الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ظلال: سرير صامت من اجل محمود مدني * يوسف ابو لوز

تم نشره في الأحد 16 نيسان / أبريل 2006. 03:00 مـساءً
ظلال: سرير صامت من اجل محمود مدني * يوسف ابو لوز

 

 
من خلاله احببت السودان والشعب السوداني.. والمرة الاولى التي رأيته فيها عام 1984 في مبنى صحيفة الخليج الاماراتية، واجهت رجلا غارقا في الكتابة، او قل في الحبر، وله عادة لا تفارقه، فحين يكتب، يظل يعبث بغرة شعره وكانت لمة بيضاء تعلو وجهه الغائم دوما بطيف من كآبة نجدها في سيماء اولئك الوجوديين الذين _بحسب المتنبي_ "كأن الريح تحتهم من فرط القلق.
لكن محمود مدني القاص والروائي السوداني لم يكن وجوديا لا بالمعنى"السارتري" ولا "الكغاردي" ولا بأي معنى آخر سوى انه هكذا مخلوق من صمت يقع بين طبقتين من الكلام.. الاولى تكاد لا تسمعها، والثانية تعلو قليلا عندما يسخر من كاتب او سياسي او شاعر مغرور.
ينطلق لسانه في الليل اكثر من انطلاقه في النهار، كأن الليل عنده للكلام، والنهار للصمت.
دعاني ذات مرة الى العشاء، ولاحظت ان احدى غرف منزله تضم اربعة اسرة، ولما سألته لماذا كل هذا العدد من الاسرة وهو الاعزب يومها، قال: للضيوف الطارئين من السودانيين، فأي سوداني يمكنه ان يطرق باب اي شخص من ابناء جلدته من دون ان يعرفه.. ويقيم عنده اياما وربما شهورا حتى يتدبر أمره في عمل اوسكن، وهي عادة نبيلة لعل الشعب السوداني وحده يتفرد بها بين الشعوب العربية.
تزوج محمود مدني من سيدة فاضلة، وانجب طفلا سماه "سلام"، وقبل سنوات توفيت ام سلام فحزن عليها حزنا عميقا عمق احلامه التي انتهت الى السدى، ما عدا جدوى واحدة بقيت لديه، وهي جدوى الكتابة.
لقد ظل يكتب بغزارة وشعرية فاتنة لم تغادر نصوصه الروائية، وبات علامة فارقة في المشهد الروائي السوداني، وعمل في الامارات بكل اخلاص لساحتها الثقافية، ثم غادر الى السودان، وهناك كان ينتظره المرض.
وقبل يومين رحل محمود مدني.. السوداني الطيب، رحل صاحب الخط الاسود الاشبه بسرب من النمل، وعندما قرأت خبر رحيله سقطت دمعة على يدي التي صافحته بها ذات يوم.
اما "سلام" الذي اصبح شابا اليوم، فسوف يؤثث منزله ايضا بأكثر من سرير.. واحد منها لصورة والده وهو يعبث بشعره الابيض، لكن هذه المرة، في الصمت المطبق.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش