الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية * «هل يؤدي البحث العلمي دوره الخطير المنوط به» سؤال يبحث عن إجابة

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
قضايا محلية * «هل يؤدي البحث العلمي دوره الخطير المنوط به» سؤال يبحث عن إجابة

 

 
* الفلسفة والبحث العلمي توأمان لا ينفصمان لكنهما بالتأكيد ليسا منغوليين ولا سياميين * البحث العلمي مسألة بحجم ان نكون دولة تتسنم المكانة التي نرنو اليها

احمد ابو سعدة
لم يخطر ببالي ان الحديث في مسألة كالبحث العلمي سيكون ورطة من الوزن الثقيل ، فما ان عزمت على ذلك ومحورت فكرتي حول سؤال "هل يؤدي البحث العلمي دوره الخطير المنوط به ؟" حتى وجدتني اتلفت ذات اليمين وذات الشمال حيرة ، واكتشفت ان المسألة اكثر صعوبة وتعقيدا مما زين لي عقلي ، وألفيت نفسي من السطر الاول متورطا بضرورة الاجابة عن اسئلة حول ماهية العلم وفلسفته وابجديات المنهج العلمي اضافة الى طرح جملة من العناصر كل واحد منها يكفي بجدارة لان يكون محورا في ندوة علمية متخصصة تشكل في مجموعها ابعاد او بعض ابعاد قضية ما كان لي ان خوض فيها ، لقد كادت شجاعتي ان تخذلني وباتت اسئلة تصنف على انها محبطة من قبيل هل استطيع ذلك تحوم في رأسي ، فالمسألة لها علاقة وثيقة بالتشريعات الناظمة وبالشراكة بين مراكز البحوث المتخصصة والجامعات من جهة وبين القطاع الخاص والحاجات التنموية والباحثين المتخصصين منهم والمغمورين من جانب آخر ، ولها علاقة بالتمويل والتفرغ والحوافز والتشجيع ، وتتقاطع مع رسائل الدكتوراة وهل مواضيعها تأتي عشوائية ام انها موجهة لغاية وهدف علمي تكاملي مع التنمية والمجتمع والبحث وتفجير الابداع ، وايضا لها علاقة وظيفية بالتعليم والتعليم العالي ومنهجة التفكير وتدريبه على طرق البحث من الصفوف المدرسية الاولى ، وعلاقته ، اقصد البحث العلمي ، بالنقد بدءا بالنقد الذاتي ثم نقد الاشياء فنقد النصوص ، ودور ذلك كله في توطين التكنولوجيا والتطبيق التكنولوجي ، وبالعلاقة الوظيفية بين البحث والمختبرات وجاهزيتها وتقنيات استخدامها ووفرتها.. وايضا البحث العلمي بين النظرية والتطبيق والبحث العلمي الوظيفي وهل يؤتي اكله في مقارنة بالبحث الحر اليتيم من كل مقومات النجاح وعلاقة ذلك بالسلوك البحثي..
واخيرا ، الفجوة الواسعة التي تفصلنا او تفصل البحث عن الفلسفة والفكر الفلسفي ، وهناك سؤال: هل يكفي كل ما سبق للادعاء باننا اشبعنا المسألة عرضا وتحليلا بما لها وما عليها إن نجحنا في الطرح؟ بالتأكيد اشك تماما في ذلك لان البحث العلمي واحد من المسائل العظيمة التي تؤسس لنهضة شاملة بحجم ان نكون دولة متقدمة تتسنم المكانة التي نرنو اليها وبحجم الرغبة العارمة التي جعلت فلاسفة وعلماء من امثال انطون لافوزييه واوجست هيزنبرغ وجوزيف غايلوساك والسير همفري ديفي وفريدريك لونغو وغيرهم الكثير الكثير يؤسسون لنهضة علمية لا على مستوى اوروبا ولكن على مستوى العالم ، لان العلم اصلا لا موطن له. اعترف انني (تحايلت) على ورطتي للخروج من هذا المأزق الذي حشرت نفسي فيه ، فالحديث في هذا الكم الهائل والمتخصص والمتشعب والاشكالي من المحاور في قضية علمية ليس (لعبة) خاصة في ظل فوضى منزلية شاملة سببها لي (العبقري الدهان الذي تبين فيما بعد ان لديه عمى الوان) على مدى اسبوع كامل جعلني ابحث عن حذائي فلا اجده فوجدتها فرصة لانعاش مهاراتي فشاركته العمل يدا بيد وفرشاة بفرشاة وكل املي ان اخرج من هذا المولد باي (دهان) ، المهم ان استجمع شتات اشيائي و.. افكاري.
ومع ذلك فقد وجدت ضالتي اخيرا للالتفاف على ورطتي في شخص اعرفه اسمه (احمد) ، هو قصير القامة مثلي ، واشيب مثلي ولا يجيد الحديث مثلي ، مبرمج على الصمت 24 ساعة الا ساعة ، بالكاد ينتزع من اعماق دواخله جملة مشتتة ، اعياه التفكير عن النطق حتى اضحى نصف ابكم ، يوحي منظره دائما وكأنه مستغرق في شيء ما ، واعتقد للحظة مثلي انه يمكن ان يكون (اينشتاين) العرب.. لكنه على اية حال ليس (انا).
لقد وجدت في (تجربته) البحثية نموذجا يصلح للعرض وتسليط الضوء على بعض المطلوب وان كانت كما يقول تجربة غير سارة ويحتسبها واحدة من عشرات المرات التي سجل فيها فشلا ذريعا ، لكنني مع ذلك وجدت فيها مساحة صالحة للحديث في مسألة تبدأ بالملاحظة والاستقراء وتنتهي في مختبر الاجهزة والقياس لتسجل النتائج فتحا علميا جديدا او.. اطلاق فكرة علمية قد يصنفها البعض على انها فاشلة وعبثية او في احسن الاحوال خيال علمي ، لكنها في نظر الآخرين قد تستحق البناء عليها ربما لانها لم تنضج بعد او لانها لم تستكمل اشتراطات اعتمادها كشفا..
بالمناسبة ، كم الف فكرة دفنا لمجرد اننا استعجلنا إفشالها؟.. وبالمناسبة ايضا هل نملك سجلا لمثل هذه الافكار لعل احداها تجد (عبقريا) يحولها الى صيغة علمية ناصعة في يوم ما؟..
هل نتعامل مع الافكار (الفاشلة،) بهذه الطريقة؟ اعود لصديقي الذي حمل اوراقه لتوثيق (ادعائه) بتحقيق كشف علمي لدى الجهات المعنية لحفظ حقه في الملكية الفكرية.. هل هناك ما يبرر او يحتم هذا الاجراء في بلد (فقير) بالبحث العلمي؟ ربما ، لكنه على اية حال اجراء يشي بان هناك من يتربص بك (ليلطش) اختراعك او بحثك ، هذا سبب كاف للتكتم على الفكرة وتفاصيل البحث واحاطته بالسرية المطلقة ، وهذا بالطبع ايضا اول الطريق او اقصر الطرق لمقبرة الابداع العلمي والبحث العلمي ، فانا لا اتصور مشروعا علميا او ادبيا يمكن ان يكون ناضجا او كاملا لا يأتيه الباطل عن يمينه ولا عن شماله دون ان يتلاقح بافكار الآخرين ، ودون ان نشبعه نقاشا ونقدا وبحثا في الفضاء العلمي والعلني المفتوح.. هل يمكن ان يتأتى كل هذا مع هذه السرية والتكتم والحذر الشديد من ان (ينكشف) امره؟..
يقول صاحبنا انه راقب ثم راقب على مدى سنوات طويلة ، وقبل ان يسجل ملاحظاته كما يفعل العلماء الذين قرروا الطريقة العلمية في البحث ، وقبل ان يستنبط نظريته ايضا كما يفعل العلماء ، يقول انه غاص بينه وبين نفسه حتى (المخيخ) في نقاش مستفيض للمسألة حد المعايشة لكنهم كما يقول قبل ان يخذلوه ويحبطوا مشروعه ويسفهوه سألوه: هل وافقت التجربة ما تقول؟.
هذا سؤال ينطق بالحق ، حتى وإن قال (اوجست هيزنبرغ) ان نتائج التجارب لا تتشابه على الاطلاق ، وان اي تجربة لن تأتي وفاقا للتجربة السابقة تمام الموافقة ولو اتحدت الآلات والظروف ، ومع ذلك فالتجربة حق لكنها قي حالة صديقي تعني احد امرين ثالثهما الفشل الاجرائي المحتم: فاما ان يكون لك مختبرك الخاص.. او ان يكون لك مختبرك الخاص (ايضا)،..
فحتى يومنا هذا نستطيع بسهولة ان نشير الى مكتبات عامة تتيح لكل باحث او عاشق للقراءة ان يرتادها دون كثير عناء لكننا لم نسجل بعد وجود مختبرات علمية عامة تتيح لاي (مغمور) من خارج اسوار الجامعات ومراكز البحث ان يجري تجربته ليطابق النتيجة مع النظرية ، يبدو ان الحكومة ومراكز الابحاث العلمية وشركات القطاع الخاص المقتدرة لم تتنبه بعد لهذه المسألة ومدى تأثيرها في تعميم وتشجيع البحث العلمي ، بالمناسبة: هل هناك تشريع يفرض على الشركات الصناعية وجود مختبر خاص لها يعكف على البحث والتطوير ، تطوير المهارات البشرية والانتاج والاهم توطين السلوك البحثي؟ سوف اعود لسرّية صديقي وتكتمه في بحثه الذي فرض عليه حالة من النقاش الذاتي والجواني خوفا على بحثه من يطير في الهواء الى غير رجعة فهو احد اهم عناصر قضيتي ، فقد غاب عن باله ان يقرأ تشارلز ساندرز بيرس او غيره العشرات من (فقهاء) الفلسفة والعلوم: تشارلز مواطن امريكي ولد عام 1839 ، درس الرياضيات والعلوم بجامعة هارفارد واضاف اليهما الفلسفة والكيمياء ، الّف (كيف نوضح افكارنا.. وتثبيت الاعتقاد) ، وكان من رواد الفلسفة البراجماتية ، لقد كتب في هذه المسألة: "من المستحيل ان يعيش الناس في حالة شك مستمرة لان الاساس هة الاعتقاد لا الشك ، ولذلك لا بد لهم من اعتقادات ثابتة كي سلكوا على اساسها في الحياة العملية ، وخير الوسائل لتثبيت الاعتقاد هو المنهج العلمي الذي من شأنه ان يجعل جواب ما نعتقده امرا يشاهده ويلاحظه كل الناس فنخرج بالفكرة من مجرد كونها اعتقادا ذاتيا عند الافراد ونجعلها حقا عاما للناس جميعا ولتجد اعترافا مشتركا يصورة دائمة ، وبذلك يكون لها معنى عند الناس جميعا ولا يتغير معناها بتغير الافراد ، وهذه هي الطريقة التي يتفاهم بها العلماء".
(بيرس) اراد ان يقول ان البحث العلمي ينبغي ان تكون لغة الفلسفة لكنه قال ايضا وإن بشكل آخر ان لا علم ولا بحث علميا مع الفردية والتكتم والسرية وفقدان الامانة العلمية والشفافية العلمية.
ألم اقل ان المسألة اصعب من ان اتناولها ، واصعب من ان يغوص فيها صديقي ، فمن كل عنصر من عناصرها يتولد عنصر آخر او اكثر حتى نجد انفسنا في بحر من عناصرها ، لكنها كلها على اية حال تجمعها الفلسفة التي طلقناها دون معرفة السبب لهذا الطلاق التعسفي ، فهما ، الفلسفة والبحث العلمي ، توأمان لا ينفصمان لكنهما بالتأكيد ليسا منغوليين ولا سياميين بالمعنى الدارج في مراكز الطب والجراحة الاستئصالية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش