الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اطلالة على سحر المكان : القرية الأردنية في نـص سـردي «2»

تم نشره في السبت 20 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
اطلالة على سحر المكان : القرية الأردنية في نـص سـردي «2»

 

 
اعداد : د. سلطان المعاني



هي.. سفر ينسكب عطر الكلم بين دفتيه.. ويشعل قناديلها فيه فتيل الحرف.. ويترتل في أعاليها أَنْ "اقرأ وربك الأكرم".. فإن كان في شجرة الفهود ثمة سيرة فهي المكانية بًنَفَسْ شمولي ملحمي ، ووعي على لحظات لا ينوء القلم تحت وطأة توثيقها.. فجرّاء كل هذا الوضوح المكاني والزماني في لملمة الحدث وتأطيره.. تبدو الروائية مُلَتَحَماً كلياً مع نصها الإبداعي في عالَمَي الواقع والرواية.. وهي بحتمية النشأة والمشرب وليدتهما ، فلقد تنامى الحدث في الرواية تصاعديا باتساع بُعدي المسافة والوقت.. ليوثق في جانب مهم من السردية فترة تاريخية أحوج ما نكون فيها إلى جسر الهوة المعرفية عن التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي ، وهي فترة القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين ، وقد تأتى ذلك فرصة متاحة في عمل إبداعي كرس اللحظة حدثاً ومشاهدات وروايات شفاهية قبضت فيها سميحة خريس على المنطوق الشفاهي راصدة إياه بأمانة الناقل من جهة ، وبرؤية المبدع الروائي في جهة أخرى.

ولقد تَغَيّا قاموس الرواية المحلي الغني توثيق مفردات البيئة المكانية والزمانية في حوران ومخاض انتهاء القرن التاسع عشر حتى خمسينيات القرن العشرين ، فعكست تعابير ومفردات القاموس المحلي الاردني ، وضمير المجتمع ومفاهيمة تجاه القضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية والادارية فنجد مفردات: "كلب الاتراك ، تربية نسوان ، ابن فريدة ، ربيب ، تفك الزنار الذهبي من الليرات ، قواشين ، الكروة ، المنسف ، هذي مش ثوبك ، خواشيق ، البنت محجوزة ، زوجين مباريم ، طهارة الولد ، قماط الطفل ، ورادات العين ، الحمايل ، قابرة جوزها ، أقي لبن أقي زيت ، أوضة ، براوي ، أول ع تالي" وغير كثير.

ترصد المفردات الإربدية الشعبية التي تطفح بها الرواية ضميرا مجتمعيا بتجاربه ، فتجيء على فطرتها ومستودع اشتقاقها وتلاوين مدلولاتها. ولا يخفى ما حمله سرد الموروث الشعبي اللغوي في شجرة الفهود من تفاصيل التجربة اليومية السلوكية والفكرية التي تحفظ للمكان والزمان مدلولاته السلفية بمفهوم التوارث والمولدة بمفهوم الاستمرار.. وأعتقد أن توظيفها في الرواية يؤسس بمهنية عالية أفاقاً أنثربولوجية نتلقف من خلالها ظواهر مجتمعية وحزمة من العادات والتقاليد التي تسللت متخيلا في مدلولات المفردة أو التعبير الذي ساقه البناء الروائي دونما إقحام أو مباشرة ، فأفاد ذلك في تسجيل كينونة موقفية متكاملة وظفت في سياقاتها المفردات التي تعكس التثاقف مع الأتراك في كم المفردات الهائل التي توثق البيئة المنزلية أكثر من غيرها.

ولكم كان رونق الزركشة اللفظية في الرواية عاليا وهي تتنقل بين الفصيح والعامي الحوراني والعثماني واللهجة السلطية ، وقد تمرحل هذا التنقل موقفيا عكس خطابا نهضويا شمخت فيه المفردات على تقلب متكآتها إلى جلال الحدث وجسامته ، ولك أن ترتحل مع الصفحات التي توثق لمقتل الملك المؤسس في المسجد الأقصى.. ثم تلك الحوارية الساخنة بين الأم وكناتها.. انتقالا إلى حادثة السلط.. و"فهد مسكون بحزن عميق يقلب ناظريه بين أبنائه والرجال ، ويستشف أواصر جديدة تصنع من فكر وحي الوطن..".

الرواية سيرة حوران الأردن بكل دقائقها الاجتماعية استحالت فيها خريس باحثة أنسنة تمتلك أدوات رصد الواقع بحس المعايشة والثقافة وعين الراصد الواعي كاسية الحالة لبوس الإبداع الفني الذي ينهض بالحالة اقتراباً لصيقا بين الواقع والفني درجة التماهي والمصداقية على إطلاقها ، فالسرد الروائي يمضي متناميا بدقة وبراعة تنسج فيه الروائية خيوط العمل بأنساقه.. لا تخذلها فيه معرفة الواقع ومعايشته ، ولا مفردات القاموس الحوراني "الإربدي" ، ولا أدوات الإبداع من سرد وشاعرية ووصف دقيق يتتبع لحوحا تفاصيل الأشياء.. وقد نضحت سميحة خريس من معين معجمي ثر برشاقة وعفوية انسياب.

تتلاقى في رواية "الأسرار الخطيرة" للروائية المبدعة وعالمة الأنثروبولوجيا اللامعة كاثي ريتشس تجليات العمل الفذ الواعي الذي يرتقي بالعمل من جانبية الواقعي والقصصي ، والرواية وفق هذا المفهوم خادمة للإبداع الفني الروائي وراصدة للواقع بمكوناته في سجل وصفي رصدي توثيقي يمنحها فرصة التجلي النادر ، وهو ما نلمس في رواية شجرة الفهود لسميحة خريس إبنة تلك البيئة المجتمعية التي تقزمت أمامها إشكاليات فهم الواقع وتفسيره فجالت في المكان وحيثيات الفعل اليومي كما حلا لها ولم يكن أماها سوى لحظة الإبداع والتجلي السردي في البناء الروائي ، والذي مخرت عبابه في عدد من الأعمال الإبداعية.

عالمة الأنثربولوجيا ، إذن ، لا تهمش الأشياء الصغيرة.. تتبناها كما القضايا الكبيرة ، تتخذها متكآت تفسير وإيضاح كما الحركات فوق الحروف تسهم في استيعاب الاشتقاقات ، ولذا فإنك حينما تقرأ شجرة الفهود تدرك أنك تعرف الشخوص وتجسدهم أمامك لحما ودما ، وسواء عليك بحثت في الرواية عن السردية أو عن التاريخية فإنك تدهش من زخم التفاصيل المرصودة ، والحائرة بين تشبثها بنسق ونسيج الرواية أو حنينها الطافح للتحرر من النص إلى حركية الواقع وديناميكيته.

الرواية إقرار بعمق التجذر بالمكان حاضرا وناستالوجيا ، فالروائية مسكونة بالحنين الجارف لحوران وما تناهى إليها من قص يرصد الواقع في إربد وجوارها في بدايات القرن العشرين وما شهد من أحداث شكلت الجغرافيا بطلها المطلق.

ولا تخفي الروائية ، على أية حال ، جذلها بالمقدرة الهائلة على رصد البيئة الخضراء الخصبة المثمرة ليس في هضبة الفهود وحسب وإنما في حوران على امتداد خضرتها حيث تتبعثر الأنداء فوق تربة أهراء القمح وسلة الخبز.. فتكتسي الأخضر على المدى.. وترتدي عباءة الخصب والندى تشرع أبوابها إكراما وقرى لعابر الدرب والسبيل.. تغفو عاشقة وتستفيق على أنس الدروب والقوافل فحوران سيدة الخير العميم والجرار الملأى وكورة المحاصيل.. تمسك الرغيف وتبسطه.. تمنحه دونما انحناء.. وقّعت صكوك الحب والعطاء طواعية فأدركت روما ، وقد انتابها العوز لأهراء حوران ، تلك الشرقية الولود.. قمحا وزيتونا.. وأقماراً..

سطوة المكان.. على مساحات الهوى.. وسنين الصبا والشباب.. وحفر الذاكرة بالحارات والأزقة والشوارع.. هذا نحن مركب من الأرض.. وبيادر القمح.. وطابون الصباحات الربيعية.. فعطر الندى ينضح خبزا.. وقد انتثر على جنبات الدروب دحنون واقحوان حوراني يزركش المدى المدهام.. فيا لقمر حوران وهو يصنع ذاكرتنا من الوريد إلى الوريد.. ويتربع فوق عرش القلب.. واللحظات.. فيرتسم ربيع هوى.. وانتشاء روح.. وقد أغرقها عسل اللقاءات.. حوران حضور الدهشة في همس الفيافي وهي تفتح نوافد التاريخ مشرعة مضاءة يعدو المجد فوق حروفها ليعلن ميلاد الكتابة مسندية ونبطية وآرامية.. فلم تهم حيرى في ليالي الجهل.. وما تخلقت في سدم الصدفة والفجاءة.. بل نهوض أحلام وعزائم.. هاديها النجم يرسم الغد قنديلا يجلو ظلام اليباب في دول الاستلاب والصدفة بين روما وفارس.. ليعلن المدى براري تاقت لأنداء أكف أهليها.. أنباط ولخميين وغساسنة وجذاميين.. إن رواية شجرة الفهود تعايش الحياة اليومية للناس في إربد وجوارها وكل حوران ، وترصد عاداتهم وتقاليدهم وتصفهم من حيث السلم الاجتماعي أو الوظيفي وكيف يتصرفون إزاءه أو وفقه.. وتعكس الرواية بساطة الحياة الريفية في الأردن في النصف الول من القرن العشرين ، وردود أفعال عامة الناس العفوية تجاه قضايا أساسية أحدثت منعطفات في التركيبة الديموغرافية والسياسية والبنية الاجتماعية آنذاك ، ويبدو أن سبل الحياة اليومية التي تنهب كل اهتمام لتوفير قوت اليوم ومستلزمات الحياة على بساطتها جعلت الكثيرين يؤثرون السلامة على الانخراط في مواقف لا يدركون كنهها أو عواقبها ، ومنها تردد الفلاحيين في الانخراط بالثورة في بداياتها ، أو التعايش مع العثمانيين على علات العلاقة وسلبياتها عند الكثيرين ممن يركنون إلى الذرية والزواج المتعدد للعمل في الأرض إصلاحا وزرعة.. وقد رصدت الرواية التحولات الموقفية التي شهدها المجتمع الأردني عقب ذاك تجاه الأتراك ، والنزوع الذي تبدى في مواقف نخبة مجتمعية تجاه المقاومة والانطواء تحت راية الثورة ، والتي سرعان ما اتسعت دائرة التأييد لها شعبيا ، رغبة في التخلص من سنين التبعية التركية والظلم الذي طال العباد في حرياتهم وأرزاقهم.. وهما موقفان مرحليان رصدت سميحة خريس مخاضهما بتقنية وأمانة حقيقيتين.

ولعل هذه الفترة المهمة من حياة المجتمع الاردني عموما وفي منطقة حوران على وجه أخص حملت في رحمها بذور تحولات مجتمعية وقيمية مهمة ، كالعناية بالتعليم ، والنهوض بالهم السياسي والرغبة في الاستقلال وتأسيس الكيان ، وربما ارتفاع الصوت العروبي عمن سواه استجابة لروح الثورة والتخلص من التبعية الذي عم أرجاء من العالم العربي عموما وبلاد الشام والحجاز على محمل اقرب.

والرواية من هذه الزوايا وثيقة اجتماعية أنثروبولوجية وتاريخية يسجل لها صدقيتها واقترابها من تجسيد عالم أبطالها في واحد من الفنون الإبداعية الذي شمخت فيه سميحة خريس نشمية أردنية على قدر عال من الثقافة.. ترجمت رؤاها في فضاءات روائية تقاطرت نهوضاً في عالم الإبداع العربي ، فقد غدت صاحبة تقاسيم الحياة في شجرة الفهود ، سيدة الحضور.. تناهز قريناتها شقيلة وماوية وعائشة الباعونية في الفعل المجلي الذي يجافيه الزبد ليمكث في الأرض.

Date : 20-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش