الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مهنة تختصر بداخلها جميع خواص ومتناقضات المهن الاخرى * الممرضات.. «ملائكة الرحمة» حين تلفحهن نار الاضطهاد

تم نشره في الأربعاء 26 تموز / يوليو 2006. 03:00 مـساءً
مهنة تختصر بداخلها جميع خواص ومتناقضات المهن الاخرى * الممرضات.. «ملائكة الرحمة» حين تلفحهن نار الاضطهاد

 

 
الدستور - عمان نت - برنامج "خارج السرب" - سوسن زايدة
ما المهنة التي يمكن أن تختصر داخلها جميع خواص ومتناقضات المهن الاخرى أكثر من التمريض ، فهي مهنة الرحمة والقسوة ، المهنة المطلوبة والمذمومة ، العدل والظلم ، وان شئنا الاستمرار لطال بنا التعداد. ولكن ما هو أهم ان هذه المهنة بقيت حتى السنوات الأخيرة محصورة في النساء عموما حتى التصقت بهن وعرفن كملائكة الرحمة لا يجدن من يرحمهن في الأرض.
ادى استشراء البطالة في الاردن والتحسن الحاصل في ثقة المواطنين بمهنة التمريض ، الى زيادة إقبال الرجل على العمل في المهنة.
اقبال الرجال على المهنة اضافة الى العوامل الاجتماعية أديا الى تناقص كبير في عدد النساء العاملات في القطاع بعد ان كانت مهنة "نسوية" بالكامل ، فيما بقي محصورا بالكامل بها في قطاع القبالة القانونية.
أرقام ودلالات
تشير احصاءات وزارة الصحة الى ان عدد العاملين في قطاع التمريض والقبالة القانونية ، وصل في عام 2005 الى نحو 1742 ، اغلبهم من الاناث ، وينتمي 13430 منهم لنقابة الممرضين والممرضات والقابلات القانونيات. وهذه الارقام تؤشر الى عجز واضح في الكادر التمريضي في الاردن في ضوء زيادة اعداد المستشفيات والمؤسسات الصحية وزيادة عدد السكان حيث يوجد حاليا 97 مستشفى عاملا في الاردن تحتوي على 8982 سريرا وبلغت نسبة الاشغال 63,3% وفق احصائيات وزارة الصحة لعام 2004.
وتفاقمت ظروف العمل الصعبة وعدم وجود نظام للحوافز المادية والمعنوية وتدني الرواتب من مشكلة نقص الكوادر التمريضية ودفع المزيد من العاملين في هذا القطاع الى طلب العمل خارج الاردن ، إذ تؤكد الارقام ان أكثر من 4 آلاف ممرض وممرضة يعملون خارج البلاد ، فيما تستقدم المستشفيات الخاصة آلاف الممرضات من دول شرق آسيا.
فيما حددت نقابة الممرضين الحد الادنى للاجر الشهري للممرض بـ500 دينار كراتب اساسي ، وطالبت في اجتماع لمجلسها مع وزير الصحة سعيد دروزة في شهر نيسان الماضي بتطبيق قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني العام الماضي ، المتضمن رفع العلاوة الاضافية من 90% الى 120% على الراتب الأساسي وعلاوة العمل الاضافي من 45% الى 90% بالمائة. لا تزال وزارة الصحة ، وتحت ضغط أصحاب المستشفيات الخاصة تماطل في تطبيق هذا القرار ، الامر الذي دفع النقابة الى الدعوة الى الاضراب لحمل الوزارة على الاستجابة لمطالبها.
الواقع المر
واذا كانت النقابة تطالب بهذا الحد الادنى للاجر الشهري للعاملين في هذا القطاع بغض النظر عن سنوات الخبرة فما بالك بحالة سناء التي تعمل ممرضة منذ سبع عشرة سنة ، وتقول: "راتبي 286 دينارا ، اضافة الى ما اجنيه من الدوام الاضافي ، اعمل 8 ساعات لكننا نداوم على فترات (شفتات A B C) ، وأحيانا 24 ساعة وأحيانا 32 ساعة حسب ظروف العمل". وتضيف "الراتب لا يتناسب مع خبرتي لـ 17 سنة".
وسامية ممرضة منذ ستة عشر عاما تقول: "اعمل ممرضة من 16 سنة وراتبي الأساسي 300 دينار ، اعمل على مساعدة طبيب العمليات من حيث تحضير المريض وغرفة العمليات ، وهذه الخبرة أعطتني الإمكانية لإجراء عمليات كاملة ، وقد قمت مؤخرا بإجراء عملية قيصرية تحت إشراف الطبيب ، وكممرضة عمليات في المستشفى يوجد فيها تعب لانها فيها جراحه وتعب وخطورة".
اما عالية ، ممرضة منذ ثمان سنوات ، وهي متزوجة فتقول: "راتبي 300 دينار واعمل 8 ساعات وأحياناً 12 ساعة ، ويتوزع دوامي على "شفتات" صباحية وأحيانا مسائية".
وحال خديجة الممرضة في مشفى خاص ليس افضل فراتبها ، كما تقول: 200" دينار فقط ، واعمل شفتات ليلية". رغم ان خديجة ترى ان راتبها جيد ، ولكنها تقول: "أتطلع أن يزيد لأن كل ما زادت الخبرة زاد الراتب ، فنحن كثيرا ما نكون مؤمنين بالمواصلات الا أننا نكون مرهقين بعد عودتنا من العمل".
ولكن هل ستحصل خديجة على "الزيادة" التي تطمح لها ، الجواب استنادا الى حالات زميلاتها سناء وسامية وعالية ، سيكون واضحا بما فيه الكفاية.
على أي حال ، فان ظروف العمل القاسية هذه تدفع العاملات في هذا القطاع ، اما الى عدم ممارسة المهنة ، او تفضيل مهن اخرى اقل عبئا او الهجرة خارج البلاد بحثا عن تقدير مفقود لجهود مضنية.
يقول الدكتور محمد ملحس ، مدير مستشفى خاص ، في تفسير هذه الحالة: "الممرضين في الأردن حقوقهم مهضومة بشكل عام ، فساعات العمل طويلة ، اذ يعملون في الليل في ظروف وضغوطات نفسيه هائلة من المريض وأهله ، ويتحملون مسؤوليات جسيمة. لكنهم لا يجدوا التقدير الكافي من ادارة المستشفيات ومن فئات المجتمع بشكل عام. لذا نجد ان الكثير من ممرضاتنا وممرضينا يهاجرون من الأردن الى الخليج بسبب الانصاف من ناحية شروط العمل والرواتب".
اذا كانت مهنة التمريض هي واحدة من المهن النادرة التي لا يعاني دارسوها او ممارسوها من البطالة ، بسبب الطلب الكبير من القطاع الصحي ، الا ان عددا كبيرا من خريجات الجامعات والمعاهد ، يفضلن ترك المهنة والجلوس في البيت او البحث عن اعمال اخرى على ممارسة مهنتهم التي انفقوا سنين في دراستها وخبرتها. وفي تأكيد هذا يقول الدكتور محمد ملحس: "اجمالا الخرجين من الممرضات في أول 4 سنوات بعد التخرج حوالي الثلث يتركن المهنة ويجلسون في البيت ، والثلث الاخر يتوجه بعد أربع سنوات خبرة الى مهن مجدية أكثر ، او الى مهن فيها اقل ضغط عمل مثل التدريس والعيادات العمالية التي تكون فيها ساعات العمل من الصباح حتى الظهر".
وتؤكد سناء قائلة: "رغم ان مهنة التمريض عليها إقبال شديد وملحوظ هذه الأيام ، لكن العمالة الوافدة تعمل في الأردن لأن الممرضين يذهبون للعمل في الخارج في الخليج أو غيره لتحسين اوضاعهم بسبب الأوضاع السيئة هنا".
ملائكة الرحمة: هل من رحيم؟
لا يكفي ان تكون الممرضة التي وصفها الشاعر العربي الكبير ابراهيم طوقان بـ "ملائكة الرحمة" ، تعمل تحت ظروف عمل بالغة القسوة من حيث قلة الراتب وطول ساعات العمل وتوزعها على فترات صباحية ومسائية وليلية ، اضافة الى كل ما فيها من اعباء نفسية اخرى ، حتى يزيد عليها ضغوط المرضى واهاليهم واحيانا كبيرة الصورة النمطية السائدة عنها في المجتمع.
يقول الدكتور ملحس: "تعمل الممرضة بكل إنسانية تجاه مريضها ولكنها تفتقر الى الدورات الكافية في التدريب وتفتقد الى شروط عمل أكثر راحة".
وسناء التي قضت سبعة عشر عاما في المهنة تقول بأسى: "الآن لو عندي ابنة وتريد دراسة التمريض فلن أقبل ، فمهنة التمريض سيئة".
وتضيف: "مهنة التمريض مثل مهنة الخادمة ولكن بـ "برستيج" ولكن حينما تقاس فعلاً هي مهنة تشبه الخادمة فحينما أقوم بتحميم المريض أو تغيير ثيابه أو تنظيف أغراضه ، هذا يعني عمل خادمة".
إلا ان سناء تستدرك نفسها وتؤكد: "صحيح أنها مهنة إنسانية وجميلة لكنها للخدمة".
غير ان سناء ، وان كانت تحتمل كل هذا ، فهي تشكو من نظرة المجتمع لمهنتها ومن وطأة تأثير عملها على حياتها الاجتماعية ، فتقول: "بالنسبة للمجتمع فهو يجد دوام الممرضة غير مناسب وخاصة الدوام الليلي ، وعلاقاتي الاجتماعية خفت مع الشغل لان دوامي احيانا يكون 12 ساعة ، وعلاقاتي خفت مع الأصدقاء لكن مع الأهل والبيت فليس لهم وقتهم المحدد. وبالنسبة للنظرة الاجتماعية هناك نظرة سلبية من قبل بعض الأشخاص خصوصا ان الممرضة تخرج لساعات خارج البيت وفي أوقات متأخرة".
التمريض بين قطاعين
اذا كانت الصورة العامة لوضع مهنة التمريض ، وبخاصة ما ارتبط منها بظروف عمل النساء ، ضاغطة من حيث الرواتب وظروف العمل والحوافز والتحرش ، فان الامر لدى المستشفيات الخاصة يبدو اسوأ مما هو عليه في القطاع العام.
تقول شذى ، ممرضة سابقة في مستشفى خاص ، انها اجبرت على ترك العمل كممرضة بسبب كثرة ما تعرضت له من تحرش من قبل الزملاء ورفض الادارة التجاوب معها بمحاسبة المتحرشين. وتعتقد شذى ان ادارات هذه المشافي تحابي العاملين في المهن الاخرى كالاطباء على حساب الممرضة.
وهو امر تؤكده عضو مجلس النقابة آمنة الدوس وبخاصة في ما يتعلق بالرواتب. ففيما تدعي ادارات المشافي الخاصة بانها لا تستطيع التجاوب مع مطالب النقابة لرفع سقف اجور الممرضات كي لا ترتفع كلفة العلاج على المواطن ، تؤكد آمنة ان هذا الزعم ليس دقيقا ، وتقول: "بينما تقوم المشافي الخاصة برفع اجور الاطباء بنسب عالية تتجاهل تحسين وضع الممرضين".
الجانب الآخر من الصورة
غير ان الجانب السلبي ليس الا وجها واحدا للصورة ، فمن المهم الاعتراف بان نظرة المجتمع لمهنة التمريض تغيرت ايجابيا خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير ، إذ أصبحت هذه المهنة تحظى بثقة متزايدة من الناس بعد ان كانت صورة الممرضة في أذهان العامة سلبية ونمطية ، وربما ان هذا التغيير هو ما أدى الى كسر الذكور لاحتكار المرأة للمهنة وتنافسهم معها الآن على هذا المجال.
ويبدو ان الرجل ينتصر دائما لنفسه أينما حل. ففيما تشكل النساء النسبة الأكبر من العاملين في هذا القطاع ، نجد ان مجلس نقابة الممرضين والممرضات والقابلات القانونيات المكون من احد عشر عضوا لا يضم في صفوفه سوى ثلاث نساء فقط. هل يعني هذا عزوف النساء عن العمل العام؟ واذا كان هذا صحيحا ، وهو كذلك ، أليس السبب يكمن في ان المرأة لا تمتلك الوقت الكافي للعمل العام حيث تجد نفسها موزعة بين عملها وبين الاهتمام بالبيت ، وهو امر لا يعانيه الرجل الذي يمتلك كل الوقت للتفرغ للعمل العام؟ ألا تحد نظرة المجتمع وشروط الأهل والزوج من امكانية المرأة ومدى إقبالها على العمل العام.
على أي حال ، تبقى ظروف عمل المهنة القاسية بلا رحمة هي الفيصل في الاضطهاد الذي تعانيه النساء الممرضات.
ترى الا يعبر بيت الشعر الذي نظمه الشاعر الكبير إبراهيم طوقان في قصيدته "ملائكة الرحمة" عن حال الممرضات حينما قال: "المحسنات إلى المريـض..غدون أشباهـا لهنه".
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش