الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نجوم خارج دائرة النسيان يكتبها لـ «الدستور»: احمد راتب.. تلميذ نجيب الريحاني الذي اعاد محمد القصبجي والشيخ زكريا احمد للحياة

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
نجوم خارج دائرة النسيان يكتبها لـ «الدستور»: احمد راتب.. تلميذ نجيب الريحاني الذي اعاد محمد القصبجي والشيخ زكريا احمد للحياة

 

 
* عاطف النمر:
ورث عن والده اخلاق الصعايدة وعاش طفولته وصباه في خيالات الجيش والطب والهندسة
عشق عبد الحليم حافظ فحفظ اغانيه واخذ يرددها لابناء الحي وتعلم من اجله عزف الكمان
التحق بكلية الهندسة لتفوقه ودرس التمثيل بمعهد الفنون المسرحية وحصل على الشهادتين
الغضب ينتابه عندما يتهمه النقاد والصحفيون بأنه تحول الى ظل لخيال الزعيم عادل امام

صفقت له بحرارة ، رفعت له القبعة بعد تجسيده لشخصية الموسيقار المخضرم محمد القصبجي في مسلسل"ام كلثوم" ، الناس جميعها عرفت محمد القصبجي بنظارته الطبية السميكة وجسده النحيل وهو يعزف على العود من وراء ام كلثوم في تختها الموسيقي بكل حفلاتها الجماهيرية ، هذا هو المشهد الراسخ في اذهان من عاصروا الست وحفلاتها ، لكن لا احد كان يعرف الكثير عن شخصية القصبجي اوحياته وعبقريته الفذة وحبه الجنوني لام كلثوم والروائع الغنائية التي صاغها لها ، لقد اطلعت على الكثير من الاوراق التي تروي وتسجل حياة هذا العبقري ، وحكى لي عنه الراحل سيد مكاوي الكثير من الحكايات التي تكشف عن طباعه وتبلور شخصيته العصامية المتواضعة وعزة نفسه التي كانت تطاول عنان السماء مع ذلك ، وهوايته الفريدة في جمع الساعات الكلاسيكية والانتيكات التي كان بيته يزدحم بها ، ما قرأته وما حكى لي جسّده الفنان القدير احمد راتب بعبقرية موازية لعبقرية القصبجي ، جعلني اشعر وانا اشاهده على الشاشة انني ارى القصبجي من لحم ودم ، نسيت تماما ان ما اراه على الشاشة الصغيرة هو احمد راتب انما هو القصبجي بحق ، وتلك هي عظمة وقدرة الفنان او الممثل عندما تذوب ذاته في الشخصية التي يجسدها ، فيجعلنا ننسى انه الممثل"فلان" ونعيش في وهم صادق بأنه الشخصية التي يجسدها ، صفقت له ايضا عندما شاهدته على خشبة المسرح وهو يجسد شخصية شيخ الملحنين زكريا احمد في العرض الذي تم من خلاله تكريم الشيخ ، نسيت تماما احمد راتب وتذكرت ان الذي يتحرك امامي على خشبة المسرح هو الشيخ زكريا الرجل الذي يتسم بالعمق وخفة الظل ، عشرات من الشخصيات المتنوعة التي جسدها احمد راتب طوال مشواره الفني ، تتسم جميعها بالمصداقية الشديدة والمعايشة الكاملة من حيث توحده واندماجه معها ، شخصيات لو راجعناها سيتضح لنا ما تحمله من متناقضات وتباينات ومفارقات تجمع بين الكوميديا الزاعقة والميلودراما الفاقعة ، والبعد الاجتماعي ، وتباينها في الخلفية الثقافية والاجتماعية ، ولكل منها مفرداتها الخاصة ولغة حوارها ، ومع ذلك جسدها احمد راتب بقدرة يحسد عليها تثبت انه ممثل قدير ، لا تعنيه بهرجة النجومية بقدر ما يعنيه الاختيار الجيد للادوار ، وقدرته على معايشتها بصدق وحساسية ، بالتالي فهو ممثل متميز ، لعب الكوميديا فأضحكنا برقي ونظافة بنفس قدرة نجوم الكوميديا الكبار في العصرالذهبي ، وقدم الأدوار التراجيدية فأبكانا واثر فينا ، قدم ادوارالطيبة القائمة على التمسك بالمبادىء الانسانية والاجتماعية فبرع فيها لدرجة انه اشعرنا انها ادوار ليست مكتوبة على الورق انما تتحرك بيننا في الواقع ، لم يسجن نفسه في تلك الادوار بل ظل على تنوعه ليثبت قدرته في آداء حتى الادوار الانتهازية المغلفة بمسحة من الشر والدهاء.
(تلميذ الريحاني)
لو سألني احد عن الشخصية الفنية التاريخية التي من الممكن ان يجسدها احمد راتب بلا اي مجهود يذكر بعد تجسيده لشخصية القصبجي وشخصية الشيخ زكريا احمد ، سأقول بلا تفكير او تردد انها شخصية فنان الكوميديا العبقري نجيب الريحاني ، بل اقول ايضا ان احمد راتب هو المرشح الافضل لتجسيد كل تراث الريحاني المسرحي والسينمائي لو فكر احد في اعادة تقديمه من جديد ، بين نجيب الريحاني واحمد راتب ، من وجهة نظري ، خطوط تماس مشتركة ، فهو في رأيي ، حتى ولو انكر ذلك ، تلميذ نجيب في مدرسة الريحاني ، نفس الآداء ، نفس خفة الظل ، نفس الصدق ، نفس الميل لتقديم الشخصيات الانسانية المطحونة التي تتسم بالطيبة وتتمسك بما لديها من مبادىء ، قربهما في بحة الصوت ، الفارق ان الريحاني كان بطلا مطلقا ونجما للشباك ، بينما احمد راتب بكل ما يملك من امكانيات وقدرات فنية فذة لم يتحقق له هذا الامر حتى الآن لظروف موضوعية فرضت نفسها على الفترة التي ظهر فيها ، وظروف شخصية اعتقد انها تتعلق بمنهج في تفكيره جعله يستسلم لان يكون دائما الرجل الثاني او البطل المساعد للبطل الرئيسي ، واتضحت هذه الظاهرة في مرافقته للنجم عادل امام الذي يستعين به في اغلب افلامه واعماله الفنية ، حتى ان احمد راتب اتهم من البعض بأنه تحول الى ظل او خيال يرافق عادل امام النجم المطلق ، عموما المسألة شائكة ، لقد تعرفت على احمد راتب لأول مرة على ما اتذكر في نهاية السبعينيات اثناء مشاركته لفؤاد المهندس في بروفات مسرحية "سك على بناتك" ، من هذه المسرحية عرف الناس احمد راتب ككوميديان صارخ له طعم ومذاق مختلف ، توقعت بعدها ان ينفرد بعد ذلك بالبطولة المطلقة التي تضعه في مصاف النجوم الاوائل ، اخذت اتتبع رحلة الصعود التي فتحت امامه الطريق ليفرض شروطه ويحدد مكانته كنجم مطلق وبطل من ابطال الشباك ، لكنه للاسف الشديد لم يحقق ذلك لان الظروف الموضوعية في تلك الفترة حالت دون ذلك ، لقد ظل نجوم السينما في تلك الفترة في حالة سيطرة تمامة على اماكنهم بما لا يتيح للآخرين اختراق هذا الجدار المفروض من المنتجين والمخرجين لهؤلاء النجوم ، ظلت السينما تدور في فلك حسين فهمي ونور الشريف ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز وعادل امام ، اعتمادا على منطق وسامة النجم كفتى اول ، الوحيد الذي كسر هذه القاعدة عادل امام لظروف المتغيرات الاجتماعية في مرحلة الانفتاح الاقتصادي التي قلبت كل الموازين ، وحطم القاعدة ايضا النجم الاسمر الراحل احمد زكي لنفس الظروف الى جانب عبقريته الفذة في الآداء ، وانطلق يونس شلبي كظاهرة كوميدية غريبة على الناس ، بينما فشل محمد صبحي وسعيد صالح مع السينما ، فتركها الأول مكتفيا بما يحققه من نجاحات على المسرح وتحول الثاني الى سنيد للبطل الأول ، في ظل هذا المناخ جاء احمد راتب ليبحث لنفسه عن قدم لكنه اصطدم على ما يبدو بتلك المفاهيم القائمة على معادلات تجارية يعنيها الشكل اكثر من قدرة وكفاءة الفنان ، فكان امامه خياران لا ثالث لهما ، اما ان يجلس في بيته انتظار لفرصة البطولة المطلقة ، واما ان يطرح وراء ظهره فكرة النجم المطلق ويتحول الى ممثل قدير يرى نفسه بطلا ونجما مطلقا في اي دور يسند له ، في الحقيقة لقد استفاد احمد راتب من هذا الطرح كثيرا ، وضع امامه صورا للكثير من العمالقة الذين لم يحالفهم الحظ بان يكونوا نجوما أوائل او نجوما للشباك ، تذكر زكي رستم ومحمود المليجي وعبد المنعم ابراهيم وعبد السلام النابلسي وعبد الفتاح القصري وغيرهم من نجوم العصر الذهبي الذين عاشت اسماؤهم حتى الآن بين الناس ، بينما انزوت اسماء لابطال كانوا في مقدمة نجوم الشباك ، اراد احمد راتب وفق هذه الظروف ان يقول للجميع انه ممثل ، وممثل شامل وقدير ايضا ، رفض ان يتم سجنه في دائرة التنميط ، انسلخ من الكوميديا بعد "سك على بناتك" لتقديم اوراق اعتماده لدى الجمهور والنقاد في اوار اخرى بعيدة تماما عن الكوميديا فأثبت ذاته فيها ، اختار كما قال لي ان يسير في الطريق الصعب ، فقال "ما كان اسهل من ان استمر في الخط الكوميدي واحقق من خلاله نجومية وجماهيرية عريضة تضعني في المقدمة لكنني رفضت الاستمرار في خط واحد وقبلت التحدي بيني وبين نفسي ، افضل ان اصنف كممثل من الطراز الأول ولا افضل تسمية اخرى ، لان الممثل الذي يحبس نفسه في نوعية واحدة من الأدوار سيحرم نفسه من اعمال اخرى عديدة ، وقد اخترت النجومية البطيئة وصعود السلم درجة درجة حتى حققت مكانتي الفنية ، سرت على خط عمالقة الفن امثال زكي رستم ومحمود المليجي وعبد الفتاح القصري وعبد الوارث عسر ، هؤلاء وامثالهم لم يكونوا نجوم شباك ورغم ذلك فهم الذين خلدهم التاريخ ولم يخلد نجوم الشباك في ذلك الوقت ، اخترت طريقهم واسيرعلى نفس منهجهم لأنه طريق يحقق حب الناس والبقاء في قلوبهم" ، قد يقول قائل ان احمد راتب ربما يقول ذلك تبريرا لأنه لم ينجح من البداية في ان يفرض نفسه كبطل مطلق للشباك ، لكني اؤكد بحكم معرفتي باحمد راتب الطويلة انه على قناعة تامة بأن عالمنا العربي هو العالم الوحيد المصاب بعقدة النجم المطلق ، ولديه ايمان شديد بأن هناك ممثل او لا ممثل ، ويؤمن ايضا بأن الممثل هو الابقى لأنه يغير جلده دائما وينوع في آدائه في عدد كبير من الشخصيات التي ستبقى ويحيا بها.
(الجذور الصعيدية)
قبل ان نتعرف عليه وعلى رحلته مع الحياة والفن ، اود اولا ان اقدم بورتريه موجز له من خلال معرفتي له ، يتسم احمد راتب بالطيبة الشديدة والبساطة الاشد ، مرح ، يخجله الاطراء ، ابتسامته ودودة ، مسالم ولا يهوى المشاكل ، ليس لديه وقت ليضيعه في التفاهات ، لديه قدرة كبيرة على تحمل العمل المتواصل الشاق ، وقدرة اخرى في معايشة اكثر من شخصية في وقت واحد ، تجدها امام كاميرات السينما في شخصية طيبة ، بعدها بساعة او ساعتين تجده امام كاميرات التليفزيون في شخصية اخرى قد تكون متناقضة تماما مع الشخصية الأولى ، في المساء تجده على خشبة المسرح يضحك الناس برقي ودون اسفاف اوابتذال ، في احيان كثيرة يدهشني بتلك الطاقة الفنية المتفجرة التي تجعله عصبيا في اغلب الاحيان ، مشكلته عندما يتوتر ، مشكلته ايضا انه يسهل استفزازه بسرعة شديدة فيثور ويغضب ولكنه يعود لعدوه بسرعة بعد ان يضع النقاط فوق الحروف لينهي الموقف بعدم العودة اليه مرة اخرى حرصا منه على عدم تكراره ، مع ذلك فهو يتسم بطيبة شديدة تلمسها في بساطته وترحابه ، ابن بلد حقيقي لديه من عزة النفس ما لايمكن وصفه ، اسمه الكامل احمد كمال الدين راتب ، لا يمت باي صلة قرابه بالفنان جميل راتب كما يعتقد البعض ، او الفنانة عقيلة راتب او الفنان فؤاد راتب ، والفنانة الشابة جيهان راتب ليست ابنته كما اشاع البعض ، بل انه لم يستطع كتم غضبه عندما وصله انها تشيع ذلك ، في البداية لم يكن يهتم بما يشاع ويقال منها او من الغير ، على اعتبار انها فنانة شابة مثل ابنته ، ولكن عندما قدمت كليب مثير خرج ليعلن عن غضبه مما روجه البعض بانها ابنته او ما تقوله هي لكي يضع النقاط على الحروف ، ولد عام 1948 لاب صعيدي وعاش طفولته وصباه وشبابه في شارع عبد المجيد اللبان بحي السيدة زينب ، ولده من ابنوب الحمام بمحافظة اسيوط وهي احدى قرى بني مر مسقط رأس الزعيم جمال عبد الناصر ، نزح والده للقاهرة ولم يكن متعلما ، لكنه علم نفسه بنفسه حتى تمكن من اللغة العربية وكان يكتب الشعر ، بل انه تولى الانفاق على اخوته حتى اكملوا تعليمهم فاصبح واحد منهم وكيل وزارة والآخر لواء بالشرطة ، تزوج والده ثلاث مرات ، الأولى كانت من الصعيد لكنها توفيت اثناء الولادة فتزوج من اختها التي لم يرتح معها ، احب والدة احمد فتزوجها وانجب منها اربعة ، ولدين وبنتين ، وظل محافظا على زوجته الصعيدية وزوجته القاهرية معا ، حينما انجب احمد كان قد بلغ الخمسين من عمره ، فلم يشعر احمد راتب بسطوة الاب التي تعامل بها مع اشقائه الآخرين الذين عانوا من صعوبة شخصيته الصعيدية المتزمتة في التربية ، لكن اهم ما كان يميز شخصية والده كما قال لي احمد راتب انه كان متفتحا ومتنورا وعادلا في معاملته بين اولاده الذكور والاناث ، لم يكن منغلقا بدليل انه سمح لابنته ان تلتحق بفريق التمثيل بالمدرسة والجامعة ، تأثر احمد راتب بشخصية والده كثيرا ، وتأثر اكثر بالمناخ الشعبي الروحي الذي يشاع في حي السيدة زينب ، ذلك المناخ الذي اسهم في تكريس شخصيته كممثل بشكل مبكر دون ان يدري ، مثل كل اطفال الحي لعب الكرة الشراب في الازقة والحواري ، الاسرة متوسطة الحال وليست على ثراء يسمح له غير بقميص وبنطال وحذاء كل عيد ، وضعه الاجتماعي ووجوده في هذا المناخ جعله يسرح دائما بخياله في الواقع المحيط به ، جعله يختزن في داخله الانماط التي يتسم بها البشر من حوله ، كان شقيقه الكبير ضابطا بالقوات المسلحة ، عندما يراه مرتديا البدلة العسكرية ، يسرح بخياله متخيلا نفسه في تلك البزة المهيبة ، يفيق من خياله لخيال آخر عندما يذهب للنجار المجاور لبيتهم ويحصل منه على قطعة من الخشب يكتب عليها بالفرشاة والزيت "دكتوراحمد راتب" ويذهب ليعلقها على شرفة المنزل فيضحك منه كل اهل البيت ، دون ان يدركوا الرغبة المختزنة في داخله ، مرة يريد ان يكون ضابطا ، مرة اخرى يريد ان يكون دكتورا ، ومرة ثالثة يسرح بخياله ليصبح مهندسا ، عاش طفولة مشبعة بالخيال ، لا يدري وقتها انه كان يمارس التمثيل وهو لا يدري من خلال تقمصه لشخصيات هذه المهن.
(التمثيل بالصدفة)
اشتهر احمد راتب في طفولته بانه محب للغناء ومقلد جيد للمطربين ، كان يعشق صوت عبد الحليم حافظ ويحب اغانية ، عاش رومانسية مبكرة ، كانت اي اغنية تذاع للعندليب يحفظها من مرة واحدة ويجتمع مع اقرانه على ناصية الحارة ليسمعهم اللحن بالكلمات وهو في حالة اندماج رومانسي فطري لا يعرف له سببا ، لم يكن يدرك وقتها ان تدربه المتواصل على ذلك الامر خلق لديه اذن موسيقية تعرف معنى الايقاع الذي سيخدمه فيما بعد في التمثيل الذي يعتمد هو الآخر على الايقاع الدرامي ، عندما التحق بالمدرسة الابتدائية عشق الموسيقا اكثر والتحق بفريق المدرسة الموسيقي وبدأ في تعلم العزف على آلة الكمان حتى تمكن منها ، في نهاية اليوم الدراسي كان التلاميذ الملتحقين بالانشطة المدرسية لا يغادرون المدرسة للتدريب على هذه الانشطة ، ذهب الى فصل فريق التمثيل ليبحث عن زميل له يسكن بجواره ، طرق الباب ، طل برأسه بحثا عن زميله ، امره مدرس التمثيل بالدخول ، دخل وجلس في ادب شديد وتركيز اشد ، كان المدرس يقرأ مسرحية على نلاميذه ، فجأة طلب منه المدرس ان يقرأ احد الادوار المكتوبة في النص ، بدون ارتباك او خوف او تردد اخذ يقرأ الدور بطريقة تمثيلية معبرة عن الحوار ، ظهرت دلالاتها على وجهه وحركات يديه ، بهر الاستاذ من تلك الخامة الفطرية المؤهلة للتمثيل فقرر ان يسند له الدور ، ظهر احمد راتب الصغير على خشبة المسرح المدرسي في نهاية العام يؤدي الدور الذي تدرب عليه وتمكن منه ، كان قد ترك فريق الموسيقا وانضم لفريق التمثيل ، نسيى ما تعلمه في عزف الكمان ، لكن المدرسة فازت بالمركز الأول بهذه المسرحية على كل مدارس الجمهورية ، واشادت لجنة التحكيم بآدائه الخاص في المسرحية وتوقع كل اعضائها له بمستقبل باهر في عالم التمثيل ، هذه الاشادات جعلته يعرف طريقه من تلك السن المبكرة فاصبح عاشقا للتمثيل مبهورا بخشبة المسرح وعالمها الساحر ، ظل على هذا الحال طوال المرحلة الابتدائية والاعدادية والثانوية عضوا بارزا في فريق التمثيل بكل مرحلة منها ، حصل على الثانوية العامة وجاءت مرحلة تقرير المصير وتحديد المستقبل ، اجتمعت الاسرة واتفقت على دخوله كلية الهندسة ، كان متفوقا في دراسته ومجدا ومجتهدا فأتى بمجموع متفوق يؤهله لدخول الهندسة ، ظلوا يقولون له لقب "باشمهندس" كان للكلمة جرس ورنين في أذنه جعله يجنب رغبته في دراسة المسرح ، لانه بالفعل اراد ان يناديه الناس فيما بعد بلقب "الباشمهندس" ، التحق بالفعل بكلية الهندسة ، ومن العام الأول ظل يبحث عن المدرج الذي يجتمع فيه فريق تمثيل الكلية لكي يلتحق به ، اراد ان يصل حبه القديم بواقعه الجديد ، فوجيء في نهاية العام انه قد رسب في مواد الهندسة ، اعتبرها كبوة سوف يتجاوزها ، فاتحه والده بانه رسب بسبب انشغاله في فريق التمثيل ، احس احمد راتب بشعور داخلي انه لن يفلح في دراسة الهندسة وفاتح والده في رغبته بالتحويل لمعهد السينما او الفنون المسرحية ، لكن الوالد لم يقف امام رغبته ، طلب منه الا يخبر شقيقه ضابط القوات المسلحة بشيء من هذا ، ونصحه بان يقدم اوراقه لمعهد الفنون المسرحية ليدرس التمثيل والهندسة معا حتى لا يضيع على نفسه فرصة دراسة الهندسة والشهادة التي يفلح فيها تكون سندا له ، بالفعل نفذ احمد راتب نصيحة والده وظل على هذا الحال حتى حصل على بكالوريوس الهندسة قسم ميكانيكا عام 1975 وكان قد حصل على بكالوريوس معهد التمثيل قبلها بسنة في عام 1974 ، لم يعمل ببكالوريوس الهندسة لأنه فور تخرجه من معهد المسرح تم تعيينه ممثلا بمسرح الطليعة ، كان خاله على صداقة وطيدة مع الشاعر الراحل صلاح جاهين والموسيقار الراحل سيد مكاوي ، وقد تعرف عليهما في بيته ونصحاه معا بان يواصل مشواره في مجال التمثيل طالما انه يحب هذا المجال ، من راتبه الذي يحصل عليه من مسرح الطليعة الذي بدأ يقدم فيه الاعمال المسرحية التجريبية الطليعية قرر ان يتزوج ويكون اسرة لتحقيق الاستقرار العائلي ، كانت ابنة خاله تصغره بست سنوات وتحمل مسحة فنية وراثة عن والدها صديق الفنانين والشعراء ، بدون ان تنشأ بينهم اي قصة حب سابقة تقدم احمد راتب للزواج من ابنة خاله ، اي انه تزوج زواجا تقليدا ، لانه ممن يؤمنون بان الحب يتولد مع العشرة ، وهو ممن لا يؤمنون بكلام الحب الذي يأخذ وقته وينتهي عندما تقابله مشاكل لا يستطيع الطرفان حلها ، وبالفعل تولد الحب بينه وبين زوجته بالعشرة التي نتج عنها انجاب ثلاث بنات أثنتان منهما تدرسان بكلية الالسن والثالثة في المرحلة الثانوية ، ابنته الكبرى "لبنى" قدمت تجارب تمثيلية قليلة لكنها نجحت بشهادة النقاد والجمهور ولكنها فضلت التفرغ لدراستها اولا وبعدها تتفرغ للتمثيل من جديد ، وكانت قد شاركته في مسرحية "المدرسون ودروسهم الخصوصية" وحققت فيها حضورا قويا ، ومن سمات احمد راتب انه يتعامل مع بناته بروح ديمقراطية شديدة مغلفة بنوع من الصرامة في التربية التي ورثها عن والده ، يعتبر بناته صديقات له ، لم يتدخل مطلقا في فرض نوع الدراسة عليهن ، لم يجذب لابنته مجال التمثيل لكي ترث مهنته ، انما هي التي عبرت عن رغبتها فسمح لها ، وعندما طلبت التوقف لكي لا تنشغل بالدراسة والتمثيل في وقت واحد لم يعارضها ، وما يجب الاشارة اليه الى جانب ذلك ان الحب الأول ويكاد يكون الوحيد في حياة احمد راتب هو حبه لعمله والتزامه الشديد تجاهه واخلاصه له ، في احيان كثيرة لا ينام الا لساعات قليلة جدا بسبب ارتباطاته الفنية الكثيرة ، وبحكم ما يتسم به من التزام شديد يأتي كثيرا على نفسه ووقته وصحته ووقت بيته وبناته واسرته.
(ظل عادل امام)
لكثرةعمله في افلام عادل امام اتهم احمد راتب من قبل الكثير من النقاد والصحفيين بانه تحول الى ظل لخيال عادل امام ، وقيل انه يقبل في تلك الافلام ادوارا قد تكون صغيرة ليست بحجم موهبته وقدرته الفنية ، ربما يكون آخرها في فيلم "عمارة يعقوبيان" ، وقبلها في فيلم "السفارة في العمارة" و"طيورالظلام" و"الارهاب" و "الارهاب والكباب" "جزيرة الشيطان" و"التجربة الدنماركية" وغيرها من الاعمال الناجحة المتميزة ، عندما يسمع احمد راتب كلمة "ظل" ينتابه الغضب الشديد شعورا منه بالظلم او التقليل من شأنه ومكانته الفنية ، فيندفع منبريا مدافعا عن عادل امام اكثر مما يدافع عن نفسه فيقول "من حسن حظي ان اسمي ارتبط باسم عادل امام في العديد من الافلام التي اقتربت من العشرين فيلما ، وهذه حالة نادرة وغريبة في الوسط الفني لانه قلما نجد فنانا يمد يد المساعدة لفنان آخر ، وانا واحد من المعجبين بعادل امام حتى قبل ان احترف التمثيل ، فقد كان ومازال نجمي المفضل ، عملي معه علمني كيف اكون طبيعيا وهادئا" ، من حق احمد راتب ان يغضب ويثور وينفعل لمثل هذه الاتهامات التي تنظر لقشور المسألة دون ان تغوص في عمقها ، فهل مثل هذه الكتابات وتلك الاقاويل تطالبه بان لا يشارك عادل امام في اي عمل فني؟ وان كان الامر كذلك فما المقصود منه بالضبط؟ ، تلك هي الاسئلة التي يطرحها احمد راتب على نفسه كلما يثار معه هذا الموضوع في اي لقاء صحفي او تليفزيوني ، احمد راتب يريد من الآخرين ان يناقشوا ادواره التي قدمها مع عادل امام في افلامه ، يريد ان ينتقدوه في المعايشة والآداء ، يريد ان يكون النقد موضوعيا لكي يستفيد منه ويصوب اخطاءه ان كانت هناك اخطاء يرونها ، لا يريد ان ينصب الهجوم عليه من باب علاقته الحميمية بافلام عادل امام فقط ، لنكن موضوعيين كما يطالب احمد راتب ونناقش دوره المؤثر العميق الذي اداه في فيلم "الارهاب والكباب" مع عادل امام ، لنتعرف على قدرته الفذة في خطف الكاميرا وجذب عين المشاهد لشخصية الصعيدي ماسح الاحذية الغامض القابع في مجمع المصالح الحكومية هربا من الثأر ، الذي يشاهد بعينه الظلم والفاقة ، ونال عن هذا الدور جائزة التمثيل في مهرجان تونس السينمائي ، تعالوا لنرى الدور المناقض تماما الذي اداه مع عادل امام في فيلم "طيور الظلام" ، دور زميله الجامعي القديم الذي يعيش بشرف ومتمسك بمبادئه رغم احتياجاته الاسرية الصعبة التي تشكل عليه ضغوط قاسية ومع ذلك رفض معاونة صديقه طالما انها مشبوهة وتختلف مع ما يحمله في داخله من مبادىء لا يفرط فيها ، انه الشخصية الوحيدة التي تتسم بالنقاء في هذا الفيلم في مقابل الفساد السياسي والفساد عند من يتاجرون بالدين من اجل السيطرة والوصول للسلطة ، تعالوا لنرى دوره في فيلم "الارهابي" مع عادل امام ايضا الذي جسده بعمق يحسد عليه ونال عنه جائزة التمثيل في مهرجان القيروان ، تعالوا ايضا لنرى دوره الكوميدي الساخر مع عادل امام في فيلم "عديلة وبخيت" وفيلم "الجردل والكنكة" ، ودور المحامي راتب الذي جسده في فيلم "السفارة في العمارة" وجرأته الشديدة في تجسيد دور سكرتيرعادل امام في فيلم "عمارة يعقوبيان" وتطرقه لمفردات الشخصية المسيحية التي كانت نقيضا لشخصية شقيقه الشريرة التي جسدها احمد بدير في الفيلم ، واحساس احمد راتب الانساني والفني الراقي بقبوله هذا الدور القصير ايمانا منه باهمية البطولة الجماعية في السينما التي اختفت منذ زمن بعيد ، لنفض الاشتباك بعيد عن افلام عادل امام التي اتهم احمد راتب بانه تحول الى ظل له في هذه الافلام ، لان احمد راتب ليس جالسا في بيته ولا يغادره الا عندما يطلبه عادل امام للعمل معه ، تعالوا نرى عبقريته الفذة بعيدا عن عادل امام في تجسيد شخصية محمد القصبجي بمسلسل "ام كلثوم" ، تعالوا نراجع ادواره الكوميدية والانسانية التي جسدها في عدد من المسلسلات بعيدا عن عادل امام ومنها على سبيل المثال "راجعلك يا اسكندرية" و "مبارة زوجية" و "طائر الحب" و "الحلم والوهم" و"سارة" الذي جسد من خلاله شخصية الدكتور فوزى المتمسك بالمبادىء التي تعتقد زوجته انها انقرضت ، فيصر على ان تبقى عيادته في الحي الشعبي ويعالج الغلابة بخمسة جنيهات ، مما يجعل زوجته ترى فيه صورة من صور الجنون ، الى جانب شخصية "الصحفي التي قدمها في مسلسل "طائر الحب" بمنهج آداء واقعي مختلف لصور الصحفي النمطية التي قدمتها الكثير من الاعمال الفنية من قبل ، ودوره الكوميدي الفاقع الجاد في مسلسل "الحب والوهم" مع مدحت صالح الذي يناقش فكرة الطموح من خلال الكومبارس و الذي جسد فيه شخصية "حسن السبع" صديق البطل ، لا اريد ان اسرد المزيد من اعماله التي تجعلنا نتوقف امامها بتأمل لندرك اننا امام فنان قدير بكل معنى الكلمة ، يدقق في اختياراته بعناية ، لا يقبل الا العمل والشخصية التي تحمل رسالة معينة ، اخلاقية كانت او اجتماعية ، لايمانه بان الدور لا يقاس بالمتر انما بحجم تأثيره في العمل وعند الناس ، وايمانه ايضا بان الممثل ممثل ونجم في حدود تأثيره في الدور الذي يؤديه ، لهذا اؤكد ان احمد راتب يملك قدرة وموهبة فنية تلقائية تفوق الكثير من قدرة نجوم الشباك الذين يموتون بمجرد انسحاب بريقهم المؤقت.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش