الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ألاقي زيّك فين يا علي»: النزول بالأحداث الجسام لحيّز اليومي المعيش

تم نشره في الاثنين 14 أيلول / سبتمبر 2015. 03:00 مـساءً

رشا عبدالله سلامة
حين قدّمت رائدة طه كتاباً معنوناً بـ»علي»، وثقت فيه لمسيرة والدها النضالية والعائلية، لم تكن في حينها قادرة بعد على الخروج من القالب الصارم الذي يتم التعاطي من خلاله مع حكايات الشهداء وسيرتهم، بيد أنها اختارت الخروج عن النمط السائد حين قدّمت مسرحية «ألاقي زيّك فين يا علي؟»، التي عُرضت مساء أول من أمس على خشبة مسرح البلد، ضمن فعاليات مهرجان «حكايا».
اختارت طه أن تستهلّ «المونودراما» التي قدّمتها خلال تسعين دقيقة، من إخراج اللبنانية لينا أبيض، بالحدث الذي شكّل الصدمة الأكبر لدى المتلقي، حين تناولت محاولة إحدى الشخصيات البارزة في قيادة الثورة الفلسطينية الاعتداء عليها، في غرفة فندق تواجدت فيها أثناء مرافقة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كسكرتيرة إعلامية، وهي الحادثة التي تنسحب على نسوة كثيرات، ما يجعل القضية النسوية على رأس القضايا العالقة، بل موازية في قدسيتها لقضايا التحرّر الوطني.

لم تقلّ بطولات نسوة رائدة عن بطولة والدها الشهيد علي طه، المتزعّم حادثة اختطاف طائرة سابينا البلجيكية مع عبد العزيز الأطرش وتيريز هلسة وريما طنّوس في العام 1972؛ إذ تحدثت عن والدتها فتحية، التي حملت لقب «زوجة شهيد» وهي لمّا تزال في السابعة والعشرين من عمرها، وبحصيلة زواج لم يستمر سوى بضعة أعوام وكانت ثمرته أربع طفلات أكبرهنّ في الثامنة وأصغرهن ثمانية أشهر، ومن ثم عمّتها سهيلة، التي تمكّنت من تخليص جثة والدها العالقة في ثلاجة الموتى لدى كيان الاحتلال لما يزيد على العامين. حتى الشخصيات الهامشية التي تناولتها طه بكثير من السخرية كبعض نسوة الشهداء وبناتهم، كنّ يخضن بطولاتهن في التحايل على الألم، بطريقتهن الخاصة.
نزلت طه بالأسطورة والأحداث الجسام للمستوى اليومي ليس على صعيد الشهيد فحسب، مستعرضة أحاديث والدتها عنه وأبوّته الاستثنائية، بل من خلال مراجعة الشخصيات التي تحيطها هالة قداسة مثل عرفات ومحمد الجعبري، وإن كانت مراجعة الرموز ذات نبرة أخفّ بكثير من نبرة مراجعة النماذج الرجالية المتخاذلة اجتماعياً، أو تلك التي ترى في زوجة الشهيد وبناته فرائساً سهلة المنال.
ثمة مشهد كشف عمق الهوة بين فلسطين التي يعيشها اللاجئ في المنفى، وفلسطين التي يعيشها المرابط هناك. كان ذلك حين ناضلت العمة سهيلة لأخذ الجثة، ومن ثم الصلاة عليها ودفنها في الخليل، فيما الطفلات الأربع ووالدتهن المكلومة غائبات عن المشهد تماماً، بل تأتي الطفلة بعد أن يمضي بها العمر أعواماً لتسأل العمّة عن تفاصيل الأمر الذي لا تعرف عنه معلومات تخوّلها الإجابة على سؤال: كيف تأكدتِ أن والدك استشهد؟
بدت رائدة واثقة في أدائها، حتى حين اعترى العرض بعض الدقائق التي ظهر فيها خلل تقني طفيف، كما كانت درجة تفاعلها مع الجمهور، الذي احتشد لمشاهدة عرضها، عالية، ما جعله يبادلها تفاعلاً أكبر، لا سيما في تلك المقاطع التي استعرضت خلالها مرحلة طفولتها والأزمة التي خلّفها غياب والدها لديها ولدى شقيقاتها، ما جعل العرض أقرب للفضفضة التي أفلحت في ترتيبها واختزال نصوصها ذات اللهجات المتنوعة.
تتجاوز مسرحية رائدة علي طه، التي عُرضت في بلاد عدة كاليونان وتونس ولبنان التي احتضنت الانطلاقة عبر خشبة مسرح بابل، حدود الحكاية المصرّح بها؛ ذلك أنها تترك للرموز والمعاني المبطنة مساحة أوسع من تلك التي تفردها للبوح مهما ظَهَر كثيفاً في عملها المسرحي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش