الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من اسرار البيان القرآني * «ولا تُطعْ كُلَّ حلاّفْ مهين. همّاز مشّـّاءْ بنميم» * د. عودة ابو عودة

تم نشره في الجمعة 3 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
من اسرار البيان القرآني * «ولا تُطعْ كُلَّ حلاّفْ مهين. همّاز مشّـّاءْ بنميم» * د. عودة ابو عودة

 

 
هذه سورة القلم ، السورة الثانية بعد سورة الملك من الجزء التاسع والعشرين ، وقد بدأت السورة بالقسم بنون وبالقلم وما يسطرون ثم عرضت عدة صفات سامية للنبي صلى الله عليه وسلم اعلاها «وانك لعلى خلق عظيم» وثم عرضت السورة الصفات المقابلة لهذه الصفات الكريمة ، عرضت صفات المكذبين وجاء فيها قوله تعالى الآيتان «10 - 11» «ولا تطع كل حلاف مهينہ هماز مشاء بنميم» فتدبر هذا السياق القرآني العجيب ، بدأت الايات بنهي «ولا تطع» والنهي في اللغة هو طلب الكف عن فعل تقوم به أو يمكن ان تقوم به. والله عز وجل ينهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة المكذبين الذين منهم الحلاف المهين والمشاء بالنميمة والهماز بحركاته وبلسانه والساعي بين الناس بالفساد والخلاف.
وانظر الى هذه الصفات المتلاحقة: حلاّف ، مهين ، همّاز ، مشّاء بالنميمة وهذه الصفات وردت على صيغ المبالغة كما يقول علماء البلاغة ، اي الصيغة التي تدل على كثرة وقوع الانسان في هذه الصفات ، فهو لا يحلف «مرة واحدة» لامر ما ، بل هو كثير الحلف على كل صغيرة وكبيرة ، يحاول ان يخدع الناس بكثرة حلفه ، او يحاول ان ينفق تجارته بالحلف الكاذب. وهو يكذب على الناس بكثرة ما يحلف على امور ليست صادقة ، وليست صحيحة.
ولو علمت معنى كلمة «حلف» في القرآن الكريم والفرق بينها وبين كلمة (أقسم) لرأيت كيف يعبر هذا القرآن الكريم العظيم عن المعنى الكبير بكلمة واحدة. وهذا هو الايجاز المذهل والتركيب المعجز «حلف» في القرآن الكريم لم ترد الا في معرض الكذب ، والحالف هو الكاذب ، وعكسها كلمة «اقسم» فلم ترد في القرآن الا بالصدق ، والمقسم هو الصادق ، ومعظم القسم في القرآن الكريم كان لله عز وجل ، تأمل الان في الايات التالية ، واترك لك التعليق على دلالاتها: قال تعالى في الاية 107 من سورة التوبة «.. وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون» وقال تعالى في الاية 42 من السورة نفسها «.. وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم والله يعلم انهم لكاذبون».
وقد ورد الحلف كذبا في خمسة ، واضع اخرى من هذه السورة نفسها ، سورة التوبة ، ولا غرو في ذلك فهي تتحدث عن المنافقين ، وهي من اخر ما نزل من القرآن الكريم ، عندما تحددت صورة المجتمع ، اما مسلم واما كافر واما منافق يُظهر الايمان ويُبطن الكفر ، وما اكثر هؤلاء في كل زمان ، وفي زماننا هذا تراهم في كل مكان ، يحلفون بالله على الكذب ، كما تقول الاية 14 من سورة المجادلة «ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون».
وفي السورة نفسها الاية 18 يقول تعالى «يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون انهم على شيء الا انهم هم الكاذبون».
فهل هذه - بعد كل هذا - ملامح صورة الانسان الكاذب المنافق الذي لا يكاد يقول كلمة واحدة الا يسبقها حلف كبير ، ويتبعها حلف عظيم كذلك. وهذا دليل اكيد على كذبه ونفاقه. ولذلك وصفه الله عز وجل بانه «حلاف مهين» والمهين هو: الضعيف القلب «القرطبي 18ج 231ص» ولعمري هو كذلك ، كثير الحلف ضعيف القلب يستتر وراء حلفه الكاذب من ضعف شخصيته وضعف حجته.
اما صفة «الهمّاز» فقد تحدثت عنها في مقالة سابق ، وهي صفة بعض هؤلاء الناس الذي يسعون بين الناس بالتعليقات الساخرة ، ويستهزئون بالناس بكلامهم السام وحركات عيونهم ، واشارات ايديهم ، بقصد الاستخفاف بهم والتقليل من شأنهم ، وهذا كله بدافع الحسد. وهذا كشف إلهي لحقيقة قلوبهم ، فهم لا يستطيعون النجاح والتفوق كبعض الناس ، ولذلك هم يقللون من هذا النجاح ويستخفون به ، وهذا وجه من وجوه النفاق والغيبة الممقوتة والافساد بين الناس ، واشاعة البغضاء ، والعداوة بين الافراد ، وربما بين الاسر ، ووراء كل ذلك الحسد الذي يكاد يأكل قلوبهم ، ويملؤها غيظا وقهرا.
اما المشاء بالنميم ، فهي ايضا صيغة مبالغة وهي صورة راسخة لبعض هؤلاء الناس تصور فئة من الناس تروح وتجيء تصبح وتمسي ، وتمر بها الايام ، يوما بعد يوم ، ولا هم لهم سوى السعي بين الناس بالنميمة. وهذا مرض فتاك يشتت المجتمع ، ويصدّع بنيانه لأن ، النميمة هي الحرب الباردة بين الناس ، تثير الحقد ، والغيظ ، والحرب لان كل انسان يظن ان الاخرين يقفون له بالمرصاد ، ومن كلام المغتاب اللئيم الذي يشعل الحرب ويجلس هناك كالشيطان يفرح بما يجري بين الناس من حروب وخصام وعداوات ، ولهذا الاثر الكبير الذي يحدثه النمام بين الناس ، حرّم الله عليه الجنة ، والحمد لله ، فقد ورد في صحيح مسلم عن حذيفة انه بلغه ان رجلا ينم الحديث ، فقال حذيفة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يدخل الجنة نمام» ويقول الشاعر في وصف من يتبرع بالنميمة لسيده ومولاه ، وهذا من اسخف الناس ، وهو الذي يبيع دينه بدنيا غيره ، يقول الشاعر :
ومولى كبيت النمل لا خير عنده
لمـــولاه الا سعيــه بنميــم
واني لارى كثيرا من هؤلاء في تجمعات الناس في افراحهم وفي اتراحهم وفي تجمعاتهم المختلفة ، تراهم في الحافلات ، وفي الاسواق ، وفي المتاجر وفي الجامعات وفي المدارس وفي الشوارع كلها ولعمري ان علاج هذه الظاهرة سهل لو اردنا الخير للناس ولانفسنا ، علينا ان نقول لمن يكثر الحلف انه لا داعي لذلك ، نحن نصدقك دون حلف ، وعليك ان تعتاد ان تقول: صدقني ، فقط ، دون حلف بالله ، ولمن يكثر النميمة ينبغي الا نشجعه على ذلك يجب الا نستمع اليه ، ولا نفتح له آذاننا ونشعره بأن كلامه لا يهمنا ، وبأن اسرار الناس حصن حصين لا يجوز اقتحامه ، وانه يمكن ان يقال فيه كما يقول هو في الناس.
ان الله عز وجل وصف الداء ووضع لنا الدواء فقال تعالى في صورة الحجرات «11» «يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش