الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تــأمـــلات فــــي ظـــلال الحكمــــة

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 03:00 مـساءً


د.جميل ابو سارة

المفاهيم الحضارية التي قررها القرآن الكريم، كالوحدة، والعبادة، والعدل، ونحوها
هي ذاتها التي كانت منتشرة في الفضاء “الجاهلي”
ومع ذلك فالقرآن لم يهملها
بل كان فاعلا في تحديد مضامينها الجديدة، وإضفاء أبعاده الخاصة عليها
حتى كثير من المفاهيم العبادية المحضة، كالصلاة والحج والصيام كانت منتشرة قبل الإسلام
فلم يستبدلها القرآن الكريم، رغم أنها مثقلة بالشحن الجاهلي في عقول أكثر العرب يومئد، وإنما عمل على إعادة مفهمتها من المنظور التوحيدي
وهكذا ما نعيشه اليوم من ثورة مفاهيمية كونية مشتركة، تصك لنا بين الحين والآخر كل جديد، من أمثال مفاهيم “التنوير”، و”النهضة”، و”الحداثة”، و”الديمقراطية”، و”الحرية”، و”العولمة”، وما بعدها
فإن من الخطأ أن نتعامل معها بالإهمال تارة، وكأنها لا تملأ فضاءات الدنيا كلها
أو باستبدالها بكلمات تراثية قديمة لإثبات التفرد والتميز تارة أخرى
فهذان المنهجان مآلهما الفشل، بل وزيادة الهوة وخسارة المعركة
وهو ما أكد عليه طه عبدالرحمن في شرحه لمرتبة “الاندماج في الفضاء المفهومي الكوني”
يعني به “أن يختار المجتمع المسلم تلقي المفاهيم المخترعة، فاعلا في مضامينها، فيكون هذا الاندماج عبارة عن انخراط واع، يحفظ قدرة أبنائه على إبداع الأفكار، وإنتاج المعارف” [روح الحداثة، ص266]
ولهذا فرق هو بين “الحداثة المقلدة”، و”الحداثة المبدعة”، في محاولة منه للانخراط الواعي في تداول مفهوم “الحداثة”.
أعتقد أنها فكرة جليلة، حقيقة بالتأمل والتفكر
2 - حتى الشياطين أنصفهم القرآن، فذكر لهم بعض الأعمال النافعة
(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) الأنبياء/82
وأيضا “الجاهلية”، أنصفها النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ما فيها من خير
(شَهِدْتُ غُلامًا مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي أَنْكُثُهُ) [مسند أحمد]
(إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلَاقِ) [الأدب المفرد]
(يا أبا بكر! أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم) [دلائل النبوة]
كلها أمثلة في سياق “الاندماج في الفضاء المفهومي الكوني” الذي قصده الدكتور طه عبدالرحمن
3 - لما بحث ابن قيم الجوزية سبب إذكار الجنين أو إيناثه
سارع إلى اتهام كلام ابن سينا بالبطلان من جهة الحس والعقل وأخبار الأنبياء!
وقرر أن تخلق الجنين ذكرا أو أنثى إنما هو أمر رباني محض، كالرزق، والأجل، والسعادة والشقاوة، وليس له أي سبب طبيعي!
واستند إلى فهمه لحديث سؤال الملك ربه عن شأن الجنين وما يكتب له، فكان فيما سأل: (أذكر أم أنثى)
تُرى
ما العبرة التي كان سيستخلصها ابن قيم الجوزية، لو تيسر له العلم اليقيني في زماننا، الذي توصل إلى تفسير سبب الإذكار والإيناث في الزيجوت، بل وتمكن من إجراء عمليات اختيار جنس الجنين عبر أطفال الأنابيب؟
أعتقد أنه سيقرر من غير تردد:
أن استعمال المنهج البحثي المناسب، في المقام المناسب، هو أخطر أركان التفكير العقلي السليم
وأن الفهم الظني لنصوص الشريعة، لا ينبغي أن يسلط على الحقائق العلمية، لا بالمنع وقطع الطريق
ولا بالإفساد والإبطال
وأن الموازنة بين الآيات المسطورة والآيات المنظورة لا تتم عبر آليات التلقي البسيطة التي تسلك بها عقولنا جادتها المعهودة
المهم، أن نعي نحن هذه الخبرة، ونتعلم من تجارب من سبقنا

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش