الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الـمـــــدّة والــكــــراج

محمود الزيودي

الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
عدد المقالات: 712

المَدّة بفتح الميم والدال مع شدة على الدال . تعني بمفهوم الأردنيين الأوائل . السيل بفعل المطر . وهم يجمعونها إمدود ... في بعض السنين تتطوّر إلى طوفان يأخذ معه بيوت الشعر والتراب والمواشي وبعضا من خلق الله . كل هذا بسبب عدم الاحتراز ومفاجأة الطبيعة للإنسان ... يتندر الجيل القديم بحكاية “وراك يا سيل اعرف وسم الجمل وافرق” ... ملخصها أن مسافرين اثنين أمرحا للمبيت والاستراحة في أحد الأودية خبزوا على النار وانتبه أحدهم لأصوات رعد بعيدة ... اقترح على صاحبه الرحيل عن الوادي بسرعة ... فهو يتوقع المَدّة أو السيل أو الطوفان بين لحظة وأخرى ... يتفنن الراوي في الحكاية المصنوعة ... قال الآخر ... لا تخف حينما يأتي السيل ويشاهد وسوم جمالنا لن يقترب منا . الذكي الأول كان أكثر حذرا حمل قرص الخبز وهرب بجمله إلى الجبل ... جاء السيل جارفا .. استل الرجل سيفه ونادى ... وراك السيل اعرف وسم الجمل وافرق .
 تنتهي الحكاية أن السيل جرف الرجل والجمل والسيف وقرص الخبز ... قبل طوفان الخميس بعقود من السنين وضعت البلديات وأمانة عمان الكبرى شرطا لبناء مساكن الشقق في طوابق العمارات ... اشترطت أن يكون الطابق الأرضي كراجا للسيارات ومستودعا لخزانات الديزل لأغراض التدفئة المركزية ... ليس خشية من الطوفان فقط بل لمنع ازدحام شارع العمارة بسيارات السكان ... نفّذ صاحب العمارة أو شركة الإسكان شروط البناء ليحصل على الترخيص وإذن الأشغال لتمديد الكهرباء والماء ... بعدها بأيام أو شهر قام ببناء الجدران في الطابق الأرضي وتحوّل الكراج إلى شقة أو شقتين سكنيتين . وأحيانا أربعة ... الأمانة أو البلدية لم تتابع المخالفة لأسباب يصعب إحصاؤها ... ولكنها تتلخص بالتحايل أولا والواسطة ثانيا حتى جاء الطوفان ... انهدم جدار بين الشارع والطابق الأرضي فدخل السيل إلى مسكن عائلة حاملا معه ما جرفه من أخشاب ونفايات لم تستوعبها الحاوية على الأرصفة ... لم تنفع صرخة البدوي وهو يرفع السيف مشيرا لوسم الجمل ... ليس الكراج وحده كان موطن الخلل .
 كثير من المنازل بنيت تحت مستوى الشوارع ولم ينتبه مانح الترخيص لجدار استنادي صلب يحميها من المَدّة التي هجمت على أطفال البيت بغياب ذويهم ... تدخل راكان الدوايمه متطوعا بشاكوشه فأنقذهم ... الأربعين دقيقة من مدرار السماء كانت مفاجأة وتفوق قدرة البشر ... الرجال والآلات ... كان بالإمكان تخفيف أضرار المفاجأة بتطبيق القانون ... فالمشرّع كان بحذر الأنباط والرومان الذين بنوا عمان وفي ذهنهم جبالها السبعة وشعابها التي تصب في السيل من رأس العين حتى سبيل الحوريات ثم عين غزال ... أظهر الطوفان معدن رجال السير والدفاع المدني وعمال الوطن وشباب صنعوا سلاسل بشرية بأجسادهم لإنقاذ أطفال ومواطنين داهمتهم المَدّة داخل السيارات والباصات في الشوارع ... كانت فزعتهم من أسباب الحفاظ على الأرواح ... لا شك أنهم حملوا السيف بوجه المَدّة وقالوا .... أردني يا سيل اعرف معدن الرجال وافرق .

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش