الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من اسرار البيان القرآني * أنْ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه * د. عودة ابو عودة

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
من اسرار البيان القرآني * أنْ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه * د. عودة ابو عودة

 

 
طفق صديقي العائد لتوّه من كندا ، يحدثني عن صورة الحياة البهيجة هناك ، فالرعاية التامة من الدولة للمواطنين ، وبخاصة المتقدمون في السن منهم ، وكل من تجاوز السبعين ، ولعله قال الستين ، يأخذ راتبا شهريا من الدولة ، والرعاية الصحية متوافرة لكل فرد. .والدولة توفر لكل اسرة بيتا بشروط ونظام معين ، والحدائق العامة ، والمرافق الصحية المتعددة ، كل ذلك بنظافة تامة ، ورعاية وافية ، وهكذا انفرد بي صديقي هذا ساعة من الزمن ، يتحدث بحماسة واعجاب ، وقد شجعه على ذلك اقبالي عليه وموافقتي بدهشة على كل ما يقول. وهذا في الحقيقة لسان حال كثير ممن يأتون من دول الغرب ، يتحدثون عن النظام الصارم في تنفيذ قوانين الدولة في الوقت الذي توفر فيه الدولة الرعاية التامة من عمل وتأمين اجتماعي وصحي لكل مواطن.
ترى ما الذي ينقصنا هنا ، او في اي دولة من دول العالم ، بخاصة دول العالم الثالث - كما يسمونه - ان نكون كذلك ، وأحسن من ذلك؟ اننا لو قرأنا نصوص الدستور في اي دولة ، وما يتفرع عنه من أنظمة وتعليمات لوجدنا انها تنص على حياة كريمة راقية لكل افراد المجتمع ، ترسم حياة المساواة والعدالة بين الافراد جميعا ، وتوفر الرعاية والكفاية لكل مواطن في حياة حرة كريمة مطمئنة. ولكن الصورة النظرية شيء والواقع العملي شيء آخر ، نحن بحاجة ماسة الى ان نكون امناء صادقين في تنفيذ نصوص الدستور والقوانين والانظمة المتفرعة عنه. لقد آلمني ان يتحدث الناس عن بعض وجوه الخير والنظام هنا بحماسة واعجاب كأننا هنا لا نملك هذا الخير ولا نعرف هذا النظام. ونحن في الحقيقة شركاء في هذا النظام الالهي الخالد الذي شرعه اللّه عز وجل للانسان حيثما كان في حدود الزمان والمكان. لقد ذكرني هذا الامر بقوله تعالى في الآية رقم 13 من سورة الشورى «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه اللّه يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب» وهذه الآية الكريمة توضح عدة حقائق منها :
- ان الدين عند اللّه واحد ، وان الله انزله على رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، وقد ذكرت الآية منهم سيدنا نوح وسيدنا محمد وابراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.
- ان المشكلة في عدم تطبيق دين اللّه ، فكلمة «ان اقيموا الدين» هي امر بتحقيق مبادئ الدين ، والعمل بآيات اللّه عز وجل ، وتنفيذ كل ما امر اللّه عز وجل به ، واجتناب كل ما نهى عنه. فكل امر طيب في اي مكان ، وعند اي شعب من الشعوب ، هو في الاصل مبدأ من مبادئ الدين الواحد ، نجد ان هذا الامر ، اقيم على الوجه الصحيح ، وفق ما أمر اللّه به ، في مكان ، ولدى شعب ما ، او انه اهمل في امكنة اخرى ، ولدى شعوب اخرى فساد فيها الفساد والاختلاف والتخلف وما الى ذلك من مشكلات تنشأ جراء الابتعاد عن اوامر اللّه عز وجل ونواهيه.
- وعلينا ان نلاحظ الدلالة العميقة في قوله عز وجل «ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه» فإقامة الدين عملية متكاملة كاقامة الصلاة - مثلا - فالصلاة ورد الامر بها في القرآن الكريم كله بهذا الامر ، «وأقيموا الصلاة» او «الذين يقيمون الصلاة». او «أقم الصلاة لدلوك الشمس» او «قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة...» واقامة الصلاة او اقامة الدين تكون بتحقيق كل اركانه ، وتنفيذ كل اوامره بصدق وامانة واخلاص ، او كما يقول اللّه عز وجل في الآية 29 من سورة الاعراف «واقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين» ولقوله تعالى في الآية 11 من سورة الزمر «قل اني امرت ان أعبد اللّه مخلصا له الدين». وقوله تعالى في الآية 2 من سورة الزمر «انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اللّه مخلصا له الدين» الحل اذن في الالتزام بأوامر الدين ومناهجه والاخلاص في الايمان بها وتنفيذها ان هذا الالتزام والاخلاص يحتاج الى رسم مناهج دقيقة واقامة خطط تربوية واسعة تحقق نشر مبادئ الصدق والالتزام واحترام العمل ، واحترام النظام ، والاخلاص في العمل ، ايا كان شكله ومكانه وطبيعته ، واحترام القوانين المرسومة لتنظيم الحياة.. يجب ان ينشأ الاطفال منذ ولادتهم على حب النظام والالتزام به.
ويجب ان ينشأوا في ظلال حياة مستقيمة فيها الرعاية والعناية بكل مواطن على حد سواء فيها حب الخير ، وحب الوطن ، وحب الصدق ، كل ذلك مستمد من اقامة الدين على وجهه الصحيح لان الدين انزل لتنظيم الحياة بكل صورها على أكمل وجه ، والدين هو المنهج ، وهو منهج واحد انزل على الانبياء جميعا ، وقد شبهه اللّه عز وجل بنهر عريض جاء منذ بدء الخلق حتى قيام الساعة ، وكل نبي اخذ من هذا النهر شريعة ينظم بها شؤون مجتمعه ، وآمته في زمنه ، «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» ، والشرعة والشريعة في اللغة هي سيل الماء الذي يستمد في النهر لسقاية الأرض التي يوجه إليها ، وأقول هنا بيقين ان كل تشريع ، وكل نظام يعجب الناس ، في اي دولة وفي اي مكان في العالم ، انما هو جزء من تشريعات هذا الدين الحنيف ، أخذت به بعض الدول والشعوب ، وأهملته دول وشعوب اخرى ، وان كل شعب يريد ان يحيا حياة سعيدة عليه ان يأخذ من مبادئ هذا الدين ما يقوم حياته ويبني مجتمعه على خير وجه ، وذلك يكون عند فهم الدين فهما صحيحا ، وان نأخذ منه بعلم وباخلاص ما نحقق به سعادتنا في اطار ما أنتجه العلم الحديث من وسائل متطورة في تنظيم الحياة ، من تطور وسائل العلم والمعرفة وتطور وسائل الحياة ، فليس الدين بمعارض للتقدم العلمي بل ان التقدم العلمي وتطور وسائل الحياة ، ووضع النظريات الجيدة التي تنظم حياة المجتمع على أحسن صورة ، انما هي في صميم اقامة الدين على وجهه الصحيح ، والى اللقاء.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش