الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ملاحظات واستدراكات على الطبعة الوحيدة من أعمال فواز عيد الشعرية

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 09:14 مـساءً
د. إبراهيم خليل *

ما من شك في أن صدور الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الراحل فواز عيد (2002) مأثرة تستطيع أن تفخر بها المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، ومديرها العام السيد ماهر الكيالي. ففواز عيد، الذي فقدناه على نحو مفاجئ ليلة الثلاثين من كانون الثاني يناير 1999 شاعرٌ كبير، ومن رواد الحداثة الشعرية، شأنه في هذا شأن السياب والبياتي، وبلند الحيدري، وصلاح عبد الصبور، وآخرين.. لا متسع لتعدادهم، وذكر دواوينهم ، ولا يستفاد من ملاحظة أحد جامعي الأعمال الشعرية للرائد الكبير عن تأخر صدور ديوانه الثاني « أعناق الجياد النافرة « ست سنوات بعد صدور ديوانه الأول « في شمسي دوار « أنَّ فوازا قد تراجع لديه هاجس التجديد، أو التحديث، في الشعر؛ لغةً، ورؤىً. إذ لو حكَّمْنا هذا المعيار في الشعر، لكان علينا - مثلا - أن نمحو اسم خليل حاوي من الرواد، لأنه باعد بين دواوينه زمنيًا، ولأنه لم يكن غزير النتاج متواليَهُ سنة تلو الأخرى. ولا يغضُّ من شاعرية الراحل فواز عيد، ومكانته، في تاريخ الشعر، أنه عمل في بعض الأقطار، وتشاغل عن الشعر أحياناً باحثا عما يسميه بعضُهم (لقمة العيش لبنيه، وأطفاله) فهذه إشارةٌ – قد تفهم على أن فيها غمْزًا من قناة الشاعر، ومساسًا غير رفيق بشاعريَّته، وموقفه من الشعر.

على أن المتصفح للأعمال الشعرية لا يغيبُ عنه الاستنتاج، الذي لا بدَّ من التنبيه عليه، والإشارة إليه، وهو أن المحقق، أو المحققين، الذين أغفلوا ذكر أسمائهم من باب التواضُع، وعدم الإثرة، قد اتسموا بالتسامح، والتسرع، في إعداد الكتاب للطبع، فلم يُظهروا إلا القليل من العناء في تدقيقهم للتجارب المطبعية الأولى، والأخيرة، للقصائد، لهذا يجد المرءُ الكثير من الأغلاط التي لا يحسنُ السكوتُ عنها، أو غض الطرف على ما فيها من تحريف.
ففي قصيدة (الأطفال والقمر) وردت أبياتٌ مدوَّرة يقول فيها الشاعر فواز عيد ما يأتي (ص43):
ثم يعود للخدْرِ
حواكيرٌ من الكثبان للكثبان حين يطلّ
سألتُ نرجسًا
ألقًا
على سفْحٍ
ومُنْحَدَرِ
فممَّا يتعثر به القارئ - ها هنا - كلمة (سألتُ) ذلك لأن المعنى لا يستقيم قطعًا، علاوة على أن تفعيلة (مفاعَلَتنْ) تغددو (مُتَعِلُن) بدلا من مفاعلْتن، بسكون اللام. والأصح أنها (سالتْ) نرجسًا مثلما تسيل ألقا أيضًا على سفح ومنحدر، فالخطأ هنا شوه الصورة، ويتضح هذا التشوية إذا لا حظنا بديع التصوير في مسيل النرجس، والألق، على سفحٍ مُنْحَدر، في حين أن (سألتُ) لا موقع لها في هذا السياق. وفي قصيدة « الليل وأعمدة الجسور « يتعثر القارئ بخطأ آخر يُظنُّ أنه من سَهْو الطابع، وذلك في قول الشاعر فواز مثلما جاءَ في الكتاب (ص83- 84):
وحين أمرُّ من باب المساء لأتري
تبغًا وسلوانا
أمدُّ يدي
فتخطفني البروقُ لساحَة الودْيانْ
وواضحٌ أن الصحيح هو لأشتري. ومن قصائد الديوان الرائعة قصيدة بعنوان « رواهُ الترمذيُّ « وما يشدنا إلى هذه القصيدة ما فيها من لغة شعرية مثقلة بالانزياحات الأسلوبيّة، وما فيها من الإتقان الصوتي، والموسيقي، والتوظيف الأسطوري، والحسّ التاريخي، بيد أنَّ المرء يتعثر في أثناء قراءته لما يأتي (ص109) :
أسيتُ من السؤال .. به تداويْتُ
وأنت خرارة الأجراس في الغابات .. في المدنِ
تسرّ لكِ الضفافُ حكايةً في القاع مطويّة
أنا ظمأ التراب وملحّه.. أنتِ الهوى
والشمْسُ والأعيادْ
أنا المجلودُ والجلاد
فما هي خرارة الأجراس؟ وما موقع ملحّه من الإلحاح؟ سؤالان يجابُ عنهما بالإشارة لخطأ في كلٍّ منهما، فالخرارة هنا هي القرارةُ، من القرار، وهو من ألفاظ الموسيقيّين، والسياق يحتم ذلك لوجود الأجراس، وأما ملحُّه فلا ريب في أنها مِلْحُه، والتضعيف خرج بالكلمة من حقل دلالي إلى آخر لا علاقة له بالسياق. فضلا عن أنه عدل بتفعيلة مُفاعَلَتُنْ إلى شيء آخر لا وزن فيه، ولا جَرْس. وفي قصيدة (أيلول الجامح) نقرأ ما يأتي (ص109):
تقول صبية شقراءُ أني جئتُ مثلَ أبي
يديَّ كيديه .. رنَّةُ صوته الشجريّ
لونُ قميصهِ .. عينيهِ.. يفرحُ كالغدير
وينطفي فرحًا
فإذا تجاوزنا فتح همزة إنَّ بعد القوْل، وذلك خطأ ُيُحسَبُ في النحو، الذي يمكن تجاوُزه، فإنَّ المحقق ضبط كلمة يدي بالتضعيف، وبالشدة على الياء الأخيرة، كما لوكانتْ من باب التثنية، لا الإفراد، وهذا، وإن كان لا خطأ فيه، إلا أنه أيضا ذهبَ بالوزن، والإيقاع السَلِس، الذي عمد فيه الشاعر لتكرير تفعيلة (مُفاعَلَتُنْ) وهي من الوافر. فلو قرأنا البيت بحذف التضعيف (يدي كيديْه.. رنة صوته الشجري . إلخ.. ) لاسْتقام الوزنُ، وَحَسُن. وإفراد اليد في تشبيه الشاعر لها باليدين الاثنتين لا يخلُّ بالمعنى. وفي القصيدة ذاتها (ص110) وردت كلمة (فخارْ) في نهاية البيت:
دعيهِ، فليس للأغراب من حبٍّ. ومن « فخارْ «.
ولا ريبَ في أن هذه الكلمة قلقة الموضع، في البيت، ولا يستقيم بها الوزن، إلا إذا كانت (فخّار) بتضعيف الخاء، ولا موقع لهذا الفخّار في السياق، وربما كانت ومن فخْرِ. إلا أن ما يُضْعِفُ هذا الاحتمال – لدى المحقق- شذوذ الكلمة (فخر) عن الأبيات السابقة من حيث الروي، فقد سبقتها كلمات: نار، وأمطار، وتلتها بعد بيت واحد كلمة: وقطار.. على أن هذا التحرُّز ليس بشيء، لأن الشاعر لا ينبغي له أن يلتزم بالروي التزامًا صارمًا؛ فقصيدة التفعيلة تختلف عن قصيدة الوزن العروضي التقليدي، التي تتصف بوحدة الروي، ويخشى أن يكون استبدال (فخْر) بفخار في البيت من اجتهاد المحقّق.. وبذلك يكون الخطأ في ضرورة الرويّ. أما في قصيدة « الطائر الصدَفيّ « وهي من جيد شعره، فقد استبدل فيها المحقق كلمة (ورفُ) بكلمة (رفّ) وهذا خطأ غريبٌ، لا يمكن تصورهُ إلا أن يكون من وهْم الطابع، وسهْوه. فالشاعر يقول- بناءً على التصحيح، لا على ما جاء في الكتاب- (ص117):
وظلَّ الطير ظمآنا
ورفّ جناحُه وهوى
وما ظهَرَ في موقع (رفَّ) لا يُصنَّفُ، لا في الأفعال، ولا في الأسماء، ولا في الحروف، وقد أساء هذا لكلٍّ من المعنى، والإيقاع الموسيقي. وفي « الأشجار على الضفة « سقطت سهوًا واوُ العطف من أحد الأبيات سقوطاً خلف مكانها خللا عروضيا بيِّنا، يقول الشاعر مثلما ورَدَ في الكتاب (ص119):
ومر على المدينة طائفا نَهِما
مناديلا تلوِّحُ من وراء البابْ
وأوغلَ صوته.. انداح.. أجْهِضَتْ
المصابيح .. الثمارُ .. وصاح
ويمكن تقويم اعْوجاج البيت الثالث بإضافة واو العطف، ليصبحَ: وانداح .. إلخ، وفي « دان .. دان « وهي من أرقِّ شعره، وأغناه بالموسيقى، كغيرها من شعره في ديوانه الثاني « أعناقُ الجياد النافرة « (1969) استبدل المحقق كلمة (يتلفّ) بيَلْتَفّ كما استبدل بها أيضا كلمة يتَعَرّى. فقد جاء في القصيدة (ص 132) ما يلي:
يتلفّ.. ويستعطي أكفَّ المنشدين
يلتفّ.. راقصا من عمره السبعين. ينفضُّ جبينٌ بارقٌ
تبكي إذا أوجعه اللحنُ شفاهٌ ويدانْ
دانْ.. دانْ.
فعلاوة على أن هذه الإبدالات أشاعت الاضطراب في قصيدة هي من أرقّ شعره، وأكثره إتقانًا من حيث المستوى العروضيِّ، والإيقاعي، أفسدت أيضا الدلالات، فالقارئ لا يستطيع الاستمرار في قراءتها، لأنه يتعثر بكلمة لا معنى لها، وهي كلمة (يتلفُّ) التي لا وجود لها في العربية أساسًا، ولا علاقة لكلمة يلتفُّ بما يليها من كلماتٍ: راقصًا من عمره السبعين إلخ. والصَحيحُ هو:
وتعدو الساقُ خلفَ الساقِ
يلتفُّ .. ويسْتعطي أكفَّ المنشدين
يتعرَّى راقصًا من عمره السبعينَ
ينفضُّ جبينٌ بارقٌ
تبكي إذا أوْجَعَه اللحنُ شفاهٌ، ويدانْ
دانْ.. دانْ
وفي موْقعٍ من قصيدة بعنوان (الليلة اليتيمة) استبدلَ المحققُ كلمة الطريق بكلمة الطُرُق، وقد جمع بهذا الخطأ بين إفساد الوزن، وإضعاف المعنى. فالطرُقُ، بالجمع، تنسجم مع الوزن، وتضفي على الصورة في البيت قوةً لا يجدها القارئ في كلمة الطريق (ص139):
فصفَّق يومها للصحْب موْجوعًا : إليّ بكاسْ
إليّ.. إليّ.. وارتعشتْ به الطُرُقُ
وغلَّقَ بابهُ وأساهُ دونَ الناسْ.
ومن اللافت أنَّ كلمة الطريق – لا الطُرُق- تتَّفقُ مع كلمتي الإبريق، والرفيق، الواردتين في أبيات سبقت هذه الأبيات من حيثُ التقفية، والرويّ، إلا أن الشاعر غير مُلزم بتكرار الروي كما سبق لنا أن نبهنا عند الإِشارة لكلمة(فخار)، وكأنه كان قد أقلع عن هذا، بدليل أنَّ الرويَّ في الإبريق، والرفيق، ساكنٌ، في حين أنّ الطُرُقَ ( أو الطريق) جاءت متحركة الروي. وتحريك (الطرقُ) هنا ضرورةٌ لا بد منها لتتم تفعيلة مفاعَلَتًن بالضمَّة المشبعة. وقد استهل المحقق قصيدة « أصغرُ من نهار « بكلمة (إنما) وذلك في قول الشاعر الراحل على وفق ما جاء في الكتاب (ص221):
في صيفِ لقياكِ الأخيرة
قلتِ لي
إنما نموتُ وراء غابات الوعود المقبلة
إنما نموتُ
لأنَّ هذا الطينَ يأبى أنْ يُوحِّدنا معَه
وهذا الاستهلالُ، بإنما، يخلُّ بالوزن إخلالا شديدًا، ويعدل بتفعيلة مُتفاعِلُنْ وهي من (الكامل) إلى نسقٍ آخرَ لا وزن فيه، ولا جرْس. علاوة على أنَّ العبارة « إنما نموتُ وراءَ الغابات « أو « إنما نموت « تحولتا من عبارتين شعريَّتيْن، لعبارتين نثريَّتيْن، والصحيح:
إنا نموت وراء غابات الوعود المقبلة
إنا نموت
لأنَّ هذا الطين يأبى أن يوحدنا معه
يُضافُ إلى هذا تحرُّزٌ آخرُ لم يتنبَّه له المحقق، وهو أنّ (إنما) تفيدُ الحصْر، أي: تأكيدُ شيء ما، وتحقيقُه، ونفي غيره عنه، والمقام يخلو هنا من أيّ حصر،كالذي نجده في « إنما المؤمنون إخوة « أوْ: « إنما يخشى الله من عباده العُلماءُ «وقد زاد في موْقع ثانٍ من القصيدة تاءَ تأنيث لمصدر أغفى، فعدلَ به من المصدر لاسْم المرة، ضاربًا بسلامة الوزن عرضَ الحائط، فالصوابُ في (عن الإغفاءَة والحلُم ) هو ( عن الإغفاء والحُلُم). (ص222) واستبدل خفَّفْتُها بخفَّتِها في قولِ الشاعر عيد (223) :
ولكنْ كنتُ فيه العاشقَ .. البستان
والقمرَ الذي تمضي به الأنهار
بعدَ الليل
كنتُ أبادلُ الأعْشابَ خِفَّتها
فمن يقرأ (خفَّفْتُها) بدلا من (خِفَّتَها) يجد الفارق في المعنى كبيرًا، وفي الوزن أيضا. وعلى هذا النحو أبدل المحقق كلمة رفيق من رفيف، في قول الشاعر (في رفيق الطيور على البيدر ) (ص289) وأبدل المساء بالماء (ص 295) في قول الشاعر:
(فتنهدتْ
كسحابة عند الماء)
وتنتهي قصيدة ( يباغتُ لمحًا.. ولما يفرُّ) بنهاية متعثرةٍ سببُها ما يقع في البيت الأخير من تغيير في الأصل أدَّى إلى تشويه باعثٍ على الحيرة، واللَّبْس (ص337):
قد خسرتُ الوطن
يومَ كنتِ معي
كنتِ وحدك .. أو ربّما.. كنتُ وحدي
أو ربما كنتِ تمضين من جانبي
يومضُ.. كنا معا
فالكلمة الأولى في البيت الأخير (يومضُ) افسَدَتِ الأبياتَ، وذهبت بما فيها من الرونق. ولا يستبعد أن يطيل القارئ التفكير بحثًا عن حل لهذا الإشكال قبل أن يكتشف ضرورةَ حذْفِ (ض) من آخر الكلمة، ليستقيمَ المعنى، فلا ريب في أن الأصل هو (يومَ.. كنّا معًا ) فلا وميض في الأمر، ولا ما يحزنون.
وبعد، فإن هذه ملاحظ استدراكية على طباعة الكتاب لا يُقصدُ منها التقليل من الجهد الذي بذله جامعو الأعمال الشعرية، ولا المسّ بالنوايا الصادقة الكامنة وراءَ هذا المسعى لجمع تراث الشاعر، ونشره، بالصورة اللائقة، التي تضَعُهُ أمامَ القراء، والأجيال الجديدة، وبين أيدي المهتمّين من الباحثين، والدراسين، والنقاد الأدبيِّين، ممن يُعْوزهم الحصولُ على نسخ الدواوين المتفرقة المفقودة. وإنما جُلّ ما نهدفُ له، ونسعى إليه، التنبيه على هذه الهِناتِ، واستدراك ما فاتَ المحقِّق، أو المحققين، ليُصارَ لتصويب الأمْر في طبعةٍ ثانية للكتاب في آتي الزمان، ومُقبل الأيّام.

* ناقد وأكاديمي من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش