الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نجوم خارج دائرة النسيان * زكي طليمات.. عميد المسرح العربي الذي اسس »جمعية الحمير« مع طه حسين وتوفيق الحكيم

تم نشره في الخميس 10 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
نجوم خارج دائرة النسيان * زكي طليمات.. عميد المسرح العربي الذي اسس »جمعية الحمير« مع طه حسين وتوفيق الحكيم

 

 
- تفرغ لطباعة المنشورات التي يهاجم فيها نجيب الريحاني لكنه هزم امامه في اول مقابلة
- قال لروز اليوسف انه عاشق للتمثيل فسألته ان كان يعرف الطبيخ وبعدها اصبح زوجا لها
- منتج فيلم نشيد الامل منعه
من تقبيل ام كلثوم لكن الست قالت له »بوس زي ما انت عاوز«
- ظل على عدائه ليوسف وهبي يسخر منه في المقالات والندوات للتنازع على ريادة المسرح

* يكتبها لـ »الدستور«: عاطف النمر
عاد من الكويت التي اسس بها حركتها المسرحية وأسس لها معهد الكويت العالي للفنون المسرحية، اتصلت به هاتفيا وعرفته بنفسي طالبا منه تحديد موعد لحوار مطول، بصوته الرنان المميز اراد ان يفهمني انه متعب للغاية وطلب مني ان اتصل به مرة اخرى بعد عدة ايام، طلبته مرة اخرى فكان الجواب انه مشغول جدا وعليّ ان انتظر حتى يفرغ من مشاغله لتحديد موعد المقابلة، احسست انه يتهرب من المقابلة بكلمات اللطف وتبريرالانشغال، او انه كان في حالة نفسية معينة لا يرغب خلالها ان يلتقي باحد او يتحاور مع وسيلة اعلامية، قررت الا اتصل به مرة اخرى لانني كنت قد تركت له هاتف جريدة ''الاخبار'' وطلبت منه ان يحدد الموعد الذي يروق له عندما يفرغ من مشاغله ويكون مهيئا لاجراء الحوار، لكنه لم يتصل ومرت الايام وسألني الناقد الراحل الكبير عبد الفتاح البارودي عن الحوار الذي كلفني به لمجلة المسرح فاخبرته بما جرى مؤكدا انني في انتظار ان يتصل بي بعد ان يفرغ من مشاغله كما قال، فصرخ في وجهي الاستاذ البارودي رحمه الله قائلا ''زكي طليمات لا يتصل باحد..عليك مطاردته حتى تلتقي به''، كان جالسا وقتها الزميل فنان الكاريكاتير الراحل رؤوف عبده الذي كان عائدا لتوه من العمل بدولة الكويت وكان قد تعرف هناك على زكي طليمات ويعرف كافة مفاتيحه، فقال لي رؤوف عبده رحمه الله ''اذا اردت ان تلتقي بزكي طليمات فعليك عندما تتصل به ان تخبره انك ''جحش صغير'' ويشرفك ان تلتقي بالحمارالكبير''، امتقع وجهي من الغضب الشديد وكدت اطبق في رقبة الراحل الجميل رؤوف عبده ظنا انه يسخر مني وبادلته العبارة التي القاها في وجهي قبل مغادرتي للمكتب، لكنه اسرع يمسك بي وهو يقسم بانه لا يقصد السخرية انما يدلني على اهم مفتاح في حياة زكي طليمات، في مكتبه اخذ يروي لي الحكاية قائلا ''الا تعلم ان الفنان الرائد الكبير زكي طليمات هو اول من اسس جمعية خيرية في مصر باسم ''جمعية الحمير'' وكان ذلك في بداية الثلاثينيات، وكانت تضم في عضويتها عددا كبيرا من الفنانين والصحفيين والكُتّاب والمفكرين، من بينهم الدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وبعد ذلك انضم اليها الفنان والمخرج السيد بدير والفنانة نادية لطفي والكاتب الساخراحمد رجب وآخرين، انا من بينهم''، كل هذا وانا لا اصدق ما يقول رؤوف عبده، مازلت اشعر انه يدبر لي مقلبا ما لانني لم اسمع من قبل عن تلك الجمعية الخيرية التي تحمل اسم ''جمعية الحمير'' التي ينال اعضاؤها القابا حسب مدة وجودهم في الجمعية تبدأ من ''جحش'' ثم ترتقي لـ ''حمار صغير'' وبعدها ''حمار كبير''، لم اصدق ايضا ان نشاط الجمعية الجزئي يتركز في المجال الطبي بتقديم العلاج المجاني لغيرالقادرين.
(الجحش الصغير)
تركني الراحل الجميل رؤوف عبده لكي اتأكد بنفسي من وجود هذه الجمعية مؤكدا انها المفتاح الرئيس لمقابلتي للقدير زكي طليمات، بالفعل ثبت لي وجود هذه الجمعية التي تحمل هذا الاسم الغريب، وعرفت ان الجمعية قدمت طوال تاريخها مساعدات لعدد من المستشفيات الحكومية المتخصصة، مثل الاجهزة الطبية والادوية، فضلا عن توفير فرص عمل للعاطلين وتقديم مساعدات مالية وملابس للمحتاجين، وعلمت ان هذه الجمعية بدأت كنوع من التحدي للقصر الملكي في ذلك الوقت والاحتلال الانجليزي في ذلك الوقت، عندما اوعز الانجليز للملك فؤاد باغلاق معهد الفنون المسرحية الذي انشأه زكي طليمات بهدف ايجاد حركة مسرحية عربية مصري خالصة لا تقوم على ترجمة او اقتباس الروايات والمسرحيات الغربية فقط، وقد اختار زكي طليمات مع شكري راغب مدير دار الاوبرا الملكية في ذلك الوقت اسم ''الحمار''، باعتباره الحيوان الاكثر قدرة على التحمل ليكون اسم جمعيتهم الجديدة في مواصلة النضال من اجل انشاء المسرح المصري العربي الذي يريدونه، وبعدها تفرع نشاط الجمعية للدفاع عن ''الحمير'' في مصر التي يتم معاملتها معاملة سيئة، وتفرع نشاط الجمعية بعد ذلك للعمل الخيري، وجمع التبرعات لنشاط الجمعية الجزئي في المجال الطبي وتقديم العلاج المجاني للمرضى غير القادرين، وقد قدمت الجمعية طوال تاريخها مساعدات لعدد من المستشفيات الحكومية المتخصصة، مثل الاجهزة الطبية والادوية، الي جانب توفيرفرص العمل للعاطلين وتقديم المساعدات المالية والملابس للمحتاجين، الطريف ان هذه الجمعية التي اشتهرت بشكل اكبر في فترة الثمانينيات مع تزايد نشاطها الخيري تعطي رتبا ودرجات لاعضائها حسب فترة عضويتهم، وتتدرج هذه الرتب من ''الجحش'' الى ''الحمار الصغير'' ثم ''الحمار الكبير''، وكل رتبة حمار تتضمن رتبا داخلها مثل ''حمار لجام'' الذي يرقى الى ''حمار ببردعة''، وهو الفراش الذي يوضع على ظهر الحمار قبل ركوبه، ثم ''حمار حدوة''، ثم ''حمار كبير''، اما رؤساء الجمعية في المدن المصرية،وخارج مصر فيطلق عليهم لقب ''كبيرالحمير''، اما رئيس ''جمعية الحمير'' فيطلق عليه ''الحمارالاكبر'' وقد حصل على هذا اللقب الاخير كل من زكي طليمات، وتوفيق الحكيم، والفنانة نادية لطفي، ووزيرالصحة المصري الاسبق محمود محفوظ، ويترأس مجلس ادارة الجمعية حاليا الدكتورعادل كشك مديرالطب البيطري بمحافظة الجيزة، وان كانت هناك مشاكل قائمة بشأن اشهار الجمعية في وزارة الشؤون الاجتماعية التي ترفض مسمى الجمعية التي اصبح لها فروع في عدد من الدول العربية، وخصوصا سوريا حسبما سمعت، ودول اجنبية مثل فرنسا واميركا، حيث كان يترأس هذه الجمعية غالبا مثقفون مصريون انتقلوا لهذه الدول، مثل الفنان التشكيلي المصري رشيد اسكندر الذي سافرلاميركا واسس فرعا لجمعية الحميرهناك، بل وظل يكتب عمودا في احدى الصحف الاميركية العربية باسم ''الحمار''، اما تمويل الجمعية فهو يعتمد على تبرعات اعضائهاالاغنياء، الى جانب تبرعات واشتراكات اعضائها، ووفقا للاحصائيات المعلنة في نهاية فترة الثمانينيات..فقد بلغ عدد الاعضاء 30 الف عضو، ما علينا من كل هذا فما اريد ان اصل اليه ان الراحل الجميل رؤوف عبده كان صادقا ولماحا في معرفة مفتاح زكي طليمات الذي ما ان اخبرته انني ''جحش صغير'' بجمعية الحمير'' التي اسسها في الثلاثينيات، بادرعلى الفور بتحديد موعد التقيه فيه ببيته، وكان الرجل وقتها يعاني بالفعل من متاعب الشيخوخة الصحية، وان كانت نبرات صوته الرنانة التي عرف بها لم تخفت او يصيبها الوهن والضعف، التقيته وفي داخلي قرار بانه اذ ما سألني عن عضويتي بالجمعية فسوف اصارحه بانني لا انتمي اليها لا من قريب او بعيد، وانما ادعيت ذلك لانه قيل لي انها مفتاح الوصول اليه، لكنه لم يسألني لحسن الحظ، ودار الحوار عن المسرح وازماته، وذكريات الماضي، ونضاله المستميت في تأسيس الحركة المسرحية المصرية والعربية القائمة على العلم، ومصادماته مع المسؤولين عن الثقافة والتربية الذين عرقلوا له تأسيس المعهد العربي للتمثيل، وعداؤه الشديد ليوسف وهبي بك، وذكرياته مع نجيب الريحاني وام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وروزاليوسف التي تزوجها بعد الفنان محمد عبد القدوس، التقيته في اليوم الثاني لاستكمال ما توقفنا عنده من الحوار، لكنه اهداني نسخة من مجموعة ملازم تم جمعها لكتاب كان يستعد لاصداره بعنوان ''ذكريات ووجوه''، وطلب مني ان اعيدها له في اليوم التالي بعد ان احصل منها على ما اريد من اجابات قد تدور في رأسي.
(الصدام مع الريحاني)
انتقي من الاوراق التي سهرت على تفريغها وصدرت في عام 1982 في كتاب بنفس العنوان المذكورسابقا، مجموعة من الحكايات الطريفة التي جمعته بكبار نجوم العصر الذهبي، لان زكي طليمات كرائد مسرحي وعميد للمسرح العربي بشكل عام لا يحتاج لسرد يبين فضله في ذلك وان كنت ساتعرض لذلك في عجالة بين السطور، ومن بين هذه الحكايات حكايته مع فيلسوف الكوميديا العربية نجيب الريحاني، كان الريحاني قد صعد بالمسرح التجاري من خلال فرقته الى عنان السماء، في نفس الوقت افلست الفرق الجادة مثل فرقة جورج ابيض وسلامة حجازي وتدهورت احوال فرقة يوسف وهبي، كان زكي طليمات العائد من بعثته الدراسية في الخارج لا يصدق تلك المعادلات التي عصفت بالمسرح الجاد باعتباره واحدا من رجاله وقد حلت به الهزيمة، لهذا ظل يكتب مع لفيف من الكتاب والادباء والفنانين، المقالات العنيفة التي تهاجم بضراوة نجيب الريحاني وهزليات ''كشكش بك'' وهزليات علي الكسار، وكانت الصحف تنشر لهم هذه المقالات التي تدفع بالريحاني الى التعاقد مع هذه الصحف والمجلات لنشر مسرحياته كي تتوقف عن نشر تلك المقالات التي تهاجمه بضراوة، نجحت خطة الريحاني واصبحت الصحف والمجلات تعتذر لزكي طليمات وزملائه عن نشر مقالاتهم الهجومية الساخنة، ووصل الامر بزكي طليمات الى طباعة مقالاته التي ترفضها الصحف فيما يشبه المنشورات التي استأجر من يوزعها على الناس في شارع عماد الدين ولصقها على جدران مسرح الريحاني اثناء الليل، بهذا تولدت الكراهية والعداء بين زكي طليمات ونجيب الريحاني الذي لم يكن قد رأى زكي طليمات من قبل او التقى به انما كان يعرفه من اسمه الذي يوقع به تلك المقالات النارية في الصحف والمنشورات، الى ان حدثت المقابلة بينهما في عام 1922 التي وصفها طليمات بانها كانت مقابلة مثيرة في مقهى ''فينكس'' الذي يقع على بعد مائة متر من مسرح الريحاني، وما كادت مراسم التعارف تجري بينهما على يد صديق حتى بادره الريحاني قائلا ''بأه حضرتك.. فلان؟''، فقال زكي طليمات بكل تعالي ''ايوه..يااستاذ فلان..''فبادره الريحاني قائلا في غيظ ''ايه الحكاية بيني وبينك يا اخي..هوانا اتجوزت الست والدتك؟''، فقال طليمات ساخرا ''يا ريت''، فبادره الريحاني ''قلت عنك جايز يكون ممثل كحيان.. او موظف بيغير ريقه على طبق ملوخية؟، بنفس السخرية رد عليه طليمات قائلا ''يا ريت''، فقال الريحاني بغيظ ''امال نازل فينا طحن ليه''، بكل برود قال طليمات ''مزاج'' فبادره الريحاني ''وده مزاج ايه العكر ده..حضرتك فتوة؟''، بتحدي قال طليمات ''عند اللزوم''، ضحك الريحاني وهو يعيد السؤال مستفسرا عن الحقد الذي يكنه له طليمات، اجابه برباطة جأش ''انت بتشتغل في التمثيل عشان تعمل فلوس''، اجابه الريحاني ''وعايزني اشتغل في التمثيل والحس صوابعي؟''، فكان الرد ''انت بتضحك على الناس ''انا فرد الريحاني ''طب ما تعملوا زي''، الكمه طليمات قائلا ''ما نقدرش نعمل التهجيص بتاعك''، كانت العبارة قاسية لكن الريحاني تلقاها بضحكة مدوية يخالطها الكثير من الاشفاق فانبرى يتكلم والعرق يتصبب من جبينه وهو يمسح العرق بمنديل بين يديه قائلا ''انتم بتقدموا في رواياتكم نابليون ولويس وبلاد تأكل القطط وتركب الافيال، انا اقدم دقدق وسيد وحلويات وشلبية، الجمهور المصري يريد ان يكون غذاؤه الذي يتناوله مثل المسرح الشعبي الذي يجد نفسه فيه، عايزين الجمهور يحبكم يابتوع المسرح الجاد، وزعوا عليه قواميس وجربوا، خلوا الممثلين بتوعكم ما يبالغوش في مط الكلام والصراخ والتجعير''، احس طليمات بان الريحاني هزمه بالضربة القاضية فهب واقفا لينصرف لكن الريحاني ناوله المنديل الذي كان يجفف به عرقه قائلا ''استني، المنديل بتاعك الظاهر خذته من جيبك وانا مش واخذ بالي، عرقي وعرقك في منديل واحد، يبقى ها يجي يوم نحب فيه بعض''، الكراهية تحولت لمحبة وصداقة بين طليمات الذي اصبح يتردد على الريحاني خلف الكواليس، ويقول طليمات عن الريحاني في نهاية اوراقه انه كان مثل الشمعة التي تحترق من اجل اضحك واسعاد جمهوره.
(زوج روز اليوسف)
كان زكي طليمات يجري في ايام فتوته الى حيث تمثل روزاليوسف، اينما انتقلت من فرقة لفرقة، كان تمثيلها يدخل في نفسه شيئا من التسلية، وشبع لوجدانه وخياله على حسب وصفه، كان يتمنى لقاءها وجها لوجه في اي مكان بعيدا عن خشبة المسرح، سنحت له الفرصة على يد واحد من كبار كتاب المسرح عندما قاما بزيارتها في منزلها، فتحت لهما الباب بنفسها، كانت تحمل في احدى يديها سكينا وفي اليد الاخرى فحلا من البطاطس، سارت بهما الى حجرة الاستقبال، قدمه اليها المؤلف المسرحي بوصفه من هواة التمثيل الذين يرجى منهم خيرا للمسرح واضاف بانه من اشد المعجبين بها، فنظرت له وهي تقول ''اسمك ايه يا شاطر؟''، مفاجأة السؤال وطريقة صياغته عقدت لسانه في البداية، فقال لها اسمه الذي قابلته بضحكة وهي تقول ''طب اسم زكي ومفهوم، لكن سي طليمات ده يبقى ايه؟'' اسقط في يده لانه لا يعرف ماذا يعني طليمات، اخرجته من حيرته عندما سألته ''بتحب التمثيل وعاوز تشتغل ممثل؟، اخذ يعبر بطلاقة عن عشقه للتمثيل وقدرته على التعبير وفاض واستفاض لكنها قاطعته قائلة ''تعرف تقشر بطاطس؟'' اصابه الوجوم من السؤال فبادرته قائلة ''طيب، تعرف تطبخ؟'' اجاب بالنفي فقالت ''تعرف ترقص كويس؟''، تجرأ وهو يسألها في دهشة عن علاقة المطبخ والرقص بهواية التمثيل على المسرح، فاجابته بجدية شديدة قائلة ''لما تبقى تعرف العلاقة دي حا تبقى ممثل كويس''، ترك بيت روزاليوسف وهو يحسب انها تسخر منه، لكنه يقول ''لكني بعد السنوات الطويلة التي قضيتها محترفا للتمثيل والاخراج المسرحي علمتني ان الممثلة النابغة لم تكن تهزأ بل كانت في غاية الجد، فالدور التمثيلي بين يدي الممثل يجتازعملية حاذقة في ''الطبخ'' ليخرج ناضجا فوق المسرح، وتيقنت ان بين الرقص وفن الممثل علاقة وثيقة فهما يقومان على اسس واحدة، الايقاع والانسجام والرشاقة في التعبير''، ترك زكي طليمات وراءه بيت الممثلة التي سلبت كل مشاعره دون ان يدري انه بعد سنوات من هذه المقابلة سليتقي بها من جديد اما ''المأذون''، ليصبح لها الزوج والخصم الذي يتبادل معها الدفع بالاكتاف والايدي في سبيل اثبات ذاتيته وفرض شخصيته على الآخر.
(الآنسة سيدة الغناء)
شارك زكي طليمات السيدة ام كلثوم بطولة فيلم ''نشيد الامل'' واثناء تصوير هذا الفيلم توثقت العلاقة بينهما بدرجة كبيرة جدا، اثناء التصوير ايضا حدثت بينهما ثلاثة مواقف غاية في الطرافة، خاصة وان زكي طليمات كانت له سوابق في محاولة استدراج ام كلثوم لخشبة المسرح الغنائي عندما طرح عليها تمثيل رواية ''كارمن'' فرفضتها لان البطلة تعيش من جعل الرجال لعبتها، ولم ترتح لـ ''غادة الكاميليا'' عندما عرضها عليها، وارتاحت لاوبرا ''حلاق اشبيلية'' التي بدأ في ترجمتها تمهيدا لوضع الحانها، لكن ايا من هذه المشاريع لم تظهر للنور لتردد ام كلثوم، نعود للموقف الاول الذي جرى بينهما ونترك طليمات يرويه باسلوبه فيقول ''جرى الموقف عندما قدمني اليها احد المساهمين بالمال في انتاج الفيلم، وهو صاحب مال ووجاهة وكرش، وعرف بتعاطي الجد والعبوس والآراء الرجعية المتخلفة، ويبدو ان هذا الوجيه شاء ان يذكرني بما يجب ان اكون عليه من مظاهر الخلق الطيب في معاملة ام كلثوم، فانطلق يعدد محاسن نشأتي، وما كاد الوجيه ينتهي من خطابه حتى ارتفع صوت ام كلثوم يعلق ''ماشاء الله واحلى بالشباب المستحي، الشباب الناهض.. عد يا شاطر من واحد لعشرة علشان اسمع صوتك''، وموضع العجب من جانبي انني اخذت اعد واحد.. اثنين.. ثلاثة''، بعدها جاء الموقف الطريف الثاني بين ام كلثوم وزكي طليمات امام الكاميرا اثناء تصوير مشهد عاطفي دافىء يقضي بان يطوق زكي خصر ام كلثوم، وما ان فعل هذه الحركة حتى انطلق صوت من جنبات الاستديو من احد عمال الاضاءة يقول ''ايدك يا حنش''، نترك زكي طليمات يستكمل سرد ما جرى بنفسه عندما يقول ''لا اعرف كيف عادت يدي الى جانبي، لانني قفزت في اتجاه العمال وامسكت بخناق احدهم ادق وجهه بقبضة يدي، وتدخل المخرج معتذرا بان هذا العامل من مجاذيب الست ام كلثوم''، ويروي زكي طليمات الموقف الثالث الذي كان اكثر سخونة وتأزم بقوله ''وانا اتهيأ لاداء لقطة تقضي بان اعانق ام كلثوم عناقا حارا لاطبع على فمها قبلة الشوق بعد فراق طال بيننا في احداث الفيلم، تقدمت الى اداء هذه اللقطة بحذر شديد اذ لم انس صرخة العامل الذي قال من قبل ''ايدك يا حنش''، لكن المخرج لم يعجبه آدائي بدعوة ان القبلة باردة وان العناق لا يزيد عن حركة جمبازية، وامر بان اعيد آداء المشهد مع الكثير من الحرارة والانفعال العاطفي، ودارت الكاميرا، واذا بصاحبنا الوجيه المتزمت يصيح مطالبا بوقف التصوير، ثم التفت نحوي وهو يقول ''احنا في مصر بلد المسلمين ولسنا في امريكا، ايه البوسة الطويلة دي؟''، ابتلعت ثورتي وانا اكرر ''شي الله يا ست'' فكان جواب الست ''جمعا يا استاذ!!''، دارت الكاميرا للمرة الثالثة، مرالعناق بسلام، وعاد الوجيه يبرطم متحدثا عن الآداب العامة والخاصة، فأحسست بنفسي تفور فورة غضب والم وخيبة، فارتميت على مقعد بعيد عن ميدان المعركة ووضعت رأسي بين يدي، لاعرف كم من الوقت مكثت وانا على هذا الحال، لم انتبه الا على وقع اقدام تقترب مني، رفعت رأسي فوجدت ام كلثوم فوقفت احتراما لها، واذ هي تهمس في اذني ''بوس زي ما انت عايز.. زي ما يتطلبه الدور منك ولا يهمك''، ودارت الكاميرا مرة اخرى، كانت عيون العمال تحاصرني، ووجه الوجيه المتزمت يطاردني، لكني لم اعبىء بكل هذا بعد ان تلقيت الامر من صاحبة الامر فقبلتها كما يقتضيه الدور، صاح المخرج مهنئا باللقطة، التفت مذعورا ناحية الوجية المتزمت فلم اجده، عدت لام كلثوم اسألها بنظرات حائرة فضحكت قائلة ''اهو كده الشباب الناهض!!''.
(الصديق اللدود)
لا يمكن الحديث عن عميد المسرح العربي الرائد زكي طليمات بمعزل عن صديقه اللدود او عدوه المشاكس يوسف وهبي بك الذي اطلق على نفسه لقب ''مبعوث العناية الالهية انقاذ فن التمثيل''، على طول سني عمر كل منهما لم تهدأ المعارك الخفية والعلنية بينهما، لاختلاف وجهة نظر كل منهما للمسرح، ودخولهما في معارك مباشرة ولدت الحقد المباشر بسبب ادارة كل منهما للفرقة القومية للتمثيل، اذ كان زكي طليمات يرى ان يوسف وهبي سطا على سرقة الادارة منه لهذه الفرقة وهو الاجدر بها، كان زكي طليمات يسخر بشكل مباشر من لقب ''مبعوث العناية الالهية'' الذي اطلقه يوسف على نفسه، وكان زكي يقول انه لقب مصطنع لم يسمع به احد من قبل ولن يسمع به احد من بعد، وكان يفسر هذا للقب بانه ينم عن النرجسية التي يتمتع بها يوسف وهبي، وحالة عشق الذات التي تولدت عنده من النشأة والتربية التي تلقاها في قصر والده الباشا الذي طرد منه عندما فكر في احتراف الفن ، فاصبح كما الابن الضال الذي عانى من الفقر والعوز والصعلكة ومع ذلك ظل مريضا، كما يقول زكي طليمات بالعظمة وعشق الذات والنرجسية، وحول انشاء فرقة رميس التي اسسها يوسف وهبي ورفض زكي طليمات الانضمام اليها بنصيحة من زوجته روز اليوسف يقول ''يوسف لم ينشىء الفرقة ويقامر بكل ثروته من اجل سواد عين الفن، او حبا في التضحية من اجله فحسب، هناك حافز آخر يكمن وراء هذه الشعارات، اعتقد انه الدافع الحقيقي لهذه المغامرة، ان يوسف فقد توازنه الاجتماعي، واحس بالارض تهتز تحت قدميه، حينما احترف صناعة التمثيل وخرج من حياة القصر الى حياة الفنادق المتواضعة ليكسب عيشه مع من هم دونه، كان هذا يؤلمه، بماله الذي ورثه اصبح صاحب فرقة لكي يسود الجميع ويعوض توازنه الاجتماعي الذي فقده''، في مقالات اخرى تحدث زكي طليمات عن ''انف'' يوسف وهبي التي عاقته لطولها وتقوسها عن اداء ادوار الفتى الاول فقام باخضاعها لمبضع الجراح فاصبح بعد العملية كما قنديل البحر في هلاميته، ولا اريد ان استفيض فيما كان زكي طليمات يكتبه ويشنه على يوسف وهبي من نقد لاذع وساخر كاد يصل به الى ان يوسف وهبي هو اكثر من قناع مزيف، شاطر في كل شيء الا التمثيل الصادق المقنع، عموما كل هذه الانتقادات مفهوم دوافعها واسبابها، وهي تحتاج لكتاب خاص وليس لمقال لشرح الصراع الذي كان قائما بينهما لان كل منهما كان يسعى لتوضيح دوره في اثراء وريادة الحركة المسرحية في مصر والعالم العربي، وظل هذا الصراع قائما حتى بعد ان تصالح الاثنان بحكم السن والشيخوخة ولكن بقي بينهما سياج اسمه '' صديقي اللدود''.
(العميد المشاغب)
شاغب زكي طليمات كثيرا من اجل تأسيس معهد الثميل العربي، دخل في معارك عدة مع وزراء المعارف والارشاد، لكنه نجح في تأسيس المعهد الذي تولى عمادته، وخرج من هذا المعهد رحيل الفنانين المتعلمين اكاديميا، واسس من اجلهم فرقة المسرح الحديث، وكان يكافح لبعث بعضهم للدراسة بالخارج على نفقة الدولة ونجح في ذلك لخلق جيل لديه احتكاك مباشر بالتيارات الفنية الحديثة في الخارج، كانت فاتن حمامة من طلاب الدفعة الاولى بالمعهد، اكتشف عندما تحدث معها انها لثغاء في حرف ''الراء'' استفزها في اسم والدها حتى جعلها تبكي بحرقة امام زملائها بالدفعة، ثم تولى تدريبها في عبارت متلاحقة تحتوي على حرف الراء ليخلصها من هذا العيب حتى نجح في ذلك واوجد لنا فنانة فذة اصبحت سيدة للشاشة العربية دون منافس، تخرج من تحت يديه جيل من النجوم في مقدمتهم فريد شوقي وصلاح منصور وحمدي غيث، وجيل من كبار المخرجين في مقدمتهم جلال الشرقاوي وكرم مطاوع وسعد اردش وآخرين، ومن الانصاف والحق الذي يجب ان يقال انه ما من نجم من نجوم العصر الذهبي او مخرج من المخرجين الكبار الا وتخرج من تحت عباءة وفكر ومدرسة وعلم زكي طليمات، بل انه كان له فضل كبير على نجوم كثيرين لم يلتحقوا بالدراسة بالمعهد من بينهم كمال الشناوي، الذي شاهده زكي طليمات في بداياته فتنبأ له بانه سيكون من كبار النجوم لانه موهبة متكاملة، وساعده في بداياته كثيرا وكان يدفع به ايمانا منه بتلك الموهبة، ولم تقتصر جهود زكي طليمات في شيوع الفن الاكاديمي بمصر من خلال تأسيسه لهذا المعهد في القاهرة انما امتدت لانحاء اخرى من الوطن العربي فأسس عام 1973 معهد الفنون المسرحية بالكويت وساهم في تأسيس اكثر من فرقة مسرحية بها واصبح له تلاميذ هناك تحولوا لنجوم واساتذة في التدريس، ولهذا يحتفل معهد الفنون المسرحية بالقاهرة كل عام باقامة مهرجان زكي طليمات المسرحي الذي يتم خلاله تكريم دفعة من دفعات الدارسين بالمعهد، ويتم خلالها تكريم عدد من الشخصيات المسرحية البارزة، وتقديم عدد من العروض المتميزة لطلاب المعهد، بهدف ان يبقى اسم زكي طليمات خالدا في الذاكرة والواقع الاكاديمي والواقع المسرحي كرمز للريادة المسرحية في مصر والوطن العربي، ولهذا سيبقى زكي طليمات الفنان والمخرج والمعلم والاستاذ والرائد الكبير خارج دائرة النسيان لما تركه وراءه من صروح تعليمية وتلاميذ اصبحوا اساتذة وخبراء ومسرحيات اخرجها يصعب حصرها.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش