الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أحلام التنمية وأوهام التحضر..!!

حسين الرواشدة

الاثنين 14 أيلول / سبتمبر 2015.
عدد المقالات: 2559

 هل التنمية التي نسعى لتحقيقها، او قطعنا بعض الاشواط منذ تدشينها، حقيقة ام حلم (وهم: ادق) وهل نجحت الحكومات المتعاقبة في (بنائها) واقامة ما يلزمها من اساسات ومداميك، ام ان المسألة لم تتجاوز (الصناعة) المقلدة - النموذج التايواني مثلا - بعيدا عن مشاركة المجتمع وفي معزل عن وعيه وضروراته، ورغائبه وقيمه وخصوصياته؟
 لدي بعض المشاهد التي قد تعفينا من حسم الاجابة في لا او نعم، خذ مثلا  قضية (التطوير التربوي والتعليمي) التي لم نتوقف عن الكلام فيها منذ ما يقارب الثلاثين عاما، ولم نتردد في تجريب كل النماذج التي وصلت الى اسماعنا حتى لو كانت في اخر الدنيا، ولم نبخل على (مدارسنا) في سياقها من استيراد مئات الالاف من اجهزة الكمبيوتر والانترنت والمناهج المنسوخة والمقلدة، ومن تدشين نظم جديدة تمنح المعلمين رتبا وحوافز مشروطة بالحصول على (الرخصة الدولية) في (قيادة) الحاسوب والتفقه في برامجه، ومن يد ادارية تحسب على المعلم انفاسه، وتمنعه من المشاركة في (دفن) اقرب الناس اليه الا على حسابه.. وغيرها وغيرها مما نعرفه ومما لا نعرفه، فيما الحقيقة ان مستوى طلابنا ما زال كما هو، ان لم نقل في انحدار مستمر، وان (رضى) معلمينا ونشاطهم ورغبتهم في التعليم واقبالهم على الوظيفة في تراجع مذهل، وان واقع (مدارسنا) من حيث البنى التحتية والظروف الصحية والتعليمية والازدحام في الصفوف لا يخفى على احد.. اما حصيلة (التطوير) فتدل عليه مخرجات التعليم سنة بعد اخرى.. كما تدل عليه مغامرات التجريب التي لم تستقر على حال.. ولا تسأل - هنا - عن وعي الطلبة ومعرفتهم بقضاياهم المحلية، ولا عن (النفسية) المكسورة التي يشكو منها المعلمون الذين تم تغييبهم عن خطط التطوير، مع انهم اهم عناصره واركانه.
 خذ - ايضا - مسألة النظافة في مدننا، وهي ظاهرة دأبنا على الاعتزاز بها، مثلما لفتت انتباه الزائرين، وتصور معي أن آلاف العمال - وأغلبيتهم عمالة غير وطنية استقالوا من بلدياتنا ومجالس مدننا وقرانا، أو أنهم توقفوا عن العمل يوماً واحداً، أو توقفت احدى “دورياتهم” التي تستمر في الدوام أربعا وعشرين ساعة.. عندها كيف تكون أحوال شوارعنا وكيف تصبح صورة المدن النظيفة التي تجوبها يومياً مئات السيارات الحاملة “للنفايات” ، والشاهد - هنا - ان النظافة في مدننا مجرد “صناعة” مدفوعة التكاليف، وتتحقق على يد عمالة تقدر بالآلاف، وليست نابعة من داخل المجتمع الذي نعرف سلوكياته في هذا المجال جيداً، ونعرف شكوى عمال النظافة من تجاوزاته.. وإذا كنا لا ندعو هنا الى الاستغناء عن العمالة هذه، او التقليل من أهمية الصورة الجميلة لمدننا، ولا من أهمية النظافة، فإننا نتساءل فقط عما لو فكرنا بالاستثمار بقيمة النظافة من خلال العمل على توعية المواطن والمجتمع، وحثه على الالتزام والنظافة، وتوعيته بأهميتهما، ولو انفقنا على ذلك ثلث ما نخصصه للعمالة.. لوجدنا بعد سنوات - قد تطول - ان هذا الذي نعتز به مصدره نحن، وأن ذات مجتمعنا هي التي انتجت التقدم وليس طارئاً عليها او مجرد “تجميل” لصورتها او ارضاء “لوهم”  التحضر الذي تنشده وتباهي به الآخرين.
ولأن المسألة تتسع لعشرات النماذج والأمثلة، فإنني سأشير الى بعض العناوين التي تتسابق في هذا السياق، تاركاً للقارئ افراغ ما فيها من تفاصيل، منها مظاهر العمران التي نشاهدها في مدننا، ونتخيل أنها تعكس مضامين الثراء المشروع، والتنمية المتحققة، والرفاه المتأصل، مع أنها ليست كذلك، ومنها شوارعنا المكتظة بأندية الانترنت ومقاهيه، ومراكز الكمبيوتر وألعابه  واللواقط المنتشرة فوق كل بيت، رغم انها لا تعبر إلاّ عن مزيد من ثقافة التسلية واللهو وتزجية الوقت وتعميم الانحراف.. الخ، ومنها هذه الشوارع المزدحمة بالسيارات وتلك المعارض التي اتصلت مع بعضها، بما تحتويه من ملايين الدنانير الواقفة على الأرصفة (اعتقد ان قيمة مستورداتنا في السنة من السيارات تتجاوز  مليار دينار)، وهي صورة تبعث للوهلة الاولى - على الاعتقاد بالمستوى المعيشي الرفيع الذي يعيشه المواطن، وحجم التنمية العائد عليه، والرفاه الذي يظلله.. فيما الحقيقة غير ذلك أبداً.. وبمقدورك - أيضاً - ان تضيف لذلك حديثنا المتكرر عن الحكومة الالكترونية، والتكنولوجيا المتقدمة وأجهزة الاتصال والمعلومات المركونة على “مكتب” كل موظف، فيما لازلنا نستذكر ما آلت اليه دعوات “التطوير الاداري” - إن شئت - “الثورة الادارية” ، كما لا زلنانعاني من واقع “البيروقراطية” الادارية والبشرية في كل دائرة من دوائرنا الحكومية..
 ولعل السؤال - ذات السؤال - ما زال قائماً: هل تعبر تلك الصورة التي نضعها في “اطار” التقدم او التنمية او سواهما، وعلى كافة الأصعدة السياسية والادارية والاجتماعية والاقتصادية، عن حقيقة ام مجرد “آمال” - إن لم نقل أحلاما وأوهاما- ؟ دعونا - مرّة أخرى نتجاوز عن الاجابة، ونتساءل على الطرف الآخر؛ ما هو النصيب الذي تحظى به مجالات البحث العلمي ومؤسسات في بلادنا.. وإذا لم يكن هذا النصيب مادياً (وهو لا يكاد يذكر نسبة الى ما ننفقه على مجالات أخرى أقل أهمية) فماذا عن الدعم المعنوي.. وماذا عن دور جامعاتنا وأساتذتها، وماذا عن مناهج الاعتماد على الذات وحجم الانتاج الوطني الحقيقي.. وموارد الموازنة ونفقاتها، وماذا عن الصناعة الوطنية، وماذا عن دور المجتمع في دفع التنمية واحداث التقدم الذي ننشده.. وماذا - باختصار عن اجندتنا الوطنية والمحلية.. واولوياتنا وملامح تصورنا للمستقبل.. والاساسات المبنية للعبور نحو التنمية والتقدم وتفعيل مضامينهما لا مجرد صورهما اللامعة؟
 انني اتمنى على القارىء العزيز، مسؤولا كان او من البسطاء مثلي - ان يتأمل في ثلاثة استفهامات وان يحاول التفكير فيها بنزاهة وحياد: اولها “الاجندة” التي نضعها لتسويغ التنمية والتقدم، فيما اذا كانت نابعة من المجتمع ومعبرة عنه، ومولوده في “تربته” أم أنها ما تزال بعيدة عنه وعن مفاهيمه وقيمه وطموحاته وطروحاته وافكاره. وثانيها خطاب التنمية والتقدم الذي نرفعه ونبشر به، هل هو مقنع ومؤثر وقادر على حشد الناس خلفه، أم أنه ما زال ملتبسا وقائما على الترويج “للهياكل”  فقط. وثالثها: العقول والادمغة التي تتقدم لصياغة مناهج التنمية واتجاهات التقدم: هل هي  من الكفاءات المعتبرة وعلى اتصال مع جمهورها، ووعي بمطالبه وخصوصياته واحتياجاته، أم أنها لا تزال تضع قوالبها بمعزل عنه.. وتقدم له حلولها بعيدا عن استشارته ، وتحاول “انزال” مدهوشاتها بالآخر عليه دون استئذان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش