فليس هو عمل عشوائي او عمل ضعيف ، بل هو تخطيط وتدبير وجهد وارادة ، ولذلك يجزى كل وفق سعيه ، قال تعالى «ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا» (الاسراء 19).
وقال تعالى في سورة «المائدة 33) «انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم» انه سعي اذن ، سواء اكان في الخير ام في الشر ، سعي كبير ، وهو اما سعي مشكور ، او سعي مأزور.
هذا التقابل في ألوان السعي بين الخير والشر يوافقه التقابل بين الليل والنهار ، وبين الذكر والانثى. فقد بدأت السورة بقول اللّه عز وجل «والليل اذا يغشى ہ والنهار اذا تجلى ہ وما خلق الذكر والانثى ہ ان سعيكم لشتى» فهل هذا هو الرابط بين القسم والمقسم به من ليل يغشى ونهار يتجلى وبشر يتنوع بين ذكر وانثى وبين المقسم عليه ان سعيكم لشتى. لعل ذلك يكون ، ولعله ان يكون تذكيرا بما بين آيات القرآن الكريم من ترابط بياني ، ونظم بديع معجز ، ثم ان ما تلا هذه الآيات من بقية آيات سورة الليل يدل على ذلك ، ويضرب امثلة لما يكون بين الناس من خير ، وما يكون بين الناس من شر ، وان كل امرئ في النهاية مسؤول عن عمله ، وعن قصده بأعماله ، «فأما من اعطى واتقى ہ وصدّق بالحسنى ہ فسنيسره لليسرى ہ واما من بخل واستغنى ہ وكذّب بالحسنى ہ فسنيسره للعسرى ہ وما يغني عنه ماله اذا تردى ہ ان علينا للهدى ہ وان لنا للآخرة والاولى» ، نعم ان اللّه عز وجل المآل والمصير ، وعليه جل شأنه البيان والهدى ، «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ہ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» والى اللقاء.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش