الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

متى تخرج الثقافة الوطنية الأردنية من شخصية «العم غافل»؟

تم نشره في الأحد 15 نيسان / أبريل 2007. 03:00 مـساءً
متى تخرج الثقافة الوطنية الأردنية من شخصية «العم غافل»؟

 

 
باتر محمد علي وردم
قبل أسابيع خصص جلالة الملك عبد الله والملكة رانيا مبلغ 10 ملايين دينار لدعم الحركة الثقافية والفنية في الأردن وهذا ما ساهم في ارتفاع منسوب الأمل والطموح في استثمار هذا المبلغ لدعم مشاريع إبداعية حقيقية تسهم في تحسين نوعية المنتج الثقافي الأردني من جهة وتقديم حوافز للمبدعين الأردنيين.
منذ ذلك الإعلان هنالك حالة صمت في المؤسسات الثقافية الرسمية في الأردن ، ونأمل أن يكون هذا الصمت انعكاسا لجهد يتم بذله في صياغة أسس ومعايير لاستثمار هذا المبلغ بالطريقة الصحيحة. حسب التطبيقات العملية في دول أخرى من المفترض أن يتم إنشاء صندوق خاص للثقافة يتم من خلاله إنفاق هذا المبلغ على الأنشطة الثقافية التي تحقق معايير وأسس الاختيار الموضوعة سلفا وأن يكون هناك مجلس أمناء لصندوق الثقافة من مبدعين وإداريين مشهود لهم بالقدرة على تمييز نوعيات الإبداع في مختلف ميادين الفن والثقافة وليس مجرد موظفين ميزتهم الوحيدة أنهم يمثلون رأي السلطة التنفيذية. والأهم من ذلك الشفافية التامة في اختيار الأعمال التي تستحق الدعم وفق أسس واضحة تعتمد على المنتج الإبداعي لا على العلاقات الشخصية أو الهوية العامة للمنتج وهذه نقطة في غاية الأهمية وبحاجة إلى توضيح.
حتى الآن لم يتم في الأردن تعريف مفهوم "الثقافة الوطنية" ولكن أصبح هناك نوع من التصور الدارج على أن الثقافة الوطنية تعكس رموز التراث والتقاليد والعلاقات الاجتماعية الميزة للمجتمع الريفي لا المدني ، على اعتبار أن الماضي هو الأصالة وأن المعاصرة تمثل حداثة ذات هوية "غربية" وأحيانا غير متسقة مع الهوية الوطنية. هذا التصور هو أحد أهم اسباب ضعف المنتج الثقافي الأردني وعدم ملاءمته للتسويق لا في داخل الأردن ولا خارجه. دعونا نكون واضحين وصريحين ، الدولة الأردنية قد تكون تشبه "دلة القهوة" في شكلها الجغرافي ولكنها دولة حديثة ومدنية تجاوزت بسنوات طويلة مفاهيم التراث والفلكلور في تعريف هوية الثقافة الوطنية. الأردن هو من أكثر الدول العربية مدنية من ناحية ديمغرافية إذ يعيش نحو 74% من سكان الأردن في المدن ، وبالتالي فإن مجموعة القيم والسلوكيات والممارسات أصبحت ذات طبيعة مدنية بغض النظر عن مدى قبولنا أو رفضنا لبعض هذه القيم من وجهات نظر شخصية. لم يعد من المفيد أن تكون الهوية الثقافية للأردن تمثل رموزا فلكلورية بالرغم من القيمة العالية جدا لهذه الرموز. ليس من المقبول أن تبقى صورة الأردن في السياحة هي الرجل الذي يصب القهوة ، فهذا الرجل قد تعلم قبل معظم أقرانه العرب وحصل على أفضل الشهادات وهو الآن يقود التطور التكنولوجي في الدول العربية المختلفة ومن الظلم إعادته إلى حالة الهوية التراثية بالرغم من الاعتزاز بها. ومن ناحية أخرى ما عاد من المقبول أن تكون الشخصية الأردنية في البرامج التلفزيونية ممثلة بشخص مثل "العم غافل" - مع كل التقدير والاعتزاز للفنان حسين طبيشات الذي يملك الطاقة والموهبة الكفيلة بالخروج من هذه الشخصية - حيث من الأفضل الخروج من الإطار التقليدي والعمل على إبداع ثقافة تتناسب مع المعطيات الحديثة للدولة الأردنية.
الأردن يمثل نموذجا عربيا رائدا في التعليم والاقتصاد والصحة والتكنولوجيا الحديثة وفي العلاقات الاجتماعية والدور المتميز للمرأة سواء في الريف أو المدينة ويجب أن ينعكس ذلك من خلال منتج ثقافي عالي المستوى. الأردن دولة قطعت شوطا في مسار الديمقراطية ولا بد من أعمال فنية ذات طابع سياسي وفكري تتجاوز الإطار التقليدي لثقافة "الزفة السياسية" التي يعتقد البعض أنها تمثل نموذج الولاء والإنتماء للدولة والتي لا يمكن تسويقها خارج الأردن وأحيانا داخل الأردن نفسه إذا اقترنت هذه المنتجات بالسذاجة.
ما حققه الأردن في مجال الإنفتاح الديمقراطي يجب أن يكون ظاهرا للعيان في أعمال أردنية تقدم رؤية منطقية وواقعية للأحداث السياسية الساخنة التي مرت بها المنطقة حتى لا تبقى الرواية مقتصرة على الدراما السورية والاستعراضات الشخصية لمحمد حسنين هيكل بالإضافة إلى منتجات ثقافية تظهر الحالة السياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة في الأردن والتي تحمل الكثير من المزايا الحقيقية القابلة للترويج.
المنتجات الثقافية التقليدية التي تمثل اسلوب "الزفة الثقافية والسياسية" باتت أداة للكثير من أشباه المثقفين والفنانين للحصول على مكانة لا يستحقونها في الحياة الثقافية الأردنية ، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على نقل الثقافة الأردنية إلى الخارج نظرا لعدم تمتعهم بمواهب إبداعية حقيقية باستثناء اعتماد أسلوب "الدفاع عن الهوية التقليدية" ، وهذا ما يجعل من مهمة صندوق الثقافة الجديد حيوية في تقديم المعايير الإبداعية على المعايير الثقافية والشخصية التقليدية.
إذا كان الإبداع الثقافي يتطلب عرض مسرحيات يشارك فيها ممثلون وممثلات فهذا ليس ضد طبيعة الثقافة الأردنية ، وإذا كان ذلك يتطلب منتجا تلفزيونيا يعرض آراء المعارضة السياسية التاريخية فهذا ليس طعنة ضد الانتماء ، وإذا كانت طبيعة المجتمع الأردني الجديدة تتضمن قيما وسلوكيات ترتبط مع جيل الشباب فهذا لا يعني نسيانا للثقافة الوطنية الأصيلة وإذا كانت الأعمال الفنية يتم عرضها بلهجة مدنية فهذا ليس عيبا لأن حوالي ثلاثة أرباع سكان الأردن يعيشون في المدن الآن ، وإذا كان الإبداع الفني الموسيقي يتطلب استخدام الغيتار الإلكتروني بالإضافة إلى الربابة فليكن.
الثقافة الوطنية الأردنية يجب أن تمثل إنعكاسا لبلد مساحته 89 ألف كم مربع وعدد سكانه 5,5 مليون شخص لتعكس قيم هذا المجتمع بكل اختلافاتها وتعدديتها التي تساهم في الإثراء للنماذج الإيجابية في الثقافة الوطنية. وهذا يعني أن المنتج الثقافي الأردني يجب أن لا يكون مقتصرا أيضا على العاصمة والمدن الكبرى ، فهذا المبلغ المخصص لدعم الثقافة يمكن أن يساهم في بناء مراكز ثقافية حديثة في المحافظات الأردنية وأولها محافظة العقبة وهي الأكثر فقرا بالثقافة بالرغم أنها الأكثر غنى بالمشاريع الاقتصادية ، وكذلك كل محافظات الشمال والجنوب لدعم الجهود الثقافية الناشئة في هذه المحافظات.
من المهم أن يساهم الصندوق أيضا في دعم مشاريع قابلة للاستمرار والاستدامة مثل إنشاء مراكز إنتاج ثقافي وفني يمكن أن تقوم بعد ذلك بدعم منتجات إبداعية أو احتضان فعاليات ثقافية مستمرة أو تزويد المبدعين الشباب بمنح لدعم انتاجات ثقافية متميزة قادرة على المنافسة الإقليمية وحتى الدولية لأن الإبداع يكمن عادة في الأفراد لا في المؤسسات.
صندوق دعم الثقافة فرصة ممتازة لتقوية وتحسين نوعية المنتج الثقافي الأردني وتوسعة إطار مفهوم الثقافة الوطنية لتصبح أكثر حداثة وتناسب مع التطور الذي شهده المجتمع الأردني وأن لا يتسبب تقديرنا واحترامنا الشديدين للتراث في أسر الثقافة الأردنية ضمن هذا الإطار التراثي غير القادر في معظم الأوقات على أن يعكس حقيقة الإنجازات التي تحققت في هذا البلد وجعلته رائدا في مجالات عديدة وهذه الجهود تستحق أن يتم عرضها بالطريقة المناسبة ومن قبل مبدعين حقيقيين.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش