الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قضايا محلية * الاردن.. لا دخل استراتيجيا ثابتا والنظام الضريبي بديل وطني حتمي * تراجع حجم الصادرات لصالح الواردات ينعكس عبئا ضريبيا على المواطن

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
قضايا محلية * الاردن.. لا دخل استراتيجيا ثابتا والنظام الضريبي بديل وطني حتمي * تراجع حجم الصادرات لصالح الواردات ينعكس عبئا ضريبيا على المواطن

 

 
* معادلة مختلة: العولمة والغلاء وتدني الرواتب.. وتعدد الضرائب وارتفاع قيمتها وعدم العدالة في التوزيع * 60 نوعا من الضرائب.. 16و% ضريبة مبيعات يدفعها ايضا المعدمون والعاطلون عن العمل

احمد ابو سعدة
لقد فتشت عن اول عهدي بالنظام الضريبي فوجدته لم يزل ماثلا بكل ما علق به من عبق الماضي الجميل.. كان ذلك يوم ان ابتاع لنا والدي ، يرحمه الله ، مذياعا في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي حيث كان يسارع الى دفع رسوم اقتناء هذا الجهاز الاستراتيجي في موعده دون تأخير ربما خشية ان (يحجبوا،) عنا خدمة البث الاذاعي.
لقد غادر والدي هذه الدنيا واورثنا المذياع لكنني اعترف اننا لم ندفع هذه الضريبة من بعده ولو مرة واحدة لا ادري لماذا ، ربما لان الجهاز لم يعد استراتيجيا كما كان ، وربما ايضا لان الحكومة غضت الطرف عنه لانها استحدثت ضرائب اخرى ذات جدوى اكثر ومعقولية اكثر.
ورغم اني أحسب نفسي من المتعاطفين مع الحكومة في هذه المسألة الضريبية الا اني كلما اسمع او اقرأ عما يذكرني بمستوى الرعاية والخدمات التي يتمتع بها دافع الضريبة في دول اعالي البحار ، عفوا ، دول ما وراء البحار ، تستبد بي مشاعر مختلطة من الاحباط والحيرة والدهشة مقارنة بالتوصيات والنصائح والبرامج الاصلاحية التي اجترحتها الصناديق الدولية لمساعدتنا في الخروج من ازمتنا الاقتصادية.
بالطبع والقطع لا يستوي مع المنطق ان نطالب بذات المستوى الرفيع من الرعاية التي تقرها حزمة واسعة من القوانين في الدول المتقدمة توازن بشفافية عالية بين واجب المواطن تجاه الدولة وحقه عليها ، لاننا نتحدث في هذه الحالة بين نقيضين: دول ذات اقتصاد متين وزاهر ومتطور تدعمه ثروات طبيعية وقواعد انتاجية صناعيا وزراعيا و.. و.. ودول اخرى لا تملك شيئا من هذا كله.
لكن المفارقة العجيبة ان المواطن هناك يحصل على كل ما (يدغدغ) انسانيته ويعلي من حقه في الرفاهية رغم عدم حاجته اصلا لكل هذا لان دخله العالي جدا كفيل بتغطية هذا الهامش الحياتي ، بينما نحن وإن (ترفّعنا) عن كل هذا الترف الانساني المتقدم فاننا ندفع جزءا عزيزا من دخلنا المتواضع الى الحد الذي يشكل عبئا على مستوى ونوعية الضرورات التي تكفل لنا الاستمرار في الحياة بشكلها المتواضع.
اقول ، لقد اوقعوا انفسهم بالتناقض واوقعونا في حيرة من امرنا: فبينما اقنعونا ان فلسفة الحكومة (الاب) لم تعد تتفق مع منطق الدول العصرية والاقتصاد الحر وان الحل يكمن في الاقلاع عن سياسات الدعم وزيادة الضرائب ثم رفعها بالتدريج ، فانهم في بلادهم يغدقون على شعوبهم بعقلية تتضاءل امامها عقلية الأب والأم معاً.. ثم انهم بعد كل هذا ينصبون من انفسهم مفتشا على حقوق الانسان ومدى الالتزام بها، ولم نذهب بعيدا جدا في المقارنة ، فنحن نمارس هذا التناقض بحذافيره على شرائح المجتمع في الوطن الواحد.. بدليل ان الفقير يدفع (16%) ضريبة مبيعات كاملة غير منقوصة ، تماما كما يدفعها من يحتاج الى فريق لتقدير ميزانيته انه مع ذلك يتمتع بمميزات وخدمات من نوع (Super) او (V.I.P) ، بل ان الاكثر عجبا ان يدفع العاطل عن العمل هذه الضريبة وغيرها من الضرائب الاخرى كما يدفعها الآخرون.
اؤكد انني لا أكن مشاعر سلبية دفينة ضد النظام الضريبي لان ذلك بكل بساطة يتناقض مع كوني مواطنا طبيعيا اتمتع بكل مميزات الوطنية الحقة ما يجعل من الالتزام الضريبي واجبا نظيفا لا يدانيه شك ولا تشوبه شائبة رغم اني لا استطيع التأشير على وجه التحديد كم ينالني من (60) نوعا من الضرائب ولا حتى كم يكلفني ذلك على مدار العام لانني اؤمن ان وطنا عزيزا يستحق اكثر من مجرد ضريبة ، فكيف اذا كان الوطن بلا موارد طبيعية ، على الاقل حتى كتابة هذه المقالة ، وايضا لم تسعفه الظروف لبناء قاعدة صناعية تصنفنا في قائمة الدول المنتجة؟.. حتى (زراعتنا) فانها لا تزال تحبو وتستغيث بالحكومة بين الفينة والاخرى لإنقاذها من مجرد موجة برد او حر.
هذا كله يجعل من ميزان صادراتنا يتراجع لصالح الواردات يتحملها المواطن في نهاية المطاف ضرائب مرئية وغير مرئية ، ويعني ايضا ان الدولة لا دخل قوميا استراتيجيا وثابتا لها يعزز ويدعم ميزان المدفوعات والمصاريف الرأسمالية والخدماتية عدا عن تمويل المشاريع الاستراتيجية ومشاريع البنية التحتية ما يجعل من النظام الضريبي الذي يموله دافع الضريبة الاردني من جيبه بديلا وطنيا حتميا وإن كان موجعا ومؤلما.
هذا طرح يصب في جعبة الحكومة ، لكن السؤال هو: هل ادى المواطن واجبه الضريبي تجاه الحكومة على احسن ما يكون الاداء ام ان الحكومة تطمح بالمزيد؟ هذا سؤال تملك الحكومة وحدها الاجابة عنه ، لكن في المقابل تماما من هذا هناك سؤال آخر ذات صلة بالعلاقة بين الكلفة الضريبية ومستوى الخدمات المقدمة ، فهل ادت الحكومة في المقابل واجبها تجاه المواطن كما ينبغي ان تكون الخدمات؟ فلنكن واقعيين ونعترف بالفضل ، فنحن قياسا بغيرنا إن قصرنا نظرنا الى من هم وراءنا فلا نملك الا ان نحمد الله كثيرا.. وهذا ايضا يصب في جعبة الحكومة مرة اخرى ، لكن سؤال الاسئلة كلها يتمحور حول ماذا عن حظ المواطن في برامج الاصلاح الاقتصادي والضريبي كونه محورا لاي خطة اصلاحية يرجى نجاحها ، وماذا عن ابواب (جهنم) ، آسف ، لقد قصدت ابواب العولمة التي انفتحت على مصاريعها فأتت على الاخضر واليابس مما كان يعتبره المواطن البسيط احتياطا استراتيجيا له وقت الضيق او الأزمات ، وماذا فعلت الحكومة للحد من الغلاء الفاحش بطبعته المحلية.. وايضا ماذا فعلت لمعالجة الفقر والبطالة وتدني الاجور و.. و..
اقول هذا لان هناك علاقة تكاملية حتمية بين النظام الضريبي فلسفة وتخطيطا استراتيجيا كونه موردا وطنيا للحكومة وبين كون المواطن قادرا على الالتزام أم ان دخله اصبح متآكلا امام ابواب صرف تحتل الاولوية على ضروراته المعيشية.
سوف أخرج عن محددات الايجاز الى آفاق التوضيح والمكاشفة فأقول: لا أظن ان الحكومة ستقف عند هذا المستوى الضريبي ، وايضا لاسباب عديدة تحمل معها مبرراتها لن تكون اسعار النفط المتقلبة المتهم الوحيد فيها ، لكنها بالتأكيد سوف تنطلق من الحاجة الماسة لسد الفجوة بين ميزان المدفوعات والدخل القومي.. وعندها هل سيكون المواطن الذي ينوء تحت ما يعتبره حملا ضريبيا فاق قدرته على التحمل ، اقول ، هل سيكون قادرا على الوفاء ام ان هناك حلاً يعيد التوازن لهذه المعادلة الإشكالية؟ لقد آن للحكومة ان تولي اصلاح النظام الضريبي في جانبه الاجتماعي ما يستحق من الاهتمام وان يأخذ في اعتباره توزيع العبء الضريبي على شرائح المكلفين بشكل اكثر عدالة لا ان يتساوى فيه المعدم والفقير وذوو الرواتب الشحيحة مع غيرهم من القادرين والموسرين.. بل انني ارى ايضا من الضرورة استحداث ضريبة جديدة يخصص ايرادها لتعديل سلم الرواتب الشحيحة لموظفي الحكومة ، وسن تشريع يضع حدا لمهزلة الحد الادنى من رواتب القطاع الخاص بما لا يقل عن مئتي دينار.. ودراسة إمكانية اجتراح آلية لإعفاء المعدمين والعاطلين عن العمل من الالتزام الضريبي.. واستحداث نظام يضبط الشطط غير المبرر في الاسعار للحفاظ على قدرة المواطن البسيط على الوفاء بالتزاماته الضريبية منها وغير الضريبية.. واخيرا ، وهو ما اعتبره (بيضة) الميزان لكل هذه الحزمة من الاقتراحات ، ضبط الإنفاق والبذخ في الدوائر والمؤسسات الحكومية.
إنها معادلة إشكالية فعلا لكنني لا اظن ان الحكومة عاجزة عن ضبط عناصرها لتعيد لها التوازن المطلوب والمرضي لها وللمواطن على حد سواء. والا فكيف يمكن ان تكون العلاقة تكاملية وحتمية بين المواطن وحكومته بغير هذا؟
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش