الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نجوم خارج دائرة النسيان * جورج سيدهم .. الضاحك الذي دخل الفن بالصدفة تحديا لمن يسخرون بالنكات على الصعايدة

تم نشره في الخميس 22 حزيران / يونيو 2006. 03:00 مـساءً
نجوم خارج دائرة النسيان * جورج سيدهم .. الضاحك الذي دخل الفن بالصدفة تحديا لمن يسخرون بالنكات على الصعايدة

 

 
* بدأ حياته شماسا بالكنيسة واعتقد أن ذلك يتعارض مع احتراف التمثيل وطباع الصعيدي
* مجموعه بالثانوية حطم حلمه بالالتحاق بكلية الهندسة فدخل كلية الزراعة ليلتقي «بالثلاثي»
* اصابته الجلطة بعد سفر شقيقه المفاجئ لأمريكا وتراكم ديون الاعلانات التي أثقلت كاهله
* في عيد ميلاده الثامن والستين جاء سمير غانم ليكفر عن غياب سمة الوفاء لرفيق الدرب

يكتبها لـ «الدستور» عاطف النمر
كان يوما رائعا يهز المشاعر ويحرك شغاف القلب ، يوم اشعرني بدفء الوفاء الذي غاب عن حياتنا وكدنا لا نعرفه من سيطرة المادية والانانية وحب الذات على حياتنا التي جعلتنا ننسى من قدموا لنا غسيل القلب بالضحكة والبهجة في يوم من الايام ، كنت اتمنى أن أغوص في داخل الفنان الجميل الرقيق جورج سيدهم لكي اترجم مشاعره التي عبرت عنها نظرات عينيه وابتسامته الوديعة الطيبة وهو يرى الاحبة والاصدقاء ورفقاء الدرب والطريق يحيطون به في عيد ميلاده الثامن والستين الذي حرصت زوجته الوفية ليندا على اقامته خارج منزل المرض ، فاختارت له مكانا مفتوحا في الهواء الطلق النقي بنادي الجزيرة الذي ينتمي جورج لعضويته منذ زمن بعيد.
كان أول الحضور لمكان الاحتفال من الفنانين والفنانات الهام شاهين التي لم تنقطع عن السؤال أو زيارة جورج منذ ألم به المرض الذي أقعده وغيبه عن الحركة الفنية منذ ما يزيد على عشر سنوات ، تغيرت كل ملامح جورج التي تتسم بالسكينة والهدوء والسلام إلى ما يشبه الوجه الملائكي عندما قدمت له الهام هدية عيد ميلاده ، الهدية صليب ذهبي يعد تحفة فنية ، في الوقت الذي كانت به الفنانة الكبيرة والقديرة الوفية دائما نادية لطفي والتي لم تفارق جورج في ازمته المرضية والتي ترتبط معه بصداقة روحية وإنسانية يصعب وصفها ، تهبط مع جورج من السيارة التي اقلته للنادي متأبطة ذراعه من جهة وزوجته ليندا تتابط ذراعه الأخرى.
كانت المفاجأة التي أثلجت صدور الحضور جميعا عندما جاء رفيق دربه وصديق عمره الفنان الضاحك سمير غانم برفقة زوجته الفنانة دلال عبد العزيز الدائمة السؤال والاطمئنان على جورج ، لا يشعر بمشاعر السؤال والاطمئنان إلا المريض الذي يكون في حاجة لأن يرى اصدقاءه واحباءه يحتفون به ويتحلقون حوله ، مشاعر ترفع من روحه المعنوية وتجعله يشعر بانه مازال على قيد الحياة ، مشاعر ربما تساعده على المقاومة وتزرع في نفسه القوة والإرادة والفرح بدلا من اليأس والاحباط ، هذا ما قرأته في وجه جورج ونظراته وابتساماته الملائكية التي كان يوزعها على كل الحضور لعجزه عن التعبير عن شكر الجميع بالكلمات التي تخرج من فمه بصعوبة منذ اصابته بالمرض وإن كان قد تحسن كثيرا عما كان عليه من سنوات ، كثيرون من الفنانين والفنانات غابوا ولا أقول تغيبوا ، ولكن ما يعوض عن ذلك الهاتف المحمول الذي يحمل رقم جورج سيدهم الذي لم يكف عن الرنين ، الكل يسأل ، الكل يقدم التهنئة ، الكل يعبر عن أمانيه الطيبة ورغبته في الحضور لو كان يعلم مسبقا بمكان الاحتفال بعيد ميلاد جورج الجميل ، الغريب أن عشاق جورج ومحبيه في الدول العربية وبلاد المهجر مازالوا يتذكرون الرابع من حزيران عيد ميلاد جورج ، يتصلون لتقديم التهنئة وزوجته ترد بالشكر والتقدير ، نظرات جورج للهاتف عند كل رنين تترجم بابتسامة انه يعلم أن عشاق فنه وانسانيته يتواصلون معه رغم الغياب ولا ينقطعون عنه.
«الطفل الكبير»
تعرفت على جورج سيدهم في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ، كانت فرقة الثلاثي وقتها في عز مجدها الجماهيري عندما قدمت مسرحية أهلا يا دكتور التي قدم فيها جورج الفنانة شيرين فنافست بعد ذلك كبار النجمات وذاعت شهرته لطول عرض المسرحية التي أمتدت لأكثر من خمس سنوات ، تعمقت صداقتي بجورج بعد ذلك عن طريق شقيقه أمير سيدهم مديرفرقة الثلاثي ، وعن طريقه خاله الذي كنا نناديه بلقب البلابيشي وعلى ما يبدو هو لقب عائلة والدة جورج سيدهم في جرجا بمحافظة سوهاج ، كان خاله البلابيشي رحمه الله مستأجرا لبوفيه المسرح في تلك الفترة ، وكانت له هيبة ومهابة واحترام ألاحظه في تعامل أميروجورج معه ، كنت أرى جورج وهو يجلس أمامه بمكتب أمير كما الطفل الوديع يستمع لنصائحه عندما تكون هناك مشكلة متعلقة بالعائلة ومطلوب تدخل جورج فيها ، سواء كانت هذه المشكلة تتعلق بالعائلة في القاهرة أو في الصعيد ، من هذه المواقف كنت اشعر أن جورج الفنان ذائع الشهرة والصيت ما هو إلا طفل كبير يحمل في قلبه البراءة والطيبة ، فكان يستمع باهتمام واحترام لخاله وبعد ان يستوعب الموضوع ويلم بالمشكلة يرد على خاله بعبارة موجزة يقول فيها يا خال .. مفيش داعي للمشاكل ، اللي له نفس في شيء وقابل على نفسه اللي ملوش حق فيه يشيل ، وان كان على حقي وحقوقي نحاول نحلها بهدوء فينفعل الخال من برود جورج وكذلك شقيقه أمير الذي يتسم بالحدة والانفعال ، لم يكن برودا من جورج ، بل رجاحة عقل تعكس ما في داخله من طيبة ونقاء شديد يجعله يتجاوز الدخول في أي مشاكل تسبب أي كراهيه بينه وبين الاخرين ، كان جورج وقتها يسكن في شقة ببناية في مواجهة المتحف المصري بميدان التحرير ، كان عازفا عن الزواج وله عالمه الخاص الذي يتسم بالنقاء والبعد عن الرزيلة ، رغم كم المعجبات اللواتي كن يطاردنه في المسرح وعلى الهاتف وأماكن التصويرالتي يتواجد بها ، كان جورج يحصن نفسه ضد كل هذه المغريات بما يحمله في قلبه ونفسه من إيمان عميق يجعله مواظبا على الظهور في المناسبات الدينية السنوية بالكنسية في كل عيد ، والحرص على حضور القدسات الاسبوعية ، وعدم التخلف عن مواعيد الصوم التي كان يرتبط بها ارتباطا شديدا ، كل هذه القيم انعكست بالتالي على سلوكه وتصرفاته مع الاخرين ، ولكنه لم يكن يعرف روح التعصب البغيضة ولم تكن له أدنى حساسيات مفتعلة ، إذ كان حريصا أيضا على صوم شهر رمضان الكريم وبسط موائد الافطار كل يوم في بيته أو في المسرح لأفراد فرقته الثلاثي ، وعند حلول عيد الفطر المبارك تكون سلال الكعك قد وصلت لبيت رفيق دربه سمير غانم وبقية افراد الفرقة ، وفي عيد الأضحى المبارك كان يحرص على تكليف شقيقه أمير سيدهم بشراء عجل لذبحه أمام المسرح وتوزيع لحومه على فقراء منطقة السبتيه التي يقع بها المسرح وعمال الفرقة البسطاء.
كان جورج في تلك الفترة مضربا عن الزواج ويعيش بمفرده في تلك الشقة ، التي لا يدخلها إلا من يقوم بتنظيفها ومن يعد له الطعام ، وكان جورج بارعا في صنع الطعام والوجبات التي يصنعها بنفسه ويدعو أصدقاءه ومحبيه اليها ، والشيء الوحيد الذي كان يزعج جورج في هذه الشقة ، الضوضاء التي لا تنقطع بالليل والنهار من زوامير السيارات والباصات التي تمر في هذا الميدان الحيوي بكثافة شديدة ، مما أضطره إلى تجليد حوائط الغرف المطلة على الميدان بطبقة عازلة للصوت مثل تلك الطبقة التي تجلد بها حوائط استديوهات التسجيلات الصوتية ، ولذلك كنا نتندر على جورج بما فعله بجدران الشقة التي جافاه فيها النوم. أود ايضا وانا ارسم ملامح بورتريه جورج سيدهم الإنسان من خلال معرفتي به أن أشير إلى أنه لم يكن مسئولا عن شيء في حياته اطلاقا ، كل ما عليه هو أن يمثل في المسرح والسينما والتليفزيون فقط لا غير ، أما بقية مشاغل ومتطلبات حياته فقد سلمها لشقيقه أمير سيدهم ، فهو الذي يحضر له خزين البيت من متطلبات وطعام ، وهو الذي يحاسب المكوجي ، ويدفع قسط السيارة والكهرباء والغاز وهو الذي يتذكر موعد تجديد رخصة القيادة ورخصة السيارة ، ما يطلبه جورج يقوم بتنفيذه أمير سيدهم ويتولي دفع الحساب ، لقد سلم جورج نفسه بالكامل لشقيقه أمير بحيث أصبح مسئولا عنه وعن متطلباته مسئولية كاملة ، وظل الحال على ما هو عليه إلى أن قرر جورج الخروج من شرنقة العزوبية والارتباط بالطبيبةليندا التي تعرف عليها في مناسبة عائلية ، وكان جورج وقتها قد تجاوز الخمسين من عمره.
«اسباب الازمة»
كما هو معتاد قام شقيقه أمير سيدهم مدير فرقة الثلاثي بتنظيم حفل الزفاف ، واختيار الكنسية التي سيقام فيها قداس الزواج ، والفندق الذي سيقام به حفل الزفاف ، وكان هو المسؤول عن توجيه الدعوات للفنانين والفنانات والاقارب ، وهو المسؤول عن اختيار المطربين والمطربات الذين سيحيون الحفل الذي أمتد حتى الفجر ، بنهاية هذه الليلة أصبحت هناك زوجة مسؤولة عن رعاية شؤون جورج سيدهم ، انتقلت الوكالة من شقيقه أمير سيدهم إلى زوجة جورج الدكتورة ليندا ، وظل أمير سيدهم مسؤولا فقط عن الرعاية المتكاملة لجورج سيدهم من حيث الجانب الفني وشؤون إدارة الفرقة والمسرح ، وكما ذكرت في حلقة الفنان سمير غانم لم تكن هناك بوادر تظهر في الكواليس تبشر بالإنفصال الذي حدث بين جورج وسمير وأدى لأنفراط عقد فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي خرج منها سمير بالتصافي وحملها جورج على كاهله بمفرده ، وكنت قد نوهت إلى مرض شقيق سميرغانم الذي كان مسؤولا عن حسابات الفرقة ، وأعتقاد سمير الظني بأن أمير سيدهم قد مارس القهر على شقيقه وأمرضه ، وبقية التفاصيل التي سردتها في حلقة سمير غانم وأدت في النهاية إلى الأنفصال الدراماتيكي بين جورج وسمير ، وللأمانة لم يكن لجورج الطيب المسالم الجميل اي دخل فيما جرى ، وللأمانة أيضا لم يكن جورج يود أن ينفصل عن سمير أو ينفصل سميرعنه لكي تبقى الفرقة وتستمر ولا يحدث لها أهتزازات ما تؤثر عليها ، لم يكن أمام جورج الطيب المسالم الذي لا يحب بطبعه وتكوين شخصيته الدخول في أي مشاكل تذكر غير الموافقة علي تلبية طلب سمير غانم بتصفية الشراكة بينهما في الفرقة ، وتحمل جورج دفع نصيب سمير في الفرقة مما كلفه الكثير ولا يدري أحد من اين قام بتدبير ذلك المبلغ ، وتحمل ايضا ان تبقى الفرقة بنفس اسم الثلاثي وتستمر مهما كانت التكاليف ، فنقل عقد ايجار المسرح باسمه وبمفرده ، وأصبح متحملا لكافة المصاريف بعد ان كانت مقسومة على طرفين ، تأثر جورج كثيرا مما كان يكتب في الصحف والمجلات عن ضياع الفرقة وتوقع الفشل لها بعد خروج سمير غانم منها ، كلمات كانت تكتب بعفوية من باب التأثر بماجري ولكنها دون قصد كانت تحمل الاهانة النفسية لجورج كفنان ، مما جعله يبادر في الحال بتقديم عرض مسرحية حب في التخشيبة التي شاركته بطولتها دلال عبد العزيز وهشام عبد الحميد لكي يثبت وجود الفرقة ووجوده رغم انفصال سمير عنه ، لم تحقق المسرحية النجاح الجماهيري الذي كانت تحققه عروض جورج وسمير معا ولكنها في نفس الوقت لم تفشل لأن جورج كانت له جماهيريته ومحبوه وعشاق فنه ، مع الاعتراف بأنه فقد في هذا العرض محبي وعشاق سمير غانم ، واتبعها جورج بمسرحية المصيدة لأجاثا كريستي التي اتفق مع التليفزيون على تصويرها وتسويقها لكي لا يغلق المسرح ابوابه ، ويبدو أن جورج كان قد قاس الفارق وتلمس الرؤية المستقبلية لفرقة الثلاثي التي يتحمل مصاريفها بالكامل بمفرده ، فاراد أن يؤمن لنفسه مصدر دخل أخر فأفتتح مطعما للمأكولات بمدينة نصر أنفق على ديكوراته الكثير ، ولكنه لم يتفرغ له وكان لديه أصرار شديد على أن يبقى اسم فرقة الثلاثي ولا يغيب عن الساحة المسرحية وفاء منه لتلك الفرقة التي كانت سببا في شهرته ونجوميته مع سمير والضيف أحمد.
لم يكن جورج يدري أي شيء متعلق بإدارة الفرقة لأن كل شيء كان مسؤولا عنه شقيقه أمير سيدهم ، وفجأة علم جورج بأن الفرقة مدينة لجريدة الأخبار والاهرام والجمهورية بمبالغ مالية طائلة مقابل الاعلانات التي كانت تنشرها الفرقة عن عروضها المسرحية في فترة وجود سمير غانم في الفرقة وبعد خروجه منها ، ضخامة المبلغ جعلت جورج يهتز من داخله ، وأصبح من المستحيل أن يواصل جورج عمله بالفرقة في ظل هذه الديوان الضخمة التي أصبح ملزما بسدادها وتوصل لأتفاق مع الدائنين بتقسيط المبلغ الذي لا أحد يعلم كيف كان يدبر أقساطه الضخمة التي أرهقته ماليا ومعنويا ، فكر جورج في تعويض تلك الخسارة بتصوير عدد من المسرحيات التليفزيونية التي اتفق عليها ، صور منها مسرحيتين وفجأة ودون سابق أنذار أختفى شقيقه أمير سيدهم من مصر ، ولأن جورج بطيبته ونقاءه لا يود الخوض في خلفيات هذا الاختفاء لم يتكلم ولم يكشف عن شيء ولكنه صدم صدمة كبيرة جدا ، إذ انه كان بحاجة لشقيقه في التوقيت المتأزم بالنسبة له وكان قرار سفر شقيقه للولايات المتحدة الامريكية مفاجئا للجميع ، وقيل انه قبض ثمن تصوير المسرحيتين وسافر بعدها دون علم جورج ، وقيل انه سافر عندما حلت حصته في ديون الاعلانات المتأخرة باعتباره كان مشاركا في الفرقة بنصيب ما ، لكن النتيجة كانت بعيدا عن القيل والقال الصدمة التي لم يتحملها جورج سيدهم اصابته بجلطة دمرت خلايا المخ واصابته بالشلل والزمته الفراش ليبدأ رحلة المرار مع العلاج.
«الجذور الصعيدية»
من المعروف أن جورج سيدهم ولد في الرابع من حزيران عام ةنيدمب1939ماع جرجا بمحافظة سوهاج ، والده ينحدر من جذور عائلة كبيرة في محافظة اسوان ، ووالدته من عائلة كبيرة ايضا بمحافظة سوهاج ، والده كان يتولي منصبا مرموقا كمدير عام لبنك باركليز بمحافظة سوهاج ، تلقى جورج تعليمه الابتدائي والاعدادي والثانوي بمدارس سوهاج ، كان يمني نفسه برغبة الالتحاق بكلية الهندسة ، لكن مجموعه في الثانوية العامة حال دون تلبية هذه الرغبة فألتحق بكلية الزراعة جامعة عين شمس التي تخرج منها عام 1961 ، وبرغم انه شارك من قبل في الحفلات المدرسية وفرقها المسرحية إلا أنه لم يكن يخطر بباله يوما أن يكون فنانا محترفا ولا حتى هاويا ، فالتربية الدينية التي تربى عليها كانت تتعارض مع ذلك وتتقاطع معها ، فمنذ نعومة أظافره وهو يرتدي ملابس الشمامسة الذين يخدمون في الكنيسة ، يحفظ الأنجيل والتراتيل عن ظهر قلب ، ولأنه صعيدي الأصل أصبح في تصوره انه لا يمكن له الاشتغال في التمثيل أواحترافه ، رغم علمه بأن هناك طائفة كبيرة من الممثلين ينحدرون من أصل صعيدي أثبتوا وجودهم واحتلوا مكانة بارزة في عالم الفن في مقدمتهم عماد حمدي وحمدي احمد وسناء جميل ونادية لطفي ، ولكن يبدو أن جورج توهم ان الصعايدة لا يمكن لهم الخوض في مثل هذه المجالات.
وكان لنشأة جورج في جرجا بسوهاج تأثير قوي على شخصيته التي تعامل بها مع الناس والوسط الفني فيما بعد ، فهو كصعيدي يعي تماما أن الصعايدة يتسمون بالجد ويأخذون الموضوعات والمواقف بجدية ، مما جعله يأخذ الفن بجدية كرسالة سامية تهدف لتغيير سلوك الناس ، وعندما دخل الفن بالصدفة لم يدخله من أجل الحصول على شهرة أو اسم ، بل تعامل مع الفن بكل جدية وحماس ، وعرف بتعامله مع الناس وزملائه الممثلين بكلمة شرف لا غير ، إلى جانب فهو كان لا يهوى السهرات الفارغة ، أو الاختلاط الذي لا يفيد ولايجدي ، يستغل وقته في القراءة الدائمة ، فكان يقرأ لتوفيق الحكيم واحسان عبد القدوس ويوسف ادريس ونجيب محفوظ ، ولديه نهم شديد في قراءة المسرحيات العالمية ، كانت القراءة بالنسبة له مثل الهواء والماء ايمانا منه بأن الفنان لابد أن يثقف نفسه بنفسه ولا يتوقف عن ذلك مهما بلغ من الشهرة والأنتشار.
لقد عرف جورج سيدهم بين زملائه بالوسط الفني وعند الكثير من عشاق فنه بالعديد من الالقاب التي تكن له التقدير والاحترام ، فقد أطلق عليه البعض لقب ملاك المسرح والسينما وأطلق عليه البعض الآخر لقب قديس الفن ، ومرجع ذلك ما عرف عنه من خلق رفيع ومحبة يكنها لكل البشر ، لا يهوى الخصومة مع أحد ، ولا يدخل في معارك لا طائل من وراءها على صفحات الصحف أو في جلساته الخاصة وحواراته الصحفية والاذاعية ، إذا كان شفاه اللهيحرص على عدم جرح مشاعر أحد ، ويعي تماما أصول العلاقة الانسانية ، وأصول العمل المسرحي وقيمه واهمية احترامه للجمهور الذي بادله نفس الاحترام لحرصة الشديد على البعد عن كل ما يجرح مشاعر المشاهد ، فخلت مسرحياته من العري والايحاءات الجنسية والنكات البذيئة التي تجعل الأسرة تهرب من صالة المسرح تحت وطأة خدش الحياء ، كما حرص جورج على هذه القيم الاخلاقية ، وهذا ما دفع بالبعض إلي تلقيبه بـ الملاك و القديس ، وكان جورج يجبر أي ممثل يتعامل معه على المسرح الحفاظ على هذه القيم الاخلاقية والفنية ولا يسمح له بالخروج عنها.
«دكتور الحقني»
عندما التحق جورج سيدهم بكلية الزراعة كان عازفا عن الاختلاط بزملائه لمدة طويلة ، كان وقتها يتسم بشخصية خجولة تعاني من الاغتراب بعد قدومه من بلدته في جرجا ، ودامت انطوائيته والتجاؤه للوحدة والانفراد فترة من الوقت إلى أن خرج في رحلة مع الكلية وجلس زملاؤه يطلقون النكات والضحكات ويبدون سخريتهم من الصعايدة فأحتقن جورج وثارت في دمه حمية أهل الصعيد وقرر ان يكون ندا لهم ويرد لهم الاهانة بالنكات المضحكة فلفت يومها نظر الحاضرين بخفة ظله ، فأحبه زملاءه وأصبح معروفا لديهم فوقع الاختيار عليه ليشترك في تمثيل فريق جامعة عين شمس في اسابيع شباب الجامعات للسمر فقدم الاسكتشات الفكاهية على مسارح الجامعة ومثلها في اسابيع الشباب التي كانت تقام على مستوى الجامعات ، لأن جورج وقتها كان رئيسا لفريق السمر بالجامعة ومن خلال هذه الاسابيع تعرف على سمير غانم الذي كان يرأس فريق السمر بجامعة الاسكندرية كما توطدت معرفته بزميله الثالث الضيف احمد الذي كان رئيسا لفريق السمر بجامعة القاهرة ، وكان الثلاثة يتنافسون تنافسا شديدا للحصول على كأس الجامعات للسمر ففاز بها فريق سمير غانم عام 1959 ، وفي العام التالي مباشرة فاز بالكأس الضيف احمد ، وفي عام 1961 وهو نفس العام الذي تخرج فيه جورج بكلية الزراعة فاز بالكأس ، وبعدها مباشرة عين جورج مديرا لمحطة تربية الجاموس بقرية ابيس بمحافظة البحيرة ، واستمر يعمل بها لمدة ثمانية اشهر قدم بعدها استقالته من محطة الجاموس لأن موهبته المسرحية وعطاءه الفني حالا دون استمراره في هذا العمل الوظيفي ، كما كان يكره البيروقراطية والمقاعد الوظيفية ويريد أن ينطلق كما المارد من قمقمه فوق مسرح كوميدي يحلم بالوقوف عليه كل ليلة ، يريد تفجير امكانياته الفنية وابراز طاقاته التي يتمتع بها ، كل هذه الامانـي والاحلام لم تذهب هباء ، فقد اختاره الفنان محمد محمود السباع ليمثل مسرحية المصيدة لأجاثا كريستي ، ثم قدمه المخرج محمد سالم لأول هو وزميليه سمير غانم والضيف احمد ليقوموا أداء أو اسكتش كوميدي دكتور الحقني وقد نجح هذا الاسكتش نجاحا غير متوقع وذاع صيته برغم الفكرة التي كانت في غاية البساطة ، وبعدها أخذ الثلاثي جورج وسمير والضيف في عرض هذا الاسكتش على مسارح النوادي الرياضية والمراكز الشبابية والتجمعات العمالية.
ولهذا الاسكتش قصة قديمة تكشف عن تفرد جورج بشخصية خاصة تعلن عن كراهيتة لتقليد الأخرين أو تقمص الأدوار التي قدمها غيرة من الممثلين ، وهنا تبرز أهمية أعتزاز جورج بنفسه وفته ، ففي سنة 1955 حيث كان جورج طالبا بمدرسة سوهاج الثانوية ، وأرادت المدرسة ان تقيم حفلا سنويا فعرض زملاؤه عليه ان يؤدي دور نجيب الريحاني في مسرحية حكم قراقوش لكنه رفض قائلا انا لا أقلد أحدا حتى ولو كان نجيب الريحاني نفسه ، وفي تلك الليلة ظهر على مسرح المدرسة بمفرده يؤدي اسكتش دكتور الحقني الذي قام بتأليفه وتلحينه وإخرجه لنفسه ، وتدور الايام وتمضي السنين ويتخرج جورج من الجامعة ويلتقي بمحمد سالم ليبدأ مشوار الثلاثي بهذا الاسكتش الذي حقق شعبية وجماهيرية عريضة جدا وكان سببا في شهرة الثلاثي بعدها ، وبعد اسكتشدكتور الحقني بدأ جورج مرحلة الانتشار من خلال المسرح واستديوهات التليفزيون والسينما.
«عاشق السفر»
عرفت في جورج سيدهم عشقه وتيهه بالسفر للخارج ، عندما يكون في عطلة مسرحية وغير مرتبط بتصوير سينمائي أو تليفزيوني يحزم حقيبة سفره ويطير لزيارة بلد لم يزره من قبل ، تلك كانت متعته الحقيقية وزاده في المعرفة التي يحسها بالعين ، كان يحكي لنا عند عودته عن المواقف الطريفة التي تعرض لها في هذا البلد أو ذاك ، وقد حكي لي جورج عن واحدة من تلك الرحلات عندما سافر إلى تونس لقضاء بضعة ايام من الراحة والاستجمام بجزيرة جربة التي تشتهر بالهدوء والسكينة وروعة المناظر الطبيعية ، وقد دعي لحفل خاص ضم عددا من رجال الأعمال وسيدات المجتمع ، في هذا الحفل كان جورج نفسه بطلا لموقف غريب وطريف لم يصادفه من قبل ، فقد وقعت أمامه حادثة سرقة عقد من الماس من أحدى السيدات الحاضرات بالحفل ، كان جورج كعادته المحبة للرزانة جالسا على مقعده طوال الحفل ولذا كان من السهل عليه رؤية أحد العاملين بالقاعة المقام بها الحفل ، يقترب من حقيبة السيدة التي ذهبت لدورة المياه مستغلا اندماج الجميع في الرقص واللهو ، امتدت يده لسرقة عقد الماس من الحقيبة التي تركتها السيدة على مقعد مجاور للطاولة ، وعاد إلى مكان عمله خلف معدات الإضاءة ، وبعد مرور دقائق جاءته الفرصة لكشف هذا اللص عندما سمع صرخة السيدة عند اكتشافها اختفاء العقد والتفاف الجميع حولها للأستفسار ، سرت الهمهمة واستشرى الهمس في صفوف الحاضرين عمن يكون السارق ، فاقترح جورج على الحاضرين أن يضع كل واحد منهم ما في جيوبه على المائدة وحتى لا يسبب إحراجا لأي شخص بدأ بنفسه وأخرج كل ما في جيوبه ، فسار على منواله كل الحضور ، ثم استدعي كل العاملين بالقاعة ، وقبل أن يخرج هؤلاء ما معهم من اشياء ظل جورج يلف ويدور حولهم على طريقة المفتش كولومبو ثم صاح في وجه أحدهم لكي يخدع السارق ويطمئنه ووجه له اتهاما مباشرا بسرقة العقد لكنه دافع عن نفسه بحرارة شديدة ، ثم انتقل جورج للسارق الحقيقي وفاجأه بسؤال عن سبب وجوده عند مائدة السيدة التي سرق منها العقد عندما ذهبت لدورة المياه ، تلعثم السارق ولاحظ جورج انتفاخا غير عادي في القفاز الذي يرتديه في يده فعرف على الفور أن العقد بداخله ، لكنه ارجأ كشفه لإضفاء جو من المتعة على الحضور ومع استمرار دورانه حول اللص بدأت اعصابه في الاهتزاز أكثر فأكثر وفجاة طلب منه بصوت عال أن يخلع قفازه فتردد ، فأشار جورج لأحد الرجال الاقوياء من حضور الحفل بنزع قفازه عنوة وبالفعل في ثوان كان القفاز يطير في الهواء ويسقط منه العقد على الارض ، ليعود العقد لصاحبته وسط تصفيق حاد من جميع الحضور ، في نفس الوقت شعر جورج بالشفقة على هذا اللص التعس بعد ان سمع صرخاته المتوالية بسبب تلقية علقة ساخنة من زوج السيدة المسروقة. وقد روى جورج شفاه الله قصة أخرى عندما سافر لعرض مسرحية حب في التخشيبة للجاليات العربية في فرنسا ، حيث انتهى من ليالي العرض واستعد للعودة للقاهرة فنزل للسوق لشراء هدايا وملابس لزوجته ، ففوجىء بمواطن خليجي يربت على كتفه بعنف وهو يحييه بحرارة ويخبره انه مقيم في فندق يديره جزائريون أكتشف فيه شبيها لجورج سيدهم ، قدم لهم نفسه على انه جورج سيدهم النجم المعروف ، وانه اشترى هدايا كثيرة كانت تصله على الفندق إضاف حسابها على فاتورة الإقامة ، ثم اختفى في ظروف غامضة وقد ابلغت إدارة الفندق الشرطة ، وجد جورج نفسه في حيص بيص وذهب مع هذين الموظفين إلى الشرطة التي كشفت له الحقيقة بأنه مطلوب لديهم وبمواجهته بإدارة الفندق أعترفوا بأنه ليس الشخص الذي قام بخداعهم ، لكن جورج الطيب المسالم عندما علم ان المبلغ سوف يتم خصمه من راتب موظفي الاستقبال قام بدفعه لهم لتخليصهم من تلك الورطة وطلب من الشرطة سرعة القاء القبض على هذا النصاب الذي يشبهه ويحتال باسمه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش