الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية * آن الأوان لنتجاوز «التوجيهي» الى صيغة حضارية أخرى أكثر رحمة بالوطن والطالب

تم نشره في الجمعة 27 تموز / يوليو 2007. 03:00 مـساءً
قضايا محلية * آن الأوان لنتجاوز «التوجيهي» الى صيغة حضارية أخرى أكثر رحمة بالوطن والطالب

 

 
* «انعزال» التخطيط الجامعي عما قبله من تعليم يظــل مسكونــا بعشـــرات من الاسئلة الأخـرى

* تكاملية التعليم وتواصله ووحدته سوف تظل شعارا لا معنى له في ظل كابوس «التطهير التعليمي» المسمى التوجيهي

* التوجيهي أصبح «مطبا» لآلاف الطلبة ويضعهم فجأة على محك المعاناة الحقيقية

احمد ابو سعدة
غداً وعند تمام الساعة العاشرة صباحا سيصفق طالب مصعوقا من شدة الفرح بكلتا يديه ويصيح بأعلى صوته (شكرا لك يا رب.. عاش الانترنت) ، لكن هناك طالبا آخر سيصب جام غضبه على كل تكنولوجيا المعلومات بل ربما يذهب حد اتهامها بالمحاباة او عدم الدقة لانها اغفلت اسمه من القائمة ، ومع ذلك فربما يكرر المحاولة اكثر من مرة متنقلا بين موقع وآخر من المواقع الالكترونية الخمسة والثلاثين المربوطة بامر واحد للبدء ببث نتائج الانوية العامة الى ملايين اجهزة الكمبيوتر المنزلية عله يجد اسمه مختبئا في زوايا موقع ما.. لكنهما كلاهما لن يقعا على اية حال فيما وقعت فيه انا من حرج قبل (ردح) من الزمان عندما كنت اتحرق لمعرفة نتيجتي في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) وانا على بعد آلاف الكيلومترات عن الوطن: يومها أبرقت لي امي الطيبة يرحمها الله برقية هذا نصها "ألف مبروك يا ولدي انت الاول على المملكة"، ،
طبعا لم اتمالك نفسي من هول المفاجأة وكدت اتقمص شخصية المصعوق من فرحه ، فلولا اني لم اكن مجنونا لاصدق ، ولولا ان هناك سببا لا بل سببين كنت استبطنهما في قناعتي الشخصية ، لكنت تورطت باقامة الافراح وسبع ليال ملاح ابتهاجا بهذا النجاح (الباهر).. فأنا (اولا) قدمت التوجيهي بنظام منازل عن بعد بعيد ، ثم انني(ثانيا) اجبت على ورقة مبحث الفلسفة يوم كانت الفلسفة متطلبا اساسيا وحاسما دون ان تكتحل عيناي بورقة واحدة من هذا المقرر لانه باختصار ودون معرفة الاسباب لم يكن متوفرا تماما ، يومها تملكتني الحيرة والدهشة والخجل من جمهور المهنئين الذين توافدوا علي من كل حدب وصوب وكلهم شهدوا لي بالعبقرية وانزلوني منزلة وأي منزلة،
كان علي ان ابدأ رحلة البحث عن الحق او الحقيقة لا فرق لكن بين ثنايا الأزقة والمنعطفات لا من خلال الشبكة العنكبوتية والمواقع الالكترونية التي لم حينها حينها الا مشروعا في رأس مأفون في احسن الاحوال ، وحين اكتشفت ، بعد ان أعياني البحث والتحري على مدى يومين ظهرت الحقيقة على النحو التالي: من قرأ (الجريدة) للعزيزة الوالدة وجدني أتسنم الترتيب الاول في الاسماء لكنه سامحه الله لم يفطن الى ان الاسماء نشرت يومها حسب الترتيب الابجدي على طريقة (مع حفظ الالقاب والمقامات) لا حسب النتائج والمعدلات، فرضيت رغم انفي بالحد الادنى من الفرحة كوني ناجحا فحسب..
طبعا هناك عدد لا حصر له من القصص والمفارقات والحكايات الاخرى عن (فلكلور) التوجيهي السنوي في الذاكرة الاردنية يبدو انها لم تجد حتى يومنا هذا من يوثقها لأخذ العبرة منذ ان كانت ابواب السماء تتفتح للعشرة الاوائل فيما الآخرون ممن لم يحالفهم الحظ كانوا يظنون انها نهاية المطاف وان الساق التفت بالساق والى ربك يومئذ المساق ، ومع ذلك لم ينته الزمن بل ان منهم من حقق نجاحا يحسده عليه الناجحون الاوائل.
اعود ثانية الى موعد العاشرة صباحا والذي يجهد الآن آلاف الطلبة واسرهم في كيفية ابتكار وسائل لطي الساعات العصيبة المتبقية عليه ، لكن هذا الكابوس سينتهي حتما الى مواجهة مع ثالوث الراسبين وذوي المعدلات الخفيضة اضافة الى ذوي الجيوب الخاوية من غير المقتدرين لتصبح فلسفة التوجيهي من وجهة نظر آلاف الطلبة واسرهم (مطباً) يضعهم فجأة على محك المعاناة الحقيقية لم يفطنوا اليه على مدى عقد كامل من الزمان.
غداً او بعد غد على ابعد تقديرسوف تبرز المفارقة العجيبة التي تطرحها مناسبة التوجيهي كل عام وهي غياب سياسة تكاملية ومنسجمة بين مرحلتين تعليميتين يفصل بينهما التوجيهي بكل جلاله ورهبته وهيبته ، فالتعليم العالي اقر هذا العام استراتيجية للارتقاء بمخرجاته وسوف يشدد سنة من وراء سنة في سياسة القبول مثلما سيتشدد في كفاءة المخرجات وضبط نوعية وجودة التعليم الجامعي ، ما يعني بالتالي مزيدا من الصدمة والتعقيد والضياع للآلاف من طلبة التوجيهي كل عام ، ما يجعل من سؤال (انعزال) التخطيط الجامعي عما قبله من تعليم سؤالا مسكونا بعشرات من الاسئلة الاخرى ، خاصة وان وزيرا واحدا وفكرا واحدا ، او هكذا يفترض ، يحكم قرار وسياسة هاتين الوزارتين.
وغداً ايضا سوف يرفد (التوجيهي) الوطن باربعين الفاَ من الراسبين المحبطين ، او لعلهم خمسون الفاً من يدري؟.. وبعشرة آلاف آخرين يزيدون او يقلون من ذوي المعدلات المنخفضة وآخرين لا تعلمهم الله يعلمهم ممن تقطعت بهم سبل إكمال تعليمهم ، ما يجعل من (التوجيهي) مشكلة وطنية تستدعي حلاً عصريا عاجلا لوقف هذا العسف بمستقبل آلاف الشباب كل عام ، لانه باختصار اضحى وسيلة قهرية تصادر حق الآلاف في مواصلة تعليمهم ، ولانه يتناقض تماما مع شعار (اقتصاد المعرفة) ومع كل ما يمت بصلة الى (التنمية البشرية).
سيدي الوزير الذي لا اخاله الا عالما ، لقد آن الاوان لنتجاوز (التوجيهي) الى صيغة حضارية اخرى اكثر رحمة بالوطن والطالب ، فهناك مبدع في الالكترونيات مثلا او في الحاسوب او حتى في الفيزياء والكيمياء يكمن على الاقل في أعماق كل راسب من ابنائنا لكننا حشرناهم جميعا في زاوية (الفاشلين) لاننا نفتقد الآلية المنهجية والعصرية لاكتشاف حقل ابداعاتهم ومن ثم توجيههم اليها ، ولاننا ايضا لا زلنا نتمسك باصرار بالمعدل العام تصنيفا اجباريا لفروع عفّى عليها الزمان من مثل (الادبي والعلمي و.. و..).
هناك مسائل عديدة في التعليم قبل الجامعي تلح في مراجعتها او تصحيحها بدءا من إنعاش وسائل التعليم البشرية والمنهجية بما تستحق من جدية وانتهاء بوضع استراتيجية عصرية تجترح تخصصات تقنية جادة تحاكي متطلبات العصر والوطن وتحفظ حق الطالب في ان يحمل مؤهلا لا يقتله تصنيف (التعليم المهني) ، فالتعليم قبل الجامعي لا يقل اهمية عن التعليم العالي لانه الاساس. انحني لكم احتراما سيدي لكنني من اجل الآلاف من ابنائنا اجدني مضطرا لاقترح عليكم اعادة هيكلة او تفكيك (التوجيهي) بحيث تصبح ميول الطالب وابداعاته هي المعيار الذي يقوده من الصفوف الاولى الى عالم لا مكان فيه للفاشلين ، هذا يتطلب ايضا دراسة تبعية كليات المجتمع ليس لكونها اقرب الى وزارة التربية والتعليم من غيرها ، ولكن لاعادة النظر في فلسفة وجودها وادائها ونوعية ومستوى مخرجاتها ، فهي تشكل جزءا عزيزا من رأس المال المعرفي الذي ينبغي استغلاله في تخصصات تقنية عالية وجادة وغير مطروقة بعد ولكنها تعتبر مطلوبة وشرطا من شروط التنمية والنهضة واقتصاد المعرفة.. اياً كان الرأي والقناعة فان تكاملية التعليم وتواصله ووحدته سوف تظل شعارا لا معنى له في ظل كابوس (التطهير التعليمي) المسمى التوجيهي.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش