الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خيبتنا بهم لا تقل عن خيبتهم بنا..!

حسين الرواشدة

الاثنين 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 2560
بعد ان افزعتنا جريمة الشاب الذي “نحر” والدته في احدى ضواحي عمان ، كنا بحاجة الى قصة اخرى تطمئننا على سلامة مجتمعنا ، وتعيد لمزاجنا العام ما فقده من اتزان.
اعرف بالطبع ان حادثة “النحر” غير مسبوقة في بلدنا ، وان صورتها لن تغادر ذاكرتنا ببساطة ، واعرف ايضا ان قصة السيدة التي اشتكت للمحمكة من اجل انتزاع حقها في رعاية والدتها المسنة التي يرعاها شقيقها تبدو مجرد نقطة صغيرة مضيئة وسط الظلام الذي خيم علينا بفعل الجريمة الاولى ، لكن مع ذلك كله يبقى ان ما فعلته السيدة الفاضلة وشقيقها يمنحنا بصيص امل بالخير الذي ما زال يتمتع به مجتمعنا.
قبل ان ادقق في صورة مجتمعنا استأذن بتقديم الشكر للام التي احسنت تربية ابنائها فوجدتهم حين تقدم بها العمر، ولابنها وابنتها الذين تنافسوا على رعايتها والبر بها وفضيلة القاضي( الشيخ هاني الحسن) الذي تعامل مع الموضوع بحكمة واعطانا درسا بليغا في الحكم والقضاء، لا يفوتني ان اشكر الصحفية ( سحر القاسم) وموقع عمون الذي نشر الخبر فقدم لنا نموذجا للاعلام الذي لا تستفزه اخبار الاشرار كما اعتدنا في اعلام الاثارة وانما ينهض بواجبه في اشهار اخبار الاخيار ايضا .
المشكلة ان ما فعله الشاب الذي قرر الانتقام من والدته بهذه الطريقة البشعة سيصدم مجتمعنا لوقت ما ، ثم سيتلاشى امام احداث اخرى ربما اسوأ مستقبلا ، والمؤكد ان الجريمة ، كغيرها من الجرائم التي شهدناها في الاعوام الماضية ستسجل في اروقة القضاء برسم “المحاكمة” دون ان تهز موازيننا الاجتماعية وتطرق بقوة على جدران مؤسساتنا الرسمية التي ما تزال صامتة.
اذا تجاوزنا قصة “ البرّ والوفاء” التي شهدتها احدى محاكمنا الشرعية ، بما تعكسه من صورة مشرقة لمجتمعنا وما يمكن ان تفرزه من خير وفضيله ، فان “الجريمة” الاولى التي سبقتها جرائم اخرى لا تقل بشاعة عنها تضعنا امام المرآة لنرى صورة مجتمعنا من زاوية حجم التحولات التي طرأت عليه والامراض التي تغلغت فيه .
السؤال الذي لا يفارقني كلما قرأت عن جريمة من فصيلة ما فعله الشاب بأمه هو : لماذا يحدث هذا ، هل هو “الجنون” ؟ لو كان كذلك لوجدنا له في “قواميس” علم النفس ما يفسره ، هل هو القسوة التي اجتاحت مجتمعاتنا فولدت فيها الاحقاد والضغائن وفسائل الكراهية ، هل هو اليأس الذي أطبق على بعضنا فانتهى به الى” النحر” او الانتحار ؟ حقا لا ادري لأن هذه “الجرائم” أكبر من ان تدرج في سياقات الفهم والتفسير وفق قواعد “الانحرافات” السلوكية التي عرفناها.
اعرف ان قسوة هؤلاء الذين دفعتهم انحرافاتهم النفسية او اضطراباتهم العقلية الى فعل ما نستنكره، لا تقل - ابدا - عن قسوة المجتمع الذي خرجوا منه وعليه، كما ان خيبتنا بهم لا تقل - ايضا - عن خيبتهم بنا، واذا كانوا بحكم التشريعات والاعراف قد اصبحوا مجرمين يستحقون العقاب، فان جريمتنا بحق السكوت على التربة التي اخرجتهم والمقدمات التي استقوا منها ما آلوا اليه من نتائج، لا تقل بحال عن جريمتهم.
لقد اخطأ هؤلاء حقا، ولكن هذا الخطأ كان انعكاسا لحالة نفسية مضطربة يعاني منها مجتمعهم، او هو - ان شئت الدقة - احد التعبيرات الصارخة والشاهدة - في آن - على توعك المجتمع واعتلاله، اما كيف حدث ذلك، فاننا لا نعدم من يدلنا على المحطة التي انطلق منها الانحراف، وتولدت فيها التعقيدات والامراض النفسية والعقلية، وهي - على كل حال - تتجاوز الفرد والاسرة، بل والمجتمع ايضا، لتشمل منظومة طويلة من المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية التي خرج منها كل ما نعانيه من اضطرابات وتشوهات.
ان الصور التي عهدناها للامراض النفسية والعقلية - كما يقول اطباء علم النفس- تغيرت جدا عما ألفناه في العقود الماضية ، كيف؟ هنالك اعراض اختفت تماما من ساحة هذه الامراض وظهرت اعراض اخرى ، هذه اصبحت مزيجا غير متجانس من الذهانات المختلطة والاكتئابات وحالات الهلع؟ كيف مرة أخرى؟ طغيان الاكتئاب والهلع وفقر النسيج البلاغي في الامراض النفسية مؤشرات على “تدهور” الجنون ، حتى الجنون في مجتمعاتنا تدهور؟
نحن لا نتحدث عن جرائم قتل عادية ، وانما عن جرائم غير طبيعية اصبحت تتصاعد في مجتمعنا - للاسف - ومن واجبنا ان ندق ناقوس الخطر لأنه لا يعرف احد منا فيما اذا كان في يوم من الايام “ضحية” لمثل هذه الجرائم ، سواء كان قاتلا أم مقتولا ، كما ان من حقنا ان نفهم لماذا يحدث ذلك ، وكيف ، وهذا الحق ليس متعلقا بالعقاب وتفاصيل الجريمة ، وانما في المعرفة النفسية والاجتماعية ، وفي معرفة كيف يمكن ان “نقي” أنفسنا منها ، او نواجهها بما يلزم من معالجات.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش