الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دور الحفريات الأثرية في التنمية الاجتماعية في الاردن : المواقع الأثرية تمثل التاريخ غير المكتوب والهوية الثقافية والسياسية للأردن

تم نشره في الثلاثاء 28 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
دور الحفريات الأثرية في التنمية الاجتماعية في الاردن : المواقع الأثرية تمثل التاريخ غير المكتوب والهوية الثقافية والسياسية للأردن

 

أ. د. زيدان كفافي

كلية الآثار والانتروبولوجيا _ جامعة اليرموك



اثريات تمثل التاريخ غير المكتوب

يزخر الأردن بعدد كبير من المواقع الأثرية والتي يتعرض بعضها للتخريب والتدمير نتيجة لعدد من العوامل الطبيعية والبشرية ، ولا نريد هنا أن نتحدث عن أهمية هذه المواقع التي تمثل التاريخ غير المكتوب للأردن ، والهوية الثقافية ، والسياسية لأبنائه ، كما أن هذه المواقع مقصد للزائرين من داخل الوطن ، وخارجه ، فهي بهذا تعد مصدراً من مصادر الدخل القومي الأردني.

وإذا كان لهذه المواقع القيمة التاريخية الكبيرة ، إلآ أن عملية التنقيب فيها لا تساعد فقط على كتابة تاريخ الأردن ، لكنها تعد أيضاً مصدر رزق لكثير من العائلات الأردنية ، خاصة تلك التي تسكن المناطق المحاددة لها. .

وقبل أن نبدأ الحديث حول دور الحفريات الأثرية في التنمية الإجتماعية ، نود أن نعرض لمعنى الحفريات الأثرية ، يظن كتير من الناس أن عملية التنقيب الأثري ، بادئ ذي بدء ، تجرى بهدف البحث عن الكنوز الاثرية المدفونة في باطن الأرض ، وأن كل من ينقب عن الآثار لا بد إلا أنه عثر على ذهب أو قطع ثمينة ، لكن الأمر الفعلي يختلف كلياً عما يظنه الباحثون عن الكنوز ، والذين لا يعثرون من خلال حفرياتهم غير المشروعة إلا على سراب ، و عوضاً عن وجود الكنوز المزعومة ، ولا يعلمون أنهم بعملهم هذا يقومون بتدمير هويتهم الثقافية والسياسية ، و إرثهم الحضاري ، فالقطع الأثرية المكتشفة بغض النظر قيمتها المادبة ، فهى تشكل حلقة تاريخية من تاريخ الأردن ، لذا ، لا بد من تذكير الباحثين عن الكنوز أنهم لا يحصلون من عملهم هذا إلا على ضياع الوقت ، وفقدان المال - عوضاً عن الحصول عليه - وتدمير وضياع معاومات تساعد في تفسير دراسة تاريخ بلدهم.

وهناك نوع آخر من الحفريات ، وهي المنظمة ، وتقوم بها مؤسسات علمية ، وأفراد متخصصون ، وينسقون جميع أعمالهم مع الجهات الأردنية المختصة دائرة الأثار العامة الأردنية. إن هذه الحفريات العلمية تقوم بناءً على مقترح ومخطط وموازنة توافق عليها الجهات المعنية المختصة ، ويشارك فيها إلى جانب الأثاريين متخصصون في دراسة حقول أخرى (البقاقيا النبتية والحيوانية القديمة) وفنيون من رسامين ومساحين ومصورين وطلاب جامعات وطنية ودولية.

ولا ينحصر دور ونشاط الفريق الذي يقوم على إجراء التنقيبات الأثرية في الموقع على عملية التنقيب فقط ، وإنما يتعداه للتفاعل مع الوسط الإجتماعي التي تجري فيه هذه الحفرية ، كذلك ، فإن نتائج التنقيبات لا تفيد فقط في كتابة التاريخ المحلي ، بل أنها تربط المواطن المعاصر بتاريخه القديم ، فهي بهذا تساعد على الإنتماء ، كما انها تؤكد حرص المواطن على حماية وديمومة هذه المواقع الأثرية ، والتي أصبحت تشكل مصدراً من مصادر دخله ، وتساعدة في تأمين متطلبات الحياة الإجتماعية.





تجربة مشروع الحفريات الاثرية في دير علا



وحتى لا نضيع في الكلام الإنشائي ، فإننا نقدم أدناه تجربة مشروع الحفريات الأثرية في موقع تل دير علا ، والتي بدأت قبل حوالي خمسين عاماً ، وهي مشتركة بين دائرة الأثار العامة الأردنية ، وجامعة اليرموك من الأردن ، وجامعة لايدن من هولندا.

بدأت التنقيبات الأثرية في موقع تل دير علا عام م1960 على يد الهولندي هانك فرانكن ، وتستمر حتى الوقت الحالي على شكل مشروع مشترك بين جامعة اليرموك وجامعة لايدن الهولندية وبالتعاون مع دائرة الآثار العامة الأردنية.

وحين بدأت الحفريات في التل ، كانت بلدة دير علا عبارة عن قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن المئات من الناس الذين يسكنون في بيوت طينية ، تتركز أغلبها في المنطقة الواقعة جنوب غربي التل ( انظر الصورة).

والتحق بالحفرية عدد من أهل البلدة الذين بدأوا يتعلمون حرفة التنقيب عن الآثار بشكل علمي ومنظم.



وبالإضافة لأعمال التنقيب الجارية على التل تشكل فريق للمسوحات الأثرية في المناطق المحيطة بالموقع ، وهدف أيضاً للإتصال بالناس (Franken )9691 ، وأصبحت أسماء أبو سمون (Henk Franken) ، . ومن بعده أبو يارون (Gerrit van der Kooij) تتردد على ألسنة الأهالي هناك.

وبقي الحال على ما هو عليه حتى عام م1967 ، حين اندلعت الحرب ، ونزح مجموعة من الناس من الضفة الغربية للمنطقة ، وجاء مع هؤلاء الناس عدد من المتمرسين بالتنقيب الأثري (خاصة الذين تدربوا على يد العالمة الإنجليزية كاثلين كنيون في أريحا) من أمثال المرحومين علي عبدالرسول ، والشيخ صادق ، وانضم هؤلاء لفريق التنقيب في تل دير علا ، وأخذوا على عاتقهم تدريب مجموعة من شباب أهالي المنطقة من أمثال أمين وجميل كنعان ومحمود شوباش ، واستلم هؤلاء الراية ممن سبقهم من الفنيين المحترفين بالتنقيب الأثري ، بل دربوا مجموعة أخرى من شباب المنطقة من أمثال محسن مصطفى وماهر جمعه إضافة لعدد من أبناء عائلة كنعان (علي).

من هنا نرى أن حرفة التنقيب عن الأثار أصبحت حرفة تشكل مصدر دخل تعتمد عليه عائلات المنطقة في تأمين لقمة عيشها. وأصبح الناس ينتظرون بفارغ الصبر بعثة دير علا الأثرية والبعثات الأخرى التي تنقب في مواقع مجاورة مثل تل السعيدية وتل المزار وتل أبو حامد ، كما أن إرتباطهم بالموقع أصبح أكثر من السابق ، لدرجة أن موقع تل ديرعلا لم يتعرض لأية حفريات تخريبية من الناس ، بل على العكس عندما يرى أهل المنطقة المحيطة به غريباً فوق ظهر التل ، يتساءلون ماذا يفعل هذا الشخص هناك ؟.

إضافة لما ذكر أعلاه ، فإن عائلات بأكملها ترتبط بعلاقات عمل ، وأخرى إنسانية مع القائمين على الحفرية ، سواء من الأردنيين أو الهولنديين ، ومن هذه العائلات نذكر: أبو أصبع والبلاونه والمداهنة والعطيان ، وجوده من بلدة دير علا ، وعلي من بلدتي خزما وضرار ، وازدادت هذه العلاقة قوة ، وبشكل خاص ، بعد أن تم إنشاء محطة دير علا للدراسات الأثرية كمشروع مشترك بين الجهات الأردنية ( اليرموك ودائرة الآثار العامة) والهولندية ( جامعة لايدن) ، والتي تم افتتاحها عام 1982م. ويشرف على سير العمل في المحطة فريق من جامعة اليرموك. ويعمل فيها عدد من أهالي بلدة دير علا.



استطلاع لآراء بعض المواطنين

وحتى نرى مدى الدور التي تقوم فيه الحفريات الأثرية في منطقة دير علا (الأغوار الوسطى) قمنا باستطلاع آراء مجموعة من أهالي المنطقة وهم ( أحمد جوده وجهاد أمين كنعان ، ومحسن مصطفى ، وعبد قاسم المساعيد وحسين حمدان) ، وتم طرح عليهم مجموعة من الأسئلة مثل ، أين تسكن ؟ متى عملت في الحفريات لأول مرة ؟ وهل عمل والدك أوأحد أقاربك في الحفريات؟ هل درس أبناؤك ، أو أحد أقربائك في الجامعات؟ وهل كان للمردود المالي الذي حصلت عليه من الحفرية اسهام في تدريس أبنائك أو أحد أقاربك؟ هل كونت علاقات أو صداقات مع من عملت معهم في الحفريات من اجانب وأردنيين؟ هل وجدت ذهباً خلال عملك في الحفريات الأثرية؟ وماذا كنت ستفعل لو رأيت أحدهم يقوم بالحفر في موقع أثري (بشكل عام) وتل دير علا (بشكل خاص) دون ترخيص رسمي؟ ما هو الرابط الذي يربط بينك وبين أي موقع أثري قمت بالتنقيب فيه مع البعثات الأثرية؟ وما هي التأثيرات الإحتماعية والإقتصادية التي انعكست على الناس المحليين من خلال مشاركتهم في التنقيبات الأثرية؟.

وجاءت عينة الدراسة من المجتمع المحلي وفي أغلبهم ( من العمال الفنيين) ممن درسوا المرحلة الثانوية

( توجيهي ناجح أو راسب) ، علماً أن بعض العاملات (وينتسبن للعائلات التي تسكن بجوار التل) في المطبخ أو التنظيف لا يعرفن القراءة أو الكتابة.

ومن الجدير بالذكر أن جميع الذين يعملون في حفرية دير علا الأثرية من فنيين ، وعمال هم أردنيون ، ولا يشارك فيها أي عامل وافد ، كذلك يشارك في الحفرية طلبة دراسات عليا من جامعتي اليرموك و لايدن ، إضافة لموظفين من دائرة الأثار العامة الأردنية ، وبالإضافة لمجتمع دير علا المحلي ، يشارك في الحفرية عمال من البلدات والقرى الأخرى المجاورة.

وبعد دراسة إجابات أفراد العينة ، تبين ما يلي:

1. أن معظم أفراد عينة الدراسة عملوا في اكثر من حفرية تجري في منطقة غور الاردن.

2. أن كثيراً من أجداد وأحفاد أفراد العينة عملوا في الحفريات.

3. يعتمد كثير من أفراد المجتمع المحلي في تأمين أسباب حياتهم على أجورهم من الحفريات.

4. قليل من الرجال يعملون في الزراعة إلى جانب الحفريات الأثرية.

5. تعد مهنة التنقيب عن الأثار في منطقة الأغوار الوسطى حرفة لكثير من الناس ويتوارثونها عن آبائهم وأجدادهم.

6. أكد جميع من عملوا ويعملون في التنقيبات الأثرية أنهم لم يعثروا على كنوزذهبية ، كما يعتقد بعض الناس ، وأن كل ما عثروا عليه في الحفريات التي شاركوا بها كان عبارة عن مبان وأوان فخارية مكسرة في كثير من الحالات ، لكنها تحكي قصة الأردن الحضارية والتاريخية.

7. يرتبط افراد المجتمع المحلي في الأغوار الوسطى بشكل كبير بالمواقع الأثرية لأنهم يعتبرونها مصدر رزق لهم ، ولا يترددون في تبليغ الجهات الرسمية المسؤولة عن أي شخص يشتبهون بأنه يقوم بأعمال حفر غير مشروعة فيها.

8. ساهمت الحفريات الأثرية في رفع المستوى الثقافي لدى سكان المجتمع المحلي ، إذ لم ينكر أحد العمال أنه يعمل في الحفرية من اجل مساعدته في تكميل تحصيله الجامعي (كفاح جميل كنعان) ، كما ذكر بعضهم أن الحفرية ساهمت في تسديد مصاريف دراسة أبنائه أو إخوانه سواء في المدارس أو الجامعات (محسن مصطفى).

9. ارتبط كثير من أفراد المجتمع المحلي بعلاقات ود وصداقة مع أفراد البعثات الأثرية الأردنيين والأجانب ، ولا يزال بعضهم على تواصل مع من اشرفوا على هذه الحفريات (عائلات المداهنه ، وأبو أصبع في دير علا ، وعلي في خزما).

,10 يتلقى بعضهم في قليل من الأحيان مساعدات مادية وهدايا من المشرفين على البعثات الأجنبية ، إضافة لأجورهم اليومية.

,11 تساعد الحفريات الأثرية في حل مشكلة البطالة بين الناس ، ولوحظ أن عدداً لا بأس به من جيل الشباب العامل لم يكمل للآسف تعليمه الثانوي وينتظرون دائماً فرصة للعمل في الحفريات الأثرية.

12 ساهم وجود مكتب لآثار الأغوار الوسطى بدير علا ، وكذلك بناء محطة دير علا للدراسات الأثرية ـ جامعة اليرموك في تشغيل عدد من أفراد المجتمع المحلي في المشاريع الميدانية المؤقتة. كما أنها ساهمت في تعميم المعرفة وتأكيد أهمية التراث الثقافي بين أفراد المجتمع وتوعيتهم به.

من هنا نرى أن للحفريات الأثرية التي تقوم في منطقة الأغوار الوسطى بشكل خاص ، وفي الأردن بشكل عام ، دور هام ورئيس في مجموعة من القضايا ، وهي :

1. تحسين المستوى الإجتماعي والإقتصادي للمجتمعات التي تسكن بالقرب من المواقع الأثرية التي جرى ويجري فيها تنقيبات أثرية.

2. تنمية الوعي بأهمية التراث الثقافي الأثري ، وهو ما يعزز الإنتماء للوطن بين أفراد المجتمع.

3. المساعدة في حل مشكلة البطالة ، خاصة بين الشباب.

4. إنشاء شبكة من العلاقات الإنسانية بين افراد المجتمع المحلي وأعضاء الفرق الأثرية الأردنية والأجنبية العاملة في التنقيبات الأثرية ، وهذا الأمر يفتح المجال لسكان المناطق المجاورة للتعرف على ثقافات أخرى ويتيح لهم المجال في دخول مجالات حياتية أخرى غير القيام بالأعمال الزراعية.

من هنا نستنتج ان للحفريات الأثرية دور بناء في تنمية المجتمعات المحلية ، فهي تفتح أبواباً حياتية وثقافية وإجتماعية جديدة لمن يعمل بها. كما أنها تؤكد على التفاعل الإيجابي بين افراد الحضارات المختلفة ، وتزيد الوعي الأثري بين أفراد المجتمع مما يعزز لديهم الإنتماء للوطن والهوية العربية الإسلامية.

ويكفي كاتب هذه المقالة فخرا أنه دعي من قبل مديرة مدرسة دير علا الثانوية للإناث لإلقاء محاضرة حول الأثار في الأردن حضرها جمع غفير من المسؤولين وأهالي المنطقة إضافة للطالبات .

التاريخ : 28-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش