الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«آذر نفيسي» تحفر في ذاكرة السكوت

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 03:00 مـساءً

 ربيع محمود ربيع

تروي الكاتبة الإيرانية آذر نفيسي في كتابها الموسوم بـ «أشياء كنتُ ساكتة عنها» الصادر مؤخراً عن منشورات الجمل 2014م (ترجمة علي عبد الأمير صالح) سيرة عائلتها التي كانت شاهدة على التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها إيران قبل الثورة وبعدها. وإذا كان النظام الديني في إيران يصر على تحجيم المرأة وتقليص دورها، فإن الكاتبة تقصدت حصر ذكرياتها بين ولادة امرأتين: بين ولادة جدتها في بداية القرن العشرين و ولادة ابنتها في نهايته. لتعيد إلى الحياة إيران أخرى لم تعد موجودة الآن، وذلك من خلال تناولها الأشياء الصغيرة التي تتقاطع مع الأحداث الهامة والفاصلة في تاريخ إيران  (ساعة القهوة، شجاراتها مع الوالدة، غراميات الأب، قصص الأم، دراستها في بريطانيا وأمريكا، زواجها الأول والثاني، أولادها)  لتعيد  للإيرانيين شيئا من الروح التي فقدوها.   

وتحتل الأم في ذكريات نفيسي مساحة غير يسيرة؛ مما يدل على مدى تأثيرها على الكاتبة. وتظهر الأم متسلطة تريد من جميع أفراد العائلة أن يخضعوا لها، ويؤمنوا بحكاياتها. وتتعرض نفيسي لأدق التفاصيل في سلوك الأم الراغب في التدخل في كل كبيرة وصغيرة؛ إذ تروي الكاتبة أنها، في طفولتها، دخلت في صراع مع والدتها من أجل التمتع بحرية وضع السرير بجانب النافذة، في  حين كانت الأم تصر  على وضعه بجانب الخزانة.
في معركة السرير هذه، والتي ستحسم لصالح الأم، وستجلس آذي الصغيرة تبكي هزيمتها، يفشي الأب سرا لابنته الغالية: «دعينا نفعل شيئاً جديدا. لنخترع قصصنا الخاصة بنا». وهكذا بدأا يختلقان عالما سرياً لم يكن للأم دور فيه. ستتخيل أن سريرها  لا بجانب النافذة فقط، بل يطير بها خارج النافذة إلى مكان لا سلطة فيه لأحد عليها. وسيلاحقها هذا الخوف من الوقوع تحت سيطرة السلطة (الأم/ الزوج/ الدين/ الدولة) ليشكل هاجسا لها طوال حياتها.
في كتاب «أشياء كنتُ ساكتة عنها» تتكرر الإشارة إلى «شاهنامة» الفردوسي في أكثر من موضع، كما أن ثمة تشابه متقصد بين الكتابين من حيث الغاية؛ فالفردوسي أراد أن يعيد للفرس اعتزازهم بتراثهم وثقافتهم في مواجهة التهميش الذي عانوه في زمن الحكم العربي، فاختلق تاريخا أسطوريا وملحميا، يبدأ بخلق العالم وينتهي بقدوم العرب. فأعاد بلاد فارس القديمة إلى الحياة محتفيا بحضارة عظيمة ومتفجعا على زوالها، حسب رأي الكاتبة.
أما آذر نفيسي –التي تقيم في أمريكا منذ العام 1997م-  فهي تختلق إيران أخرى في مواجهة إيران الواقعة في أسر النظام الديني واللجان الثورية. لقد ألّفت «شاهنامة» خاصة بها، لا من خلال قصص ملحمية بل من خلال حشد الكثير من التفاصيل الهامشية في ذكريات عائلة إيرانية التغييرات الخطيرة في البلاد. عائلة برجوازية كان لها دورها في النظام السياسي؛ الأب شغل منصب محافظ طهران والأم كانت عضوا في البرلمان. كما كان للعائلة نصيبها من القمع أيام الشاه إذ ستلفق للأب قضية فساد من قبل أعدائه، وسيدخل السجن.
في مقابل ذلك تقدم للقارئ صورة إيران التي آلت إليها ؛ الاغتيالات، المحاكمات السريعة وغير العادلة، القوانين التي تحد من الحريات، قوائم الممنوعات، صور الجثث المعلقة في الشوارع، التضييق على الجامعات، طردها من عملها في جامعة طهران، الحرب مع العراق. وحتى الأشخاص الذين تكرههم أجبرها النظام على التعاطف معهم: فهذه مديرة المدرسة الصارمة ستعرف أنها قد وضعت في كيس ومن ثم أطلقت عليها النار. والجنرال ناصري الذي دبر مؤامرة سجن والدها ستشاهد جثته في التلفاز ... وآخرون كثر سيحرمها نظام آية الله خميني حقها في مبادلتهم العداء.
وثمة شيء آخر يؤثر على قارئ ذكريات آذر نفيسي، ألا وهو قدرتها على بناء الحكاية وهدمها في الوقت نفسه، ليكون لها حكايتها الخاصة. فالأم التي تحاول السيطرة على الماضي، من خلال إعادة ترتيبه وفق سردية صارمة تكون حجة لها في مواجهة الحاضر الذي يمثله الأب، لتبني مجدها الخاص بالهروب إلى هذا الماضي.  أيام كانت متزوجة من ابن رئيس وزراء إيران آنذاك، في مقابل الزوج/ الحاضر الذي يفند مجدها بنفي ماضيها وجعله أسوأ من الحاضر.  ومن خلال إتاحة المجال الكافي لسرديتي الأب والأم، تحيك نفيسي سرديتها الخاصة.
في هذا الكتاب تواصل آذر نفيسي حربها ضد القمع والاستبداد اللذين يكبلان وطنها، لكنها تبدو هادئة ورزينة في هذه الحرب ... ربما لأنها تعي جيداً أن الأدب الحقيقي وحده قادر على إزعاج السلطة.

] قاص وكاتب من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش