الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مستقبل مبهم للأحزاب بعد قانون «الداروينية الحزبية» ، * باتر محمد علي وردم

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
مستقبل مبهم للأحزاب بعد قانون «الداروينية الحزبية» ، * باتر محمد علي وردم

 

 
تدخل الأحزاب الأردنية المرحلة الأشد حرجا في تاريخها المعاصر بعد إقرار مجلس الأعيان لقانون الأحزاب متضمنا بندا يشترط وجود 500 عضو مؤسس في أي حزب جديد وممهلا الأحزاب القائمة حاليا مدة سنة واحدة لتصويب أوضاعها وفق القانون الجديد.
إنها مرحلة فريدة في تاريخ الحياة الحزبية في الأردن مبنية على قانون "البقاء للاقوى" أو البقاء للأصلح وهو المبدأ الرئيس "للنظرية الداروينية" التي انتقلت من فهم أسباب البقاء والتنافس في الطبيعة إلى العلاقات الاجتماعية ومن ثم إلى العمل السياسي في الإبداع الأردني الأخير الذي يستحق الدخول في توثيق التجارب الحزبية التشريعية الفريدة في العالم.
وزير التنمية السياسية أطلق صرخة في مجلس الأعيان تمثل توجهه الحزبي لا الحكومي ، عندما قال: ان القانون "جريمة في حق الأردن". وفي الواقع ربما كان الوزير محقا في نصف ما قاله فقط ، فالقانون هو جريمة بل ومجزرة حقيقية ، ولكن ليس في حق الأردن بل في حق الأحزاب القائمة حاليا إذ يشكل شرطا تعجيزيا يجعلها غير قادرة على التكيف مع البيئة التشريعية الجديدة وبالتالي التعرض لخطر الانقراض ، بينما لن يتمكن من البقاء سوى الأحزاب الأكبر والأقوى ضمن نظرية الداروينية الحزبية في الأردن.
من الضروري التمييز بين مصالح الأحزاب والمصلحة الوطنية في حياة حزبية متنامية ومؤثرة وتمثل المجتمع حيث تحاول الأحزاب الربط ما بين مصلحتها ومصلحة الحياة الحزبية النموذجية ، ولكن القانون الجديد في بند الأعضاء الخمسمائة ونصفهم من المحافظات هو في الواقع يشكل عائقا هائلا أمام التنمية السياسية في الأردن ليس بالمفهوم المجرد ولكن من حيث التوقيت.
النص الذي تقدمت به الحكومة الذي طالب بوجود 250 عضوا كان يبدو منطقيا بالرغم من غضب الأحزاب أيضا إذ لم يكن من المقبول الاستمرار في وجود أحزاب عمرها تجاوز 18 سنة (سن الرشد عند الإنسان العادي) وبعضها يصل عمره إلى عقود بأن يكون غير قادر على جمع 250 شخصا وأن يكتفي بعدد قليل مثل خمسين شخصا فالعمل الحزبي ليس ترفا ولا مزحة بل جهد منظم يهدف إلى تغيير الواقع السياسي وهذا لا يمكن أن يتم بخمسين شخصا ومكتب وفاكس وجهاز كمبيوتر كما في الكثير من الأحزاب الحالية. ولكن الوصول إلى رقم 500 عضو مؤسس يبدو تحديا هائلا الآن حتى بالنسبة إلى أحزاب عريقة كالحزب الشيوعي ومجموعة الأحزاب اليسارية والبعث بجناحيه والأحزاب المنبثقة عن المنظمات الفدائية الفلسطينية وبالطبع الغالبية العظمى من الأحزاب الوسطية ، ولن يحقق هذا الشرط إلا حزب جبهة العمل الإسلامي بالإضافة إلى تحالفات تنظيمية سريعة بين بعض الأحزاب ذات التوجهات المتماثلة ، وهذا ما يتطلب تجاوز عقدة الذات لدى قادة الأحزاب القائمة والوصول إلى صيغ حزبية وحدوية.
ولكن السؤال الذي يتهرب الجميع من الإجابة عليه هو لماذا وصلنا إلى مرحلة بعد 18 سنة من الانفتاح الديمقراطي اصبح فيها من شبه المستحيل على الأحزاب القائمة أن تجمع 500 عضو مؤسس؟ أليس من المفترض أن تكون الأحزاب قد تجاوزت مرحلة الحضانة والنمو ووصلت إلى نضج كاف يجعلها قادرة على استقطاب خمسة آلاف وليس مجرد خمسمئة عضو؟ أعتقد جازما بأن الإجابة على هذا السؤال موجودة في صورة نشرت في بعض الصحف المحلية قبل يومين ، وفيها رمز حقيقي للوضع البائس للأحزاب الحالية. الصورة هي لمجموعة من قادة الأحزاب المعارضة اثناء مؤتمر صحافي للإعلان عن رفضهم للقانون الجديد. هذا المؤتمر الصحافي ضم 4 قادة للأحزاب على طاولة وأمامهم 3 مايكروفونات تلفزيونية أحدها لقناة الجزيرة ووراء السادة قادة الأحزاب ثلاث صور على الأقل للرئيس العراقي السابق صدام حسين.
ما لم يكن موجودا في الصورة الاهتمام الإعلامي المحلي ووجود علم أردني أو اية صورة تمثل معلما أردنيا مثل مدينة أو حتى شعار حول الأردن ، حتى مجرد صورة لسوسنة سوداء أو قرية أردنية. الصورة تقول ان أحزابنا تعيش في عالم خاص بها ، بعيدة تماما عن هموم الشارع الأردني وبعيدة عن قضايا الناس وتراب الأرض وبعيدة عن الثقافة الأردنية وتحمل علاقات "عاطفية" وتنظيمية مع عدة جهات خارج الأردن وتحمل إعجابا يصل حد التقديس لقيادات سياسية عربية كلها بلا استثناء لم تكن ترضى أن يستمع إلى صوت مخالف له. كيف يمكن لهذه الأحزاب أن تقنع المواطن العادي بقيمتها السياسية وبأنها في الواقع تهدف إلى الدفاع عن مصالح المواطن الأردني وتهدف إلى تقديم بديل اجتماعي - اقتصادي شعبي عن السياسات الحكومية ، وأنها قادرة على التضحية بالذات وأن تحمل قناعة مطلقة بالديمقراطية والإصلاح؟
المشكلة الجوهرية في الأحزاب الأردنية ليست قانون الأحزاب بل في فشل هذه الأحزاب في النزول إلى الشارع وحشد المؤيدين. وباستثناء جبهة العمل الإسلامي بقوته الدينية العاطفية وحزب البعث العراقي بقدرته المالية التنظيمية ، لم تستطع الأحزاب أن تستقطب الناس ليس فقط خوفا من الضغوطات الأمنية ولكن بسبب عدم القناعة بجدوى الحياة الحزبية في غياب البرامج والنظم الديمقراطية في إدارة الحياة الحزبية.
قانون الداروينية الحزبية تم إقراره لعدة اسباب منها رغبة النواب في منع فرص العمل الحزبي الذي قد ينافسهم في الانتخابات وربما رغبة الحكومة في إبقاء المجتمع الأردني محصورا بين خيار الحكومة وخيار الاخوان المسلمين بدون بديل ثالث وهو خيار يصب في العادة لمصلحة الحكومة لدى الأغلبية الصامتة.
ولكن اللوم لا يمكن ان يوجه فقط لحكومة ومجلس نواب ومجلس أعيان أقرت القانون في أسبوع ولكن لأحزاب لم تستطع خلال 18 سنة على الأقل أن تصنع لنفسها قاعدة جماهيرية تحميها وتدافع عنها.
وبدلا من أن تخوض حوارات الاستقطاب في المحافظات والقرى الأردنية قررت أن تبني علاقات "عاطفية" وتنظيمية مع جهات غير أردنية وفقدت عمقها الداخلي وفقدت هويتها. الأردن بحاجة ماسة إلى عمل سياسي حزبي جماهيري يحمل برنامجا اقتصاديا - اجتماعيا معتمدا على المصالح الشعبية ومختلفا ومتمايزا عن ثنائية الحكومة والتيار الإسلامي التي خنقت الحياة السياسية في الأردن ، ولو أدى القانون الحالي إلى بناء 5 أحزاب يملك كل منها 5 آلاف عضو في العام 2011 فهذا سيكون إنجازا عظيما أهم من 18 سنة من الضياع والتآكل الحزبي ، ولكن من الصعب أن نتخيل أن هناك شروطا مناسبة سوف تنشأ قريبا لدعم هذه الأحزاب النموذجية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش