الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اطلالة على سحر المكان: «كالزهر يبسم في سهول معان»

تم نشره في الخميس 22 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 مـساءً
اطلالة على سحر المكان: «كالزهر يبسم في سهول معان» * اعداد: د. سلطان المعاني

 

معان أغنية الشاعر حيث يتغنى بالوطن ، فها هو عرار يرى فيها مبسم الزهر وأحلام الشباب الضاحكة في صورة ولا أبهى إذ يستحيل المكان حالة إنسانية تحلم وتبسم فيقول: "وتعيد أحلام الشباب اضحوكة كالزهر يبسم في سهول معان" إنها الأرض البكر ، بتلالها وأوديتها ، حلم العارف ، تجسيد الرؤى ، اشتياق المغامر ، عناد الحجر الممعن بالانتظار ، جارة باير ، مربض قوافل الإبل في طرقات وادي السرحان ، ريح الصهباء في مضارب بني مرة ، أخت "إرم ذات العماد" وحارستها ، مستودع الذاكرة من ثمود إلى ضجعم ، "نزهة المشتاق" في اختراق آفاقها ، وجهتنا في رحلة الكشف عن النقش القديم.

معان.. الأرض المسكونة بالوديان والشعاب ، شرايين الوادي الكبير وأوردته الممتدة على المدى من الحجاز ، حتى مشرق الشمس ومغربها ، في أودية شرقي الجفر ... وادي الغرة... حدرج... آبار بني مرة ، العاذرية ، وأم الظواين.

هضاب الحماد ، امتداد الأفق في كل الأركان ، التقاء الأسودين ، أرض انشطار الشظايا وقدح الشرر ، الأرض التي طاب لأربابها اسم الصوان ، سيمياء الأرض دهشة المستكشف لخشومها ، ضلوعها البارزة ، تصدعاتها بضيق المكان.

ظلت منطقة شرقي الجفر ، بأوديتها وتلالها ، فترة طويلة نسيا منسيا ، غابت عن أجندة الباحثين في علم الكتابات القديمة والآثار ، ولم تنل تلك المواقع من جهود المسح الأثري أو النقشي ما ناله وادي باير شمالي منطقة الجفر ، ووادي السرحان شرقيها ، ووادي رم جنوبها.

غير أن المعلومات الأولية المشجعة ، التي تم الحصول عليها من خلال جولة استطلاعية في المنطقة في مطلع ربيع العام الذي سبق الألفية الثالثة ، كانت حافزاً لجولات ميدانية مسحية منظمة أخرى.

تشم أرضية منطقة شرقي الجفر أودية عديدة ، تمثل شرايين تربط بعضها ببعض من جهة ، وبالوادي الرئيسي في المنطقة ، وهو وادي السرحان من جهة أخرى.

تمتد الأودية ، التي تم المسح في بعضها ، عبر حدود الجزيرة العربية الشمالية مع الأردن ، ومن أهمها: وادي الغرة الشرقي ، وادي الغرة الغربي ، وادي حدرج ، وادي بيار بني مرة ، العاذرية ، أم الظواين الشرقية والغربية ، وادي الحصاة ، وادي أم الطريفيات ، وادي الخشابية ، ووادي الغرة الشرقية.

ويشير البحري إلى تشكل الجفر والمنطقة المحيطة بها شرقاً ما يعرف بهضاب الحماد ، وتتبع منطقة البوادي الداخلية. والتي تتكون من حجارة كلسية صوانية ، وفي بعض مناطقها تغطي السطح حجارة الصوان وشظاياه. وتعرف هذه المنطقة عند أهل البادية بأرض الصوان. وتُبرًزُ طبوغرافية الموقع وجود بعض الضلوع البارزة ، والتي تسمى عند أهل البادية بالخشوم ، وهي تصدعات ناتجة عن اضطرابات في بعض المناطق الضيقة. وتعتبر هذه الأودية جافة ، شحيحة المطر ، في غالبية أيام السنة ، ولكنه إذا ما سقط فانه يسقط بسرعة فتجري مياهه في الأودية باتجاه القيعان والأحواض ، أو باتجاه الأودية الكبيرة مثل وادي السرحان. ونتيجة لجريان المياه تنمو في قيعانها النباتات الصحراوية لفترة زمنية قصيرة.

ومن أهم نباتات هذه الأودية شجيرات العجرم ، والتي تتمتع بخصائص فيزيائية مناسبة للنمو في مثل هذه الظروف الجوية القاسية. والى جانب شجيرات العجرم ، تنمو في المنطقة شجيرات القيصوم ، والسلا ، والجرباء ، وهي أيضاً نباتات صحراوية.

ونتيجة لشح المياه وقلة تساقط المطر في المناطق الشرقية للجفر ، حيث تواجدت النقوش الثمودية والعربية الكوفية ، فقد حفرت عدد من البرك ، دعيت من قبل السكان المحليين بالبرك الرومانية. ولعدم العثور على أية مخلفات حضارية سواء أكانت إنشاءات معمارية أو شقف فخارية ، أو نقوش كتابية ، لم نتمكن من تحديد تاريخ ما لهذه البرك ، ولكن نظراً لكثرة النقوش الثمودية التي عثر عليها في الرجوم الحجرية في المناطق المحيطة بهذه البرك ، فإننا نحتمل أنها قد حفرت من قًبَل القبائل العربية الثمودية كعامل من عوامل الاستقرار في المنطقة. لقد كانت منطقة البحث مأهولة في العصر الحجري القديم بشكل كثيف ، فقد تم العثور على أدوات حجرية استخدمها الإنسان في منطقة الواحات الصحراوية ، كواحة الجفر ، عندما كان يرتاد مثل هذه الواحات والقيعان ، والتي تكثر بالقرب منها مصادره الغذائية.

تمتاز الحجارة التي نقشت فوقها النصوص الكتابية الحسمائية والكوفية بأنها رملية صلبة بمجملها ، وذات أحجام متوسطة ، ويرافقها التربة الرملية في الوادي. وتتناثر بشكل قليل ومتفرق أنواع من الجلاميد والشظايا الصوانية أو الحجارة الكلسية على السطح ، وقد يكون نوع الحجر الرملي الصلب أحد أسباب قلة عدد النقوش في وادي سمرمدة ، ويعود السبب الثاني إلى بعد الوادي النسبي عن الوادي الرئيسي للمنطقة وهو وادي السرحان ، فكثافة النقوش تزداد في المنطقة كلما اتجهنا شرقاً ، أي كلما اقتربنا من وادي السرحان الذي يشكل الشريان الحي لقبائل وقوافل كل من الجزيرة وبلاد الشام.

جاءت الأنماط الكتابية في نقوش وادي سمرمدة متنوعة ، فمنها ما جاء مخدوشا خدشا على سطح الحجر الرملي بواسطة رأس مدبب ، ومنها ما جاء مطروقاً طرقاً متتابعاً ، فجاءت حروفه أكثر سماكة ، وجاء بعضها بالخط المربع ، حيث تستقيم فيه الخطوط وتتضح الزوايا ، وجاء نمط الخط السميك ، ذو السطح الهش فيما بينها كثيرا.

وتنسجم أنماط الخطوط في منطقة وادي سمرمدة خصوصا ، وأودية شرقي الجفر عموما ، مع النمط الذي يسميه العلماء الثمودي التبوكي ، والذي ساد في المنطقة ، ويعود هذا النمط إلى القرن الثاني قبل الميلاد ويستمر حتى القرن الرابع الميلادي. لقد جاءت بعض النقوش من حيث الوجهة أفقية ، أو عامودية ، بينما جاء بعضها دائرياً ، وفق الطريقة الحلزونية.

اتسمت أماكن الاستقرار على جنبات الأودية ، في المنطقة ، بغناها بالمواد العضوية ، وبتربتها التي تأخذ مشتقات اللون الرمادي. وعادة ما ترتبط بأماكن الاستقرار هذه ، رجوم حجرية تقع في الأماكن المرتفعة ، والمطلة عليها. وقد حملت هذه الرجوم أعداداً من النقوش الحسمائية ، وأخرى مكتوبة بالخط الكوفي. ويمكن تأريخ النقوش الحسمائية الواردة في هذا البحث ، كما أسلفنا ، لما بين القرن الأول ، والقرن الرابع الميلادي ، في حين أرخت بعض النقوش الكوفية للنصف الثاني من القرن الثاني الهجري. وبذلك يعتقد بأن بناء هذه الرجوم كان في فترة ما قبل الإسلام ، ولكنها بقيت مألوفة للسكان المحليين في العصر الإسلامي ، ولعلها خدمت الوظيفة التي أنشئت من أجلها سابقاً ، وهي تسجيل الأدعية الخاصة بالموتى غالباً ، والأحياء أحياناً أخرى.

هي قبلة العاشق رغم يباب الأرض وشح المطر ، ورغم هروب المجرى وهو يركض إلى القاع ، وإلى البعيد حيث اللا مستقر .

معان ، ظمأ شجيرات العجرم ، والقيصوم ، إلحاح المستغيث ، ورعونة الاحتياج ، مستودع الآبار المكفورة ، ولهاث الإبل العطشى في مواردها التي أضاعت عناوينها ، فلا أثر ، ولا بقايا أثاف ، لولا وشاية الرجوم.

معان ، مولد السهام الصوانية ، مناجل المزارعين الأوائل ، ميدان طراد الخيل ، مربض الضعائن ، فمنذ استقام عود البشر ، كانت واحة الجفر بكل كهولتها وهيبتها تشهد على أولئك الذين جابوا المكان في العصور الحجرية.

معان ، صلابة الصخر والحجر ، والسواعد التي زركشته ، وأسست له ذاكرته ، فاستحال سفر الأسفار ، وسيد الأسرار ، وإرث أجداد نقشوا أسماءهم ، بكل اكتمال الكينونة ، وإنكار الذات.

معان.. مستودع الأسرار والبوح معا ، تشكلت فيها توليفة الحروف ، كوفية ، وحجازية ، وشامية.

بوادي معان ، بأنسامها الندية ، وطغيان موسيقاها ، تتحدر الروح على بواباتها ، وقد داهمتك دهشة الحرف الثمودي التبوكي ستة قرون ، أفقيا ، رأسيا ، دائريا ، ليطبق عليك جهاتك الأربعة.

بادية معان ، وأنت أسيرها ، أسير ألقها وعنفوانها ، أسير لون الرمادي في تربتها المسكونة بالغار على قممها وسفوحها ، المضمخة بدم شهدائها وقد خبّت خيولهم في ميادين مؤاب ، وباير ، وقاع الجفر ، وفي ركني معان ، الشامي والحجازي ، وقد عقدوا العزم أن تظل السيف الذي ما نبا ، والقناة التي لا تلين.

معان وقد تماهت في القريب البعيد ، وفي الحاضر الغائب ، في سويداء العين واختلاج الحنايا ، هي معان ، دون غيرها ، موطن الأجداد مذ كانت ، على مفرق المجد ، كما الأمس والحاضر ، وقف ابنها فروة الجذامي ، وهو يقرأ على أهلها سورة الإباء ، وهو المهيب في حضرة المكان ، الذي أسكنه أهله قوة الروح وشريان الحياة.

معان ، إيقاع القلب المسكون بالرفعة والقوة والآفاق ، وهج الشمس ، سنان الرماح ، اقتراب الجنة ، "طيبة وبارد شرابها" ، حدو عيس الهواشم ، وقدح الموريات ، وصبح المغيرات.

التاريخ : 22-01-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش