الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صراع العبودية والتحرر في رواية «كتيبة سوداء» لمحمد المنسي قنديل

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 03:00 مـساءً

] موسى إبراهيم أبو رياش
«كتيبة سوداء» رواية مشوقة ممتعة، ذات لغة جميلة رشيقة، تتخذ من التاريخ القريب مادة لها، وتكشف عن أحداث ووقائع مجهولة لدى معظم القراء والباحثين؛ فهي تلتقط حدثاً يبدو هامشياً، ولكنه عميق الدلالة، بعيد الغور، متجدد في كل عصور الضعف والتبعية.
تسير الرواية بداية في خطين متباعدين، ثم يتقاربان إلى أن يتقاطعا، ويتلاحما في بعض المفاصل.
يبتدأ الخط الأول بالتاجر «ود الزبير» جلَّاب العبيد سنة 1863م، الذي لا ينجح في مقابلة سلطان «الدنكا» في الغابات الاستوائية جنوب السودان إلا بعد إظهار قوته، بقتله تمساحاً بطلقة من بندقية مزدوجة، فسارع السلطان لاستدعائه، ومفاوضته على السلاح لمحاربة القبائل الأخرى وبسط نفوذه عليها. وكان الثمن عشرة رجال(عبيد) مقابل كل بندقية. وبعد تردد يوافق السلطان، ثم يُفاجأ «ود الزبير» أنَّ السلطان قام ببيعه أربعين رجلاً من قبيلته مقابل خمس بنادق، في صفقة عجيبة لا يمكن تصديقها، ولكنها أخلاق السلاطين عندما يتخلون عن شعوبهم، ويعاملونهم على أنهم مجرد أثاث وسقط متاع تحت تصرفهم.

في منطقة «مشروع الرق» حيث يتجمع التجار، يتعرف «ود الزبير» على امرأة فرنسية ذات سلطة ونفوذ، يطلقون عليها «السنيورة». تعرض عليه صفقة بأن يصطاد لها رأس خرتيت مقابل بنادق حراسها. ينجح رجاله في اصطياد الخرتيت وجلب الرأس، وبسبب سوء تصرفه وخطأ حساباته، تأخذ الرأس ولا تعطيه شيئاً. يُهاجمها ورجاله، ويستولي على البنادق الستةـ ويُبحر شمالاً إلى الخرطوم. وفي الليل، يعتقله الجنود من فراشه بأمر من الحاكم، ويُضطر تحت التعذيب لإرجاع البنادق إلى «السنيورة»، والتنازل عن جميع عبيده؛ دلالة على قوة التأثير والنفوذ الفرنسي الذي بلغ أقاصي السودان، وقبلها مصر، ورُخص المواطن وتدني قيمته عند السادة والحكام.
يتم إلحاق العبيد بمعسكر تدريب لتأهيلهم كجنود في «الجهادية»، ويطلقون عليهم أسماء جديدة، ويعلمونهم الصلاة، ومن ثم يُساقون وغيرهم إلى الاسكندرية، تمهيداً للإبحار بهم إلى مكان لا يعرفوه، ومهمة لا يدرون عنها شيئاً، تُحاط بالسرية والكتمان، بأوامر الخديو سعيد باشا، وبتأثير من الفرنسي ديليسبس. وبعد انتظار وترقب، يُقادون إلى سفينة فرنسية، وفيها يعرفون أنهم متجهون إلى المكسيك؛ للقتال إلى جانب القوات الفرنسية لمواجهة الثوار. إنَّها أخلاق الساسة في كل زمان ومكان، عندما يُسخِّرون شعوبهم في خدمة أسيادهم؛ إرضاءً لهم وتقرباً منهم. فلا مانع أن تُقاد الشعوب إلى المجهول، وأن تُحارِب نيابة عن غيرها، بل وتُحارِب شعوباً مُضطَهَدة ومُحتلة مثلها، فبدلاً أن ترفع عن نفسها ذُلَّ التبعية والاستضعاف، تُساعد على إخضاع غيرها ليكون تابعاً لسيدها، وخادماً له. فما أخسَّها من مهمة، وما أقذرها من لعبة!
وبعد سفر طويل، وعناء شديد، وموت بعض الجنود، يصلون إلى المكسيك، حيث تبدأ مرحلة شاقة قاسية، فالأوامر أن يُقاتلوا بشراسة إن أرادوا الحياة، فلكي تعيش يجب أن تقتل من يقاتلك، لا ترحم ولا ترأف بأحد. ويكلفهم القادة الفرنسيون بالمهمات القذرة، التي يتجنبونها هم، ليظهروا بمظهر حسن أمام الأهالي، ولا مفر أمام جنود «الكتيبة السوداء» بقيادة «جبرة الله» ومن بعده «محمد الماس» إلا تنفيذ الأوامر. دخلوا معارك شرسة، وأدوا مهمات شاقة وعسيرة، وخسروا كثيراً من الجنود، ولكنها الحرب المستعرة، لا تترك لهم مجالاً للراحة أو الالتفات إلى إنسانيتهم وحقوقهم وأحلامهم، فقد حولتهم إلى وحوش كاسرة، تبث الرعب حولها. وخسروا أنفسهم قبل أن يخسروا تقبل الآخر وتعاطفه.
«عاصي» أو «آسي» أحد العبيد الذين جلبهم «ود الزبير» من «الدنكا» كان له شأن مختلف، فقد حاول الهرب بداية، ونجى من موت محقق إثر إطلاق النار عليه، وبقي متمرداً. وفي المكسيك، رافق الامبراطورة وأنقذها مع بعض الجنود من خطر الموت، فاختارتهم لحمايتها وحراستها دائماً. وأطلقت سراحه من السجن ليرافقها إلى باريس في مهمتها لإنقاذ عرشها وعرش زوجها. وبسبب معاناتها ووحدتها وما تشعر به من حرمان وخوف وقلق، تضطرب علاقتها بآسي بعداً وقرباً واندماجاً وسجناً. وعندما تُصاب بالجنون بعد فشل مهمتها وضياع عرشها، يُطلق سراح عاصي، ويُبْعَدْ خارج الحدود.
بعد قرار «نابليون الثالث» سحب القوات الفرنسية من الأراضي المكسيكية سنة 1867م، يعود من تبقى من الكتيبة السوداء إلى مصر بعد المرور بباريس، وهناك يلتقي «محمد الماس» بعاصي الذي يرفض العودة معهم، مفضلاً البقاء في فرنسا.
«علي جوفان» أحد أفراد الكتيبة السوداء، يختار إنسانيته، وينحاز للحياة، فيرتبط بامرأة مكسيكية «ماريانا»، ويهرب معها إلى قريتها بعد اضطراره لقتل الضابط الفرنسي «أندريه». وفي القرية، وبإصرار «ماريانا» وحبها له، تكتب له حياة جديدة، بعد حفلة تعذيب رهيبة من الثوار، فيكوِّن أسرة جديدة، ويولد له طفل.
وفي مقابل حكاية «الكتيبة السوداء»، تتسارع أحداث حكاية «العصابة البيضاء»–إن صحت التسمية- حيث صراع السلطة والنفوذ بين ملوك وأمراء أوروبا، وأطماع الجميع في خيرات وثروات القارة الأميركية البكر، وخاصة المكسيك، ويُختار كبش الفداء الأمير النمساوي ماكس ذي الاثنتين والثلاثين عاماً، وزوجته شارلوت ابنة الملك البلجيكي ذات الأربعة وعشرين عاماً؛ لتحقيق أهداف وأطماع نابليون الثالث والكنيسة وغيرهما؛ للاستيلاء على ثروات المكسيك والسيطرة على أراضيها، وتشكيل قوة موازية لقوة الولايات المتحدة، المتمردة على النفوذ الفرنسي. فيعرض عليهما نابليون الثالث امبراطور فرنسا عرش المكسيك، يرفض ماكس ويتردد، ولكن إلحاح شارلوت وطموحها يجبره في النهاية على الموافقة بعد التنازل عن حقه في عرش النمسا، وتوقيعه اتفاقية مجحفة مع نابليون الثالث، ويتجه إلى المكسيك، حيث يُنصب إمبراطوراً على أرض غير مستقرة، تمزقها الحروب بين الثوار والجيش الفرنسي. ولا يستطيع ماكس عمل شيء حقيقي، وتلَّهى بإشباع هواياته ونزواته وشهواته، وترك القياد الحقيقي للقائد الفرنسي «بيازين»، وزاد من مشاكله عداء الكنيسة له، ومطالبة نابليون الثالث بسداد الديون المستحقة، والفساد المستشري في الطبقة الحاكمة في المكسيك، واكتملت الحلقة حول عنقه بانتهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة الأميركية، العدو الأكبر المتربص والرافض لأي سلطة أوروبية على حدوده الجنوبية.
ينسحب الجيش الفرنسي بأوامر من نابليون الثالث بعد فشل مهمة شارلوت في فرنسا والفاتيكان، ومن ثم جنونها ونقلها مرغمة إلى قصر أخيها ملك بلجيكا بعد وفاة أبيها.
يقود ماكس جيشاً في محاولة يائسة للقضاء على الثوار، ولكنه يقع أسيراً في أول مواجهة، ويُحكم عليه بالإعدام. لتنتهي بذلك إمبراطورية لم تدم سوى ثلاثة أعوام أو أربعة. وتعود المكسيك إلى عهد الجمهورية، برعاية وحماية الولايات المتحدة الأميركية.
تصوِّر الرواية كثيراً من التجارب الإنسانية، وبعضاً من المعاناة التي تعيشها الشعوب المستضعفة التي تستنزف القوى الكبرى قدراتها وطاقاتها وثرواتها، وكيف يُضحِّي بعض الحكام بشعوبهم سُخرة للآخرين، ليحاربوا نيابة عنهم، ويتخذوا درعاً لهم في ميادين القتال. بل إنَّ ميادين السياسة القذرة لا تمنع الأخ أن يُضحي بأخيه، والأم أن تتخلى عن ولدها، والزوجة أن تقامر بزوجها، والحاكم أن يتاجر بشعبه.
يُؤخذ على الرواية أنها بدأت بداية موفقة مثيرة مشوقة ذات أحداث متسارعة، ولكنها أخذت شيئاً فشيئاً تميل إلى التراخي والرتابة، إلى أن انتهت إلى نهايات عادية وخاصة إعدام ماكس، الذي جاء سريعاً باهتاً.
كما احتوت الرواية بعضاً من الأخطاء النحوية واللغوية نتيجة للاستعجال وعدم المراجعة.
وبعد... فرواية «كتيبة سوداء» (دار الشروق، 2015، 437 صفحة)، رواية جميلة، ممتعة، غنية بالمشاعر الإنسانية المتناقضة: الجميلة منها والقبيحة، والتفاصيل الجغرافية والطبيعية الدقيقة التي كانت نتاج زيارة الروائي إلى المكسيك للتعرف على جغرافيا المكان، وميادين القتال. كما سلطت الرواية الضوء على فترة تاريخية شبه مجهولة، ونكأت جرحاً عميقاً، فأحداث التاريخ تتكرر، ولا يرعوي الحكام، ولا يستفيدون من دروس التاريخ، ولا يستلهمون منه العبر. وتبقى الشعوب مغلوبة على أمرها، لا تحاول دراسة التاريخ، لتتجنب الويلات والكوارث والنكبات، بفعل التجهيل، وتغييب الوعي، وطمس الحقائق.

باحث وأديب من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش