الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قــيــام الليل

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
قــيــام الليل

 

د.احمد الشحروري

«وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً» ، «آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون» «الذاريات» هذا هو شأن الربانيين، هذا هو حال عباد الله الصالحين، أيها الأخوة الأحبة نشتاق لرمضان كلما تذكرنا قيامه، نشتاق لرمضان لأن فيه التراويح، التراويح المشتقة من الراحة، لأن المسلمين كانوا يستريحون بين ركعاتها، وهي تريح القلب والنفس، وتريح الروح والجسد.

الصلاة في الليل وفي النهار رياضة، ألا تعلم أن حركة العظام في الركوع والسجود والقيام والجلوس هي رياضة لهذه العضلات، مرة سُئل أحد الصالحين المعاصرين وقد بلغ الثمانين وأترابه وأبناء جيله قد احدودبت ظهورهم وهو مايزال ذا قامة ممشوقة سوية، فامتنع عن الجواب حتى ألحوا عليه، فقال: هذا هو عمل قيام الليل.

كثرة قيام الليل جعلت ظهره مستقيما وأنجت فقراته من التقويس، هذه فائدة دنيوية، أما التراويح فإنها معراج المسلم إلى ربه في كل ليلة في رمضان، وهي بداية تدريبنا على القيام في غير رمضان، نحن نعلم جميعا أننا نستغل موسم رمضان نصوم نهاره ونقوم ليله ونتسابق على المساجد التي فيها العلماء أو الذين لهم صوت حسن، وكل هذا شيء طيب.

صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحابة أول ليلة من رمضان ثم انتظروه في الليلة الثانية فلم يخرج عليهم، وانتظروه في الليلة الثالثة فلم يخرج عليهم، فلما سألوه أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه يخشى أن تُفرض عليهم، فكانت صلاة التراويح أو قيام الليل في رمضان تؤدى فرادى في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم .. حتى إذا كان زمان عمر رضي الله عنه جمع الناس على إمام واحد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومضت سنة حميدة مباركة إلى يومنا هذا بفضل الله عز وجل ..

صلاة التراويح ترتقي بأرواحنا، و الأصل في قيام الليل أنه سنة ، وأنه لا يُفرض على أحد فينا، ولذلك يقوم الواحد منا بهذه السنة على قدر استطاعته ، فإذا كان هناك مسجد يطيل فيه الإمام أستطيع أن أتخير مسجدا آخر يقصر فيه الإمام وأقدر على مجاراته في الطاعة . ويسع الإمام أن يطيل في هذه السنة ويكون خلفه من المصلين من يقوون على ذلك، ومن يختارون هذا الإمام ويرتضون الصلاة خلفه، وأنت أيضا لك أن تصلي واقفا، فإذا عجزت فتصلي جالسا على الأرض أو على كرسي في المسجد، فلا نضيق واسعا، المهم أن رمضان يعودنا على قيام الليل لأن قيام الليل شفاء للرواح ومعراج لها في ملكوت الله عز وجل، نخاطب رب العزة والجلال ، وننآى بأنفسنا في سبيل ذلك عن الاختلاف المؤدي للفتن في بيوت الله احتجاجاً على إطالة أو تقصير في الصلاة ، فإنما هي تطوع لا يدخلها النهي عن الإطالة لأن ذلك يكون في الفريضة التي لا يحسن بالمرء أن يصليها منفرداً ، والالتزام بالإمام إن كان ممن يطيلون يولد الحرج وهذا غير متوافر في السنة أو النافلة التي يمكن أن يؤديها المؤتم على الوجه الذي يستطيع .

قيام الليل بينه وبين التهجد فرق، قالوا قيام الليل هو أداؤك الصلاة النافلة قبل أن تنام، أما التهجد فهو قيامك من النوم وصلاتك في جوف الليل بعد أن تستيقظ، فأيهما أكثر أجرا؟ لاشك أن الذي ينام ثم يجاهد نفسه ليستيقظ أكثر أجرا من الذي يصلي قبل النوم، وفي كل خير، والناس يتفاوتون في الهمة ويتفاوتون في الاستطاعة، ويتفاوتون في مجاهدة النفس، فهذا يصلي قبل أن ينام وهذا ينام ثم يستيقظ للصلاة ، ولكل أجره على قدر مشقته .

قيام الليل في رمضان يتم صيام النهار، فما اجترحته في النهار من تقصير أو إثم، أو مد بصر إلى ما لا يحل، أو استخدام لسان فيما يحرم، نسأل الله عز وجل أن يجبره قيام الليل لأنك ستقف بين يدي الله والجو صاف والروح مستعلنة مرتفعة في ملكوت الله عز وجل فتقول يا رب اغفر لي تقصيري، يا رب ارحمني، يا رب أنا عبدك، والأدلة متضافرة أن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه، رباه ما أعظمك، ما ارحمك، ما أكرمك.

وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركون هذه المعاني، كانوا رهبانا في الليل، وكانوا جنودا لله ولرسوله في النهار، كان أبو بكر يقوم الليل حتى إذا طلع الفجر كان فارسا مغوارا، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون كيف يستغلون كل لحظة من لحظات ليلهم ونهارهم قياما وعبادة وتبتلا، فبهداهم اقتده، بهم ينبغي أن نحمل أنفسنا على هذه الطاعة..

الصلاة في الليل روحانية، رقة في القلب، شعور بلذة، لذة هذه العبادة التي لا يراك فيها إلا الله، ولا يستمع إلى نجواك إلا الله، ولا يرى دمعة الخشية إلا الله، ولا يعلم بصدقك إذ تصدق إلا الله، هذا هو قيام الليل، أيها الأخوة الأحبة بُعْد عن عيون الناس وأمان من الرياء وتفكّر بالقرآن، نحن إذ نقوم الليل بماذا نقوم؟ نسبّح ونتلو كتاب الله ، وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ البقرة وآل عمران والنساء هذه السور الطوال في قيام الليل، فلا ننكرن على من يقيم الليل إطالته لأن هذا هو فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم .

قيام الليل تحقيق كمال التوحيد، فالاتصال المباشر بالله عز وجل دون سواه والناس غافلون هو توحيد حقيقي لله رب العالمين، هو إيمان بالله الكامل الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، فأنت تعلم أنه يستمع إليك حين لا يستمع الناس، أنه يراك حين لا يراك الناس، أنه يعلم طلبتك وحاجتك حين لا يعلم الناس.

قيام الليل شفاء للصدور، قيام الليل علاج للاضطرابات النفسية، فأنت في حمأة النهار وازدحام أعماله تعاني ما تعاني من الاضطرابات حتى إذا جن الليل وقفت بين يدي ربك فهدأت نفسك وارتقت إلى بارئها وأحست بالخشوع والخشية فلا والله لا يعمل مئة كبسول من الدواء البشري عمل ركعتين في جوف الليل تخاطب الله وتناجيه وتقول يا رب أنا عبدك فلا تردني خائبا، يا رب ظلمني الناس وأنت رب الناس ، يا رب منعني الناس وفي يدك خزائن السماوات والأرض، يا رب قهرني الناس وأنت المنتصر للمظلوم، يا رب أنا المحتاج إلى عفوك وعطائك ورضاك ونولك، وهكذا .. يشكل قيام الليل في رمضان مدرسة للصبر لأنك تصبر نفسك على الطاعة، مدرسة لمقاومة وساوس الشيطان لأن الشيطان يخنس في هدأة الليل حتى إن عمل فإن سلاحك في مواجهته يكون أقوى من سلاحك في مواجهته في النهار ..

إن كثرة الركوع والسجود والقيام في الليل صحة كما قلت للجسد وصحة للروح واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فرض عليه ربه قيام الليل ، ومن رحمته تبارك وتعالى أنه جعله في حقنا سنة متبعة مفضلة إلى يوم الدين ..

ما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يصلي ثماني ركعات يختمها بثلاث وترا ، لكن لا يوجد دليل يمنع أحدا منا أن يصلي عشرا أو عشرين أو ثلاثين أو ما شاء الله له أن يقوم، لأن هذه مطلق نافلة نقول هذا في سائر العام كما نقوله في قيام رمضان، ولا نريد أن نشعل الجدال في مساجدنا في رمضان، ما الأصح؟ أن نصلي ثماني ركعات أو نصلي عشرين؟ صلى رسول الله ثماني ركعات، وصلى عمر بن الخطاب عشرين ركعة، وصلى عمر بن عبد العزيز أكثر من ذلك ، ورسولكم صلى الله عليه وسلم يقول لكم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» .

نسأل الله القبول لنا ولكم ونسأله سبحانه أن يجعلنا من رهبان الليل وفرسان النهار، والحمدلله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التاريخ : 12-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش