الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنقول: تأخير ما حقه التقديم, وتقديم ما حقه التأخير

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
أنقول: تأخير ما حقه التقديم, وتقديم ما حقه التأخير * د. عودةالله منيع القيسي

 

1- (ويتمثل في تأخير ما حقه التقديم, وتقديم ما حقه التأخير, زيادة في العناية بتركيب السياق, وتناسق الألفاظ وترتيب الفواصل, كما في قوله تعالى: ((فأوجس في نفسه خيفة موسى)) «طه: 67» فتأخر الفاعل وحقه التقديم, وعليه يُحمل تقديم هارون على موسى في قوله تعالى: ((فأُلقِيَ السحرة سجداً قالوا آمنا بربّ هارون وموسى)) «طه:70» فإن هارون وزير لموسى, وأهمية موسى سابقة له, وقدّم هارون عليه رعاية لفواصل آيات السورة, إذ انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها , والله العالم) «ص 154 الصغير».

أقول:

أوّلاً : أظنّ أنه لا يناسب أن يقال: تأخيرُ ما حقُّهُ التقديمُ, وتقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ. لأن القرآن الكريم لا يتجاوز الحقّ وإنما يعمل به . وإذن.. الأقرب إلى الصواب أن يقال: تأخيرُ ما موقعه النحويّ البسيط – التقديمُ, وتقديمُ ما موقعه النحو البسيط – التأخير( ).

ثانياً: رعاية الفاصلة أمرٌ – طبيعيّ – في القرآن, ولكن لا بُدّ من مراعاة المعنى إلى جانب الفاصلة. في الآية السابقة لم يرد اسم موسى – عليه السلام – بل ورد ضميره, «قال: بل ألقُوا...» – فكان مناسباً أن يَردَ اسمُهُ في الآية التالية. ولكن ما سبب تأخير اسمه إلى موقع الفاصلة إلى جانب سبب التناسب مع الآيات الأخرى؟ - السببُ – كما أرى هو أنه, لو قيل: (فأوجس موسى في نفسه خيفة ) – لترهّلَتْ موسيقى الآية, من ناحية, ولعُرف اسم مَنْ أوجس الخيفة – بدءاً – وهذا يقلل من تأثير وقع الاسم, أيْ بمعرفته – بدءاً – ولكن عندما يتأخر الفاعل حتى الأخير.. يجعل القارئين أو السامعين يتساءلون بتطلع.

2- « وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى( ), وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقاً عجيباً يُلائم نوع الصوت والوجه الذي يُساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب, وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم, وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها, أو بالمدّ, وهو كذلك طبيعي في القرآن , فإن لم تنتهِ بواحدة من هذه, كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى, كان ذلك متابعةً لصوتِ الجملة وتقطيع كلماتها, ومناسبةً للون المنطق بما هو أشبه وألْيَقُ بموضعه, وعلى أن ذلك لا يكون أكثر ما أنتَ واجده إلا في الجمل القصار, ولا يكون إلا بحرف قوي يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو ضروب أخرى من النظم الموسيقي» «ص178 الرافعي».

3- قال تعالى: « القارعة ما القارعة* وما أدراك ما القارعة* يوم يكون الناسُ كالفراش المبثوث* وتكون الجبال كالعهن المنفوش* فأمّا من ثَقُلت موازينه فهو في عيشة راضية* وأمّا من خفّت موازينه فأمّه هاوية * وما أدراك ماهيه * نار حامية» – (القارعة -1) .

أقول:

القارعة التي كُرّرت ثلاث مرات , والقارعة هي يوم القيامة الذي يقرع الكفار قرعاً متكرراً. والناسُ, يوم القيامة, يظهرون , لكثرتهم, وَهَرْوَلتهم, وخروجهم من الأجداث سراعاً, كأنهم الفراش المبثوث, والجبال.. على أنها رواسٍ في الأرض قبل يوم القيامة تعود كالعهن (=الصوف) المنفوش, والنفش يجعله أشدّ رخاوة , وأكثر انتشاراً.

ومن خفّت موازينه هي : هاوية وهي النار الحامية. هنا المشهد المرعب يتسق معه أن تأتيَ – هاء – السكت, في آخر – ما هي – (= ماهِيَهْ) وهي عبارة استفهاميّة . وهاء السكت تأتي في حالة – الإحباط – الشديد = الإحباط المحزن, أو المؤلم, أو المخيف. مثال ذلك المرأة ُ العربيةُ المكلومةُ بِعِرضِها, إذْ رَفَعَ عِلجٌ روميٌّ ثيابها عن وسطها ! فأمام هذا القهر المكلوم نادت المعتصم, خليفة المسلمين, فلم تقل: يا معتصم, وإنما قالت: (وامعتصماهْ) مادّةً الصوت, بعد الميم, مدّاً طويلاً , ثم انقطع صوتها في آخر هذا المدّ, فكانت – هاءُ السكتِ.

فسبحان الله العظيم, إذْ يقول:

4- «يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية* فأمّا مَنْ أُوتيَ كتابَهُ بيمينِهِ, فيقول: هاؤُمُ اقرأوا كتابيهْ* إني ظننتُ أني ملاقٍ حسابِيَهْ* فهو في عيشةٍ راضيةٍ * في جنّةٍ عاليْةٍ (....)- وأمّا من أوتِيَ كتابَهُ بشمالِهِ, فيقول: يا ليتني لم أُوتَ كتابِيَهْ* ولم أدْرِ ما حسابِيَهْ* يل ليتها كانت القاضية» – (الحاقة – 18-27).

فأنت ترى أن الآياتِ المختومةَ – بالتاء – المربوطة, عند الوقف يوقف عليها – هاءاً – وهي هنا: ( خافية , راضية , عالية, دانية , الخالية, القاضية. فتجاوباً معها – موسيقيّاً, ودلاليّاً – جاءت الكلمات التي تنتهي, في اللغة , بياء , مختومةً- بهاء – وهي: (كتابِيَهْ. حسابِيَهْ – كتابِيَةْ, حسابِيَهْ). والدلالة النفسيّة التي يعاني منها الكافر, من خوفٍ وترقُّبٍ وفزعٍ. فكما رأينا المَدَّ – بالألف – في آيات الحالة النفسية التي كان يعاني منها الكافر, في سورة «القارعة» جاءت هنا كذلك بالمَدّ.

خلاصة:

من صفات الآيات في القرآن:

‌أ. خَتْمُها – في الغالب- بحروف المد واللين وإلحاق النون والميم بها, وحكمته التمكن من التطريب( ), قال سيبويه: «إنهم – أي العرب – إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون يريدون مد الصوت. ويتركون ذلك إذا لم يترنموا (الكتاب 2/298)»

‌ب. أن الحروف التي تقع بها الفواصل إما متماثلة أو متقاربة( ), ولا تخرج عنهما كما قال فخر الدين الرازي, وبهذا استكملت أداة الغناء( ), وتمّ لها حسن التناسق وجمال الإيقاع(ص 225)

‌ج. « أنها تتقدم عليها ألفاظ تُمهّد لها, وتُعظم من وقعها في السمع, وتلك الألفاظ سماها المتقدّمون ردّ الأعجاز على الصدور, وسماها المتأخرون التصدير.

‌د. أن تتكرر في بعض المواضع فاصلة بعينها كما في سور: الرحمن, والقمر, والمرسلات, لكن هذا التكرار ليس مختصاً بهذه الوظيفة الصوتية بل لها وللوظيفة المعنوية». (ص226, خصائص التعبير القرآني, عبد العظيم المطعني).

التاريخ : 19-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش