الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من اسرار البيان القرآني : إنْ يَمْسَسْكُمْ قرحّ فقد مسَّ القوم قرحّ مثلهُ

تم نشره في الجمعة 23 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 مـساءً
من اسرار البيان القرآني : إنْ يَمْسَسْكُمْ قرحّ فقد مسَّ القوم قرحّ مثلهُ د. عودة ابو عودة

 

 
مرة اخرى أدعو الاخوة القراء ، أدعو كل من يحب قراءة القرآن ، ادعو كل من يتذوق البيان القرآني ان يقرأ بتدبر وتذوق وفهم الآيات من 139 حتى 148 من سورة آل عمران ، وقد نزلت هذه الآيات الكريمة في اثناء غزوة أحد ، وفيها انتصر المسلمون على أعدائهم اول الأمر ، ولكنهم سرعان ما اغتروا بالنصر السريع ، وخالفوا امر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي امر بعضهم بالبقاء على جبل الرماة فهبطوا عنه ، فالتف حولهم ومن خلفهم الاعداد فقتلوا منهم مقتلة عظيمة قيل انها بلغت استشهاد حوالي سبعين من كبار الصحابة ومن اشجع الرجال. فنزلت هذه الآيات الكريمات تعزي المسلمين ، وتعزي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذه الآيات فيما أرى اصدق بيان وأوضح صورة رسمت في العزاء ، في عزاء الفاقد أعز أحبابه وأوفي اخوانه. ان هذه الآيات سرادق عزاء تطيب القلوب ، وتهدىء النفوس ، وتسرى عن الناس همومهم وأحزانهم ، قال الله عز وجل في اول هذه الايات: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ، ان يمسسكم قرح فقد مس القوم فرح مثله ، وتلك الايام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ، وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين).

وددت والله لو عرضت الآيات الكريمة او ذكرت بها دون ان اعلق عليها بشيء ، فان الصورة فيها ابلغ من أي تعبير ، انها تخاطب اعماق النفس ، وهي لعمري دواء شاف لما اصاب الناس من قروح وآلام واحزان ، دواء يشفي النفوس قبل الاجساد ، وهي قد بدأت بعلاج النفس قبل علاج الجسد (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون) ، والهون - بضم الهاد - والهوان والمهانة الذل ، والحزن في سياق القرآن الكريم يدل على الألم الذي يعتصر المرء المسلم من امر أصابه في دينه ، وربما صدر من عزيز عليه ، والحزن هو الاسف العميق ، والأليم الدفين مع الصبر الجميل ، فالله عز وجل يعزيهم ويذكرهم بالا يذلوا ولا يحزنوا لأنهم الأعلون ويربط ذلك بايمانهم ، ويسري عنهم بأن ما أصابهم من مصيبة في اموالهم وأنفهسم قد أصاب اعداءهم ايضا من قبل هذا اليوم ، ومن بعده. وتبلغ التعزية ذروتها بقوله تعالى - وأنتم الأعلون - هكذا بصيغة التفضيل اي لن يكون أعلى منهم احد ، ولن يكون أعز منهم أحد ، وان هذا الذي جرى لهم في غزوة أحد انما هو درس سريع ليعلمهم معنى طاعة الله عز وجل وما مصير من يعصي الله عز وجل وما عقابه. فتعلم المؤمنون الدرس وانطلقوا في جهادهم حتى بلغت دعوتهم ودينهم ما بلغ الليل والنهار. وقد أكدت الآيات ان الناس هم الأعلون بشرط الايمان ، لأن هذا الشرط هو الذي يكفل نصر الله لهم ، فان لم يكونوا مؤمنين ، فان الله لا ينصرهم ، وبالتالي هم يعتمدون على قوتهم وعلى استعدادهم ، وكثيراً ما يخذلهم هذا ولذا فان ما جرى لهم في بداية غزوة احد انما هو درس في الله الا يتخلوا عن دين الله وطاعة الله مهما بدت لهم الامور ، صعبة او هينة. وما اشبه الليلة بالبارحة كما يقول المثل - فها نحن نرى فئة قليلة من المؤمنين الصادقين الصابرين ، يجاهدون في سبيل الله ويعملون على نشر كلمة الله ، واعلاء دين الله ، ولا يملكون من السلاح والقوة الا الشيء القليل الذي لا يعد شيئاً ، ثم ها هي قوى الشر والطغيان والظلم والعدوان تتكالب عليهم بكل اسلحة الدمار التي صنعها الانسان ، بل بالاسلحة المحرم استعمالها دوليا.

تلك الاسلحة التي تحرق رائحتها ورذاذها الاجساد ، فيثبت المجاهدون الصابرون ثبوت الجبال ، ويستعينون بالله ، ويطلبون النصر من عنده وحده جل شأنه وتستطيع القوة الغاشمة الظالمة ان تفتك بالشعب الأعزل ، ان تقتل الاطفال والنساء والشيوخ ، وان تهدم البيوت ، وان تنشر الموت في كل مكان ، تستطيع ان تصيبهم بقرح عظيم ، وجرح أليم ، ولكن المعتدي قد اصابه من حيث لا يعلم قرح مثله ، ان نقطة التحول الكبيرة في مسيرة هذا الشعب الصابر ، ان العالم كله قد اصبح الآن يعلم علم اليقين انه شعب مظلوم ، وان ارضه مغصوبة ، وان اعداءه ظالمون ، وان ما كان يدعيه اعداء الله من أكاذيب قد اصبح بفعل هذه الحرب نصرا لقضية هؤلاء الصابرين في مدينتهم ، المحاصرين في اقواتهم وطعام اطفالهم.

ان هذا التحول في المقياس الدولي امر عظيم ، سيكون له اثر كبير في معالجة القضية من بعد. لقد بدأ الناس يجمعون اشلاء أبنائهم التي دفنت تحت الانقاض. ولكن القرح الذي اصاب القوم من اعداء الله قرح كبير ايضا. لقد اصيبوا بالهلع والجزع ، وقد ايقنوا - منذ الآن - انهم لا طاقة لهم بمواجهة المؤمنين ، حتى ولو جندوا كلما يملكون من جنود وما يملكون من عتاد وعدد ، وحتى لو هجموا من البحر والبر والجو ، انهم الأذلون وان عباد الله هم الأعلون. ان هذه الهزيمة النفسية والهزيمة المعنوية ، لن يجدي معها بعد الآن أي سلاح وأي عتاد مهما كثر. ان اشد صور الهزيمة عند اعداء الله انهم فقدوا الثقة بأنفسهم ، وانهم لن يفلحوا في اي مواجهة يصطنعونها مع المجاهدين ان الله عز وجل يقلب الليل والنهار ، ويداول الايام بين الناس ، ويقضي بين عباده بقضائه الحق وقدره المحتوم ، والله عز وجل يجري الأسباب ليعلم المؤمنين وليميز الخبيث من الطيب ، وليتخذ من الناس شهداء ، كأن الشهداء يصطفون اصطفاء تحت عين الله عز وجل ، وهنيئا لمن يصطفيه الله في ميزان عباده ، ولمن يختاره ليكون ممن أنعم الله عليهم من الانبياء والشهداء والصالحين ، والى اللقاء.

Date : 23-01-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش