الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البطانيات تتحول إلى معاطف!

حلمي الأسمر

الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
عدد المقالات: 2514


اسم الكتاب «Blankets become jackets» وبالعربية « البطانيات تتحول إلى معاطف» أو جاكيتات، بالكلمة الدارجة، وهو كتاب، حسب التعريف الذي وصلني على البريد الإلكتروني، يروي قصص نجاح الدكتور طلال أبوغزاله التي نشأت من رحم المعاناة، اسم الكتاب كما يقول، مستوحى من صورة الغلاف وهي تروي إحدى قصص المعاناة التي عاشها، تم التقاطها خلال فصل الشتاء، عندما كان لاجئا وعمره عشر سنوات، يقول: «في ذلك الوقت كان الجو باردا ولم يكن لدى والديّ القدرة على شراء سترة مما دعا والدتي لأن تصنع لي سترة من «البطانية» التي حصلنا عليها من الأونروا كلاجئين، وكنت ألبسها خلال دوامي للمدرسة... وكنت أتفاخر بها أمام زملائي الذين يلبسون ستراتهم التي اشتراها لهم ذووهم من السوق، لأن سترتي كانت من صنع والدتي أولا ولأنها كانت توفر لي الدفء الكافي أكثر بكثير من سترات زملائي»!
سترة طلال أبو غزالة، أحالتني إلى قصة أخرى، وهي قصة قطعة القماش، حين تدخل أحد بيوت المخيم، (بيتنا مثلا!) كتبت ذات يوم أروي حكايتها، في سيرتي غير الذاتية، التي ربما ترى النور ذات يوم: وحكاية الملابس والقماش في بيت الفتى طويلة جدا.. وفصولها متعددة.. فوالدة الفتى كانت تمتاز عن غيرها بإتقانها للخياطة.. وكانت «ماكنة الخياطة» على الدوام جزءا رئيسا من مقتنيات البيت طيلة سنوات طويلة.. وهذه الميزة بقدر ما كانت نعمة على رب البيت، كانت نقمة على الفتى، إن أي قطعة قماش كانت تدخل البيت لا تخرج منه أبدا، إلا وقد تحولت الى خيوط أو مزق او لا شيء على الاطلاق. لقد كان ترتيب الفتى بين الأشقاء الخامس، وكان يسبقه في السن ثلاثة من الذكور وأنثى وتتلوه أنثيان وذكران، وقد أعطاه هذا الترتيب مكانة غريبة فرضت عليه أن تكون غالبية ملابسه مما يضيق أو يبلى على أشقائه الذكور ممن يكبرونه سنا، ولم يكن هذا ممكنا لو لم تكن والدته تمتلك موهبة «تديير» أو تدوير أي بنطلون أو قميص يرفضه الأخوة الكبار لسبب من الأسباب، و»التديير» هنا هو إعادة إنتاج البنطلون بالتقصير أو التضييق حتى يتناسب مع حجم الفتى، وهذا يعني أن البنطلون كان يلبسه الأخ الكبير حتى إذا مله او صغر أو أصابه شق او اهتراء، تحول إلى من يليه بعد إجراء الإصلاح اللازم.. وعادة ما كان الأخوان اللذان يكبرانه يرفضان لبس ما تم «تدييره» فيستقر أخيرا في حوزة الفتى كجزء من ملابسه.. وقد بلغ الأمر حدا ان كل او جُل ملابس الفتى كانت على هذه الشاكلة.. ومع تعاقب هذه العملية استقر في ذهن الفتى أن مقياس الأناقة منوط بخلو البنطال من الرقع وآثار ماكنة خياطة الوالدة.. بمعنى أن البنطال الأنيق هو البنطال الذي لم يتعرض لعملية جراحة بغض النظر عن طريقة قصه أو لونه أو موديله!
وعادة ما كان الفتى يرتدي هذه القطعة من الملابس حتى تمله فتحال الى استعمالات اخرى لا تقل أهمية عن فترة خدمتها في معيته .. وأهم تلك الاستعمالات على الاطلاق شحنها الى «مطحنة الشرايط»، وهي آلة ضخمة كانت تزور المخيم بشكل منتظم في مواسم معينة تقوم بفرم الملابس المستعملة وتحويلها الى ما يشبه القطن واستعمالها لصناعة المخدات والفرشات.
وما لا يتحول إلى «المطحنة» من نثار القماش، يجد طريقه الى ماكنة الخياطة، حيث يصار الى إخاطته مع بعضه البعض ليصبح وجها لمخدة او برداية أو «جنبية» وهي شيء يشبه الفرشة الصغيرة كانت تستعمل بكثافة للجلوس، كبديل عن الفرشة، أما ما لا يصلح من القماش لكل ما تقدم فيتحول الى «ممسحة» او فوطة للتنظيف أو يستعمل لإغلاق الشقوق في جدران المنزل لمنع الفئران والصراصير والهوام من مهاجمة سكانه، وهكذا يتبين ان اي قطعة قماش تدخل البيت تغدو عضوا دائما في الأسرة لا تغادره على الاطلاق!
ترى ما ثمن كل هذه المعاناة، التي سببها الاحتلال الصهيوني الغاشم لأرضنا؟

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش